أخبار العالمإفريقيابحوث ودراسات

العزوف الانتخابي في تونس: أزمة ثقة أم تحوّل في الثقافة السياسية؟

العزوف الانتخابي في تونس وإشكالية الشرعية: مقاربة في فلسفة القانون السياسي بين الهندسة المجتمعية والعقد الديمقراطي

يطرح العزوف الانتخابي في تونس إشكالية تتجاوز التحليل السوسيولوجي التقليدي لسلوك الناخب، لتمتد إلى صلب فلسفة القانون السياسي ذاته، “فالمشاركة الانتخابية” ليست مجرد تقنية لإنتاج السلطة، بل هي آلية لتجسيد فكرة العقد الاجتماعي وتحويلها من فرضية فلسفية إلى ممارسة مؤسساتية. غير أن تراجع نسب المشاركة يثير سؤالًا جوهريًا: هل ما زالت المنظومة القانونية والمؤسساتية قادرة على إنتاج مواطن-فاعل، أم أنها أعادت إنتاج فرد سياسي منزوع الفاعلية؟

فمنذ سنة 2011، مثّلت الانتخابات  التونسية أحد أبرز رموز الانتقال الديمقراطي، بوصفها آلية لإعادة تشكيل السلطة وتجديد الشرعية السياسية. غير أن المسار الانتخابي في تونس شهد خلال السنوات الأخيرة ظاهرة متنامية تتمثل في “العزوف الانتخابي”، والتي بلغت مستويات غير مسبوقة في الاستحقاقات الأخيرة، مما يطرح تساؤلات عميقة حول علاقة المواطن بالفعل السياسي ومشروعية المؤسسات المنبثقة عنه.

فالعزوف الانتخابي ليس مجرد امتناع فردي عن التصويت، بل هو مؤشر سياسي واجتماعي يعكس حالة من الفتور الجماعي تجاه العملية الديمقراطية أما في الحالة التونسية، يبدو متشابكًا متضافرا مع عدة عوامل بنيوية وظرفية ففي الانتخابات التشريعية لسنة 2022، لم تتجاوز نسبة المشاركة 11.22% [1]، وهي من أدنى النسب في تاريخ تونس الحديث، ما اعتُبر رسالة واضحة عن تراجع الثقة في المسار السياسي الجديد بعد 25 جويلية 2021. وفي الانتخابات المحلية لسنة 2023-[2]2024، استمر المنحى ذاته، حيث لم تستطع السلطة الانتخابية استقطاب الناخبين رغم الطابع التنموي المحلي لهذا الاستحقاق.

أما الانتخابات الرئاسية لسنة 2024، فقد كشفت بدورها عن أزمة مشاركة حادة، إذ بلغت نسبة الإقبال حوالي 28.8% فقط، وهي الأدنى مقارنة بالانتخابات الرئاسية السابقة[3]، رغم الطبيعة المركزية لمنصب رئيس الجمهورية في النظام السياسي الجديد. وقد فاز قيس سعيّد بنسبة 90.69% من الأصوات، في انتخابات وُصفت من قبل عدد من المراقبين بأنها افتقدت إلى التنافسية الحقيقية نتيجة استبعاد عدد من المرشحين ومقاطعة عدة قوى سياسية وعلى هذه الوقائع السياسية يمكن بناء صورة تحليلية عامة و تفسير العزوف من خلال جملة من العوامل لعل أهمها:

أولها الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتواصلة، حيث أصبح المواطن التونسي أكثر انشغالًا بمسائل المعيشة اليومية من الانخراط في الفعل الانتخابي.وثانيها تراجع الثقة في الأحزاب السياسية التي فشلت، في نظر قطاعات واسعة، في تحقيق مطالب الثورة أو تقديم بدائل حقيقية. وثالثها التحولات الدستورية والمؤسساتية التي أفرزها دستور 2022، والتي غيّرت طبيعة النظام السياسي وأثرت على إدراك الناخبين لجدوى الانتخابات.

إلى جانب ذلك،لا يمكن إغفال عامل “اللامعنى السياسي”، أي شعور جزء كبير من الناخبين بأن نتائج الانتخابات محسومة مسبقًا أو أن تأثير أصواتهم محدود في تغيير السياسات العامة وهو العامل الجوهري الذي يتغذى من ضعف التنافس، تراجع الحريات السياسية، وغياب النقاشات البرامجية الجدية الهادفة لتحقيق تكافؤ الفرص.

غير أن قراءة العزوف باعتباره موقفًا سلبيًا فقط تبقى قاصرة، فالعزوف قد يكون شكلًا من أشكال الاحتجاج السياسي الصامت، أو تعبيرًا عن رفض العرض السياسي القائم. في هذه الحالة، يتحول الامتناع عن التصويت إلى فعل سياسي بحد ذاته، يحمل رسالة احتجاجية تجاه النخب والمؤسسات.

عند وقوف عند هذه النقاط نستشف أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في انخفاض نسب المشاركة، بل في أثر ذلك على الشرعية الديمقراطية. فكلما تقلصت قاعدة المشاركة، ضعفت الصلة بين الحاكم والمحكوم، وازدادت هشاشة المؤسسات المنتخبة. وفي السياق التونسي، يبدو أن الأزمة تجاوزت مجرد “عزوف ظرفي” لتقترب من أزمة تمثيل سياسي هيكلية.

دراسة الانتخابات التشريعية الجزئية الكبارية 2026

إن الانتخابات التشريعية الجزئية بدائرة الكبارية لسنة 2026 تمثل حالة سياسية وقانونية لافتة، لأنها جاءت في سياق يتسم أصلًا بتراجع المشاركة الانتخابية على المستوى الوطني، مما يجعلها مختبرًا مهمًا لفهم ظاهرة العزوف الانتخابي على المستوى المحلي. فلم تكن مجرد استحقاق قانوني لملء شغور برلماني، بل شكلت اختبارًا سياسيًا حقيقيًا لقياس نبض الشارع. غير أن المؤشرات الأولية، كما في محطات سابقة، تؤكد استمرار ظاهرة العزوف، بما يعكس اتساع الفجوة بين المواطن والمؤسسة الانتخابية.

وقد أُعلنت هذه الانتخابات إثر شغور المقعد النيابي بعد وفاة النائب “صالح مباركي”، وتمت الدعوة الرسمية للناخبينوتحديد موعدًا للاقتراع[4].

تميزت هذه الانتخابات بعدة خصائص:

السياق السياسي

التنافس

 الدلالة السوسيولوجية

جاءت في ظل مناخ عام من الفتور السياسي وتراجع الاهتمام الشعبي بالمؤسسات المنتخبة، خاصة بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2022 التي سجلت نسب مشاركة ضعيفة تاريخيًا. وهو ما جعل الرهان الأساسي في الكبارية ليس فقط انتخاب نائب جديد، بل اختبار مدى قدرة السلطة الانتخابية على تعبئة الناخبين وتحقيق نتائج فعلية.

أقرت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات القائمة النهائية التي ضمت خمسة مترشحين. هذا العدد يعكس وجود حد أدنى من التعددية، لكنه لا يعني بالضرورة وجود تنافس سياسي فعلي إذا غابت البرامج والرؤى الواضحة لكل المترشحين.

 دائرة الكبارية لها خصوصية اجتماعية وشعبية تجعل من نتائجها مؤشرًا مهمًا على المزاج الانتخابي في الأحياء الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع السلوك السياسي وتظهر أن المؤشر الاقتصادي أكثر فاعلية لتحقيق التوازن السياسي.

 

الرهان الأكبر في هذه الانتخابات ليس اسم الفائز، بل نسبة المشاركة. فإذا استمرت مؤشرات العزوف، فإن ذلك يعزز فرضية انتقال تونس من أزمة تمثيل سياسي إلى أزمة شرعية انتخابية، خصوصًا في الدوائر الجزئية التي يفترض أن يكون فيها القرب من الناخب عامل تعبئة.

أما قانونا، فإن الانتخابات الجزئية تطرح أيضًا تساؤلًا حول مدى نجاعة النظام الانتخابي الحالي في ضمان استمرارية التمثيل النيابي، ومدى الحاجة إلى مراجعة آليات سد الشغور البرلماني، خاصة في ظل الكلفة المالية والتنظيمية المرتفعة لهذه الانتخابات. وفي القراءة السياسية أعمق، تشريعية الكبارية 2026 ليست مجرد استحقاق محلي محدود، بل هي مؤشر مصغر على العلاقة المتوترة بين المواطن التونسي وصندوق الاقتراع فهل ما زال التصويت أداة تغيير، أم أصبح مجرد إجراء شكلي في وعي جزء واسع من الناخبين؟

حين تصبح الصناديق بلا ناخبين

لم تعد الأزمة الانتخابية في تونس مرتبطة فقط بنتائج الاقتراع أو هوية الفائزين، بل أصبحت متصلة بجوهر العملية الديمقراطية نفسها “المشاركة”. فالمشهد الانتخابي التونسي، بعد أكثر من عقد على الثورة، يكشف بوضوح انتقال البلاد من أزمة تنافس سياسي إلى أزمة ثقة عميقة في جدوى الانتخابات ذاتها.

المفارقة أن تونس، التي كانت بعد 2011 تقدم كنموذج للانتقال الديمقراطي في المنطقة، تجد نفسها اليوم أمام تراجع لافت في نسب المشاركة. من انتخابات 2011 التي حملت زخم الثورة، إلى تشريعية 2022 التي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها حدودًا غير مسبوقة في الانخفاض، وصولًا إلى الانتخابات الرئاسية والمحلية الأخيرة، يبدو أن الصندوق الانتخابي فقد جزءًا كبيرًا من رمزيته السياسية.

السؤال هنا ليس تقنيًا، ولا يمكن اختزاله في ضعف الحملات التحسيسية أو محدودية اهتمام الناخبين، بل هو سؤال سياسي بامتياز: لماذا لم يعد التونسيون يثقون في الانتخابات؟ جزء من الجواب يكمن في تراكم الخيبات. فقد تحولت الانتخابات، في نظر شريحة واسعة من المواطنين، من أداة للتغيير إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج الأزمة. فتعاقبت الحكومات، تبدلت البرلمانات، لكن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية بقيت قائمة، جعلت المواطن ينظر إلى السياسة باعتبارها مجالًا عاجزًا عن إنتاج الحلول.

في المقابل، ساهمت التحولات الدستورية والسياسية التي أعقبت 25 جويلية 2021 في إعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والعملية الانتخابية. فالمسار الجديد أعاد هندسة المؤسسات، لكنه في الآن ذاته قلّص من حدة التنافس السياسي، وأضعف الوساطة الحزبية، وخلق انطباعًا لدى جزء من الرأي العام بأن مخرجات العملية الانتخابية أصبحت أقل تأثيرًا في صناعة القرار وهو ما انعكس منطقيا على نسب الانخراط في الفعل الانتخابي.

الأخطر في هذه الظاهرة أن العزوف لم يعد مجرد امتناع سلبي، بل تحول إلى خطاب احتجاجي صامت بالنسبة إلى كثيرين، يمثل رسالة رفض للعرض السياسي القائم، سواء تعلق الأمر بالمرشحين أو بالمؤسسات أو بقواعد اللعبة ذاتها.

لكن هذا الوضع يحمل مخاطر جدية على الديمقراطية التي لا تنهار فقط بالاستبداد، بل قد تتآكل أيضًا باللامبالاة واللافعل. وحين تصبح المؤسسات المنتخبة نتاج أقلية انتخابية ضيقة، فإن شرعيتها السياسية تصبح محل سؤال، مهما كانت شرعيتها القانونية قائمة.

وعليه ،فإن المشكل الحقيقي في تونس اليوم ليست في غياب الانتخابات، بل في تراجع الإيمان بفاعليتها. وهو ما يفرض مراجعة عميقة تتجاوز النصوص القانونية نحو إعادة بناء المعنى السياسي للانتخاب نفسه. لأن الصندوق، مهما كان سليمًا من الناحية الإجرائية أو قانونية، يفقد قيمته حين يصبح دون الناخبين. فلا يمكن إنفاذ الديمقراطية فقط بتنظيم مواعيد انتخابية دورية، بل بإقناع الناس بأن أصواتهم قادرة فعلًا على صناعة الفرق. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه تونس اليوم.

أزمة هندسة مجتمعية أم انهيار في فلسفة العقد الديمقراطي؟

ليست الانتخابات مجرد تقنية إجرائية لتوزيع السلطة، بل هي في جوهرها تعبير فلسفي عن شكل العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الحق والواجب، وبين الحرية والنظام. وعندما يعزف المواطن عن الانتخاب، فإن المسألة لا تتعلق فقط بغيابه عن صندوق الاقتراع، بل بخلل أعمق في البنية الرمزية التي تؤسس لفكرة الدولة ذاتها.

في الفلسفة السياسية الحديثة، مع Thomas Hobbes وJohn Locke وJean-Jacques Rousseau، قامت الدولة على فكرة العقد الاجتماعي: يتنازل فيها الفرد عن جزء من حريته الطبيعية مقابل ضمان الحقوق والأمن والنظام… لكن هذا العقد لا يستمر إلا بشرطين أساسيين هما الشرعية والمشاركة. فالشرعية تمنح السلطة الحق في الحكم، والمشاركة تمنح المواطن الإحساس بأنه شريك في الحكم لا موضوعه.

فكرة أن الشرعية السياسية تستمد من عقد ضمني بين الحاكم والمحكوم، يكون فيه المواطن شريكًا في إنتاج السلطة لا مجرد خاضع لها يفترض وجود ثقة متبادلة، وإلا تحول إلى علاقة قانونية شكلية بلا مضمون اجتماعي.

وبالعودة إلى السياق التونسي، يبدو أن هذا التوازن قد اهتز حقيقة ، فالعزوف الانتخابي لم يعد مجرد سلوك انتخابي، بل تحول إلى ظاهرة أنطولوجية تمس معنى الانتماء السياسي نفسه ” الموطنة”. المواطن لم يعد يرى نفسه داخل الدولة، بل خارجها؛ لا باعتباره فاعلًا في هندستها، بل مجرد متلقٍ لقراراتها دون أثر أو تأثير.

هنا يظهر مفهوم “الهندسة المجتمعية” بوصفه أداة تفسيرية مركزية. فكل نظام سياسي يمارس نوعًا من الهندسة الاجتماعية؛ أي إعادة تشكيل العلاقات والقيم والسلوكيات داخل المجتمع عبر القانون والمؤسسات والتربية والتعليم والاعلام والخطاب العام.

وهنا تظهر مفارقة فلسفية دقيقة كلما توسعت الدولة في تنظيم الحياة السياسية قانونيًا، دون أن ترافق ذلك بتحسين في العدالة الاجتماعية والاقتصادية، كلما تآكلت شرعيتها الرمزية، حتى وإن ظلت شرعيتها الشكلية قائمة.

كذلك فلسفة القانون، لا يُنظر إلى القانون بوصفه منظومة محايدة، بل بوصفه أداة لبناء المجتمع وإعادة تشكيله. بهذا المعنى، فإن القانون الانتخابي ليس مجرد تنظيم للإجراءات، بل هو شكل من أشكال “الهندسة المجتمعية” التي تحدد نوع الفاعل السياسي الذي تريد الدولة إنتاجه.

أما القانون الانتخابي، في هذا السياق، ليس مجرد تنظيم للمنافسة، بل هو تقنية لإنتاج المواطن السياسي. حين يصاغ القانون الانتخابي بطريقة تُضعف الوساطة الحزبية، أو تُفكك التمثيل الجماعي، أو تجعل المنافسة فردانية معزولة، فإن الدولة لا تعيد فقط تنظيم الانتخابات، بل تعيد هندسة المجتمع نفسه بإنتاج فرد انتخابي منعزل ، لا مواطنًا سياسيًا منخرطًا.

وهنا يكمن المأزق التونسي الراهن: الانتقال من “ديمقراطية الوسائط” إلى “ديمقراطية الأفراد”. ظاهريًا يبدو الأمر أكثر نقاءً، لكن فلسفيًا هو أكثر هشاشة، لأن الفرد وحده لا يصنع المجال العام؛ الأحزاب، النقابات، الجمعيات، والهيئات الدستورية هي التي تمنح الديمقراطية كثافتها الاجتماعية وعلى هذا المستوى، يصبح الحق    إشكالًا مزدوجًا: هل هو حق محض أم واجب مدني؟

من منظور ليبرالي، الانتخاب حق، أي حرية يمكن ممارستها أو الامتناع عنها. لكن من منظور جمهوري، كما عند Hannah Arendt، المشاركة السياسية ليست مجرد خيار، بل شرط وجود الإنسان كمواطن فالإنسان يصبح سياسيًا فقط حين يشارك في المجال العمومي.

في هذا السياق، يصبح العزوف الانتخابي ليس مجرد سلوك محايد أو ممارسة لحرية سلبية، بل مؤشرًا على إعادة تعريف المواطنة خارج المجال السياسي أو انسحابا من المجال السياسي نفسه وهذا الانسحاب يخلق فراغًا خطيرًا: السلطة تستمر قانونيًا، لكنها تتآكل اجتماعيًا.

الإشكال الاخفي اليوم أن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ التبادل: الحقوق مقابل الواجبات. لكن عندما يشعر المواطن أن واجباته (الجباية ، الالتزام بالقانون) قائمة، بينما الحقوقه (الكرامة، العدالة، التنمية) متآكلة، فإن العقد الاجتماعي يتحول إلى علاقة غير متكافئة. في دولة تعيد إنتاج الشرعية من الأعلى، بينما الديمقراطية الحقيقية  تُبنى من الأسفل. وهذه المفارقة هي جوهر الأزمة فهل يمكن فرض المشاركة عبر النصوص، أم أن المشاركة لا تُبنى إلا عبر الثقة؟

ومن الجدير القول أن الثقة هي المادة الخام للديمقراطية الفعلية فحين تنهار، يصبح القانون مجرد غوغاء بلا روح، والانتخابات مجرد طقس بلا معنى.المشكلة إذن ليست في عزوف الناخب، بل في فشل النظام في إنتاج مواطن يؤمن بأن صوته جزء من هندسة المصير الجماعي وهنا يطرح السؤال الفلسفي الأكبر: هل الديمقراطية حق يمكن التخلي عنه، أم واجب أخلاقي لحماية الجماعة؟

في الحالة التونسية، يبدو أن الإجابة لم تعد قانونية، بل وجودية، لأن المجتمع الذي يعزف عن اختيار حكامه، يترك هندسة مستقبله لغيره. ففي السياسة، الفراغ لا يبقى فراغًا؛ بل يُملأ دائمًا، إما بالمشاركة أو بالهيمنة.

على ضوء ذات السؤال، يبدو أن الأزمة ليست في صندوق الاقتراع ذاته، بل في البنية الفلسفية التي تحكم العلاقة بين القانون والمجتمع. فحين تفشل الهندسة المجتمعية في إنتاج ثقة سياسية، يصبح العزوف ليس انحرافًا عن الديمقراطية بقدر ما هو نتاج عارض لإعادة تشكيلها في اتجاه غير مكتمل، حيث يبقى القانون قائمًا فيما يتراجع معناه الاجتماعي المجتمعي.

خلاصة القول، إن مستقبل الديمقراطية لا يتوقف فقط على جودة النصوص القانونية أو وجودها التنظيمي، بل يرتد على ذلك ليشمل  قدرتها على إعادة بناء المواطن كفاعل سياسي، لا مجرد موضوع تنظيمي داخل منظومة معيارية مغلقة ، حيث لم يعد السؤال الجوهري من يفوز في الانتخابات؟ بل من لا يزال يؤمن بها؟

الاستنتاجات والتوصيات:

أمام هذا التراجع المتواصل في المشاركة، لم يعد كافيًا الاكتفاء بتشخيص الأزمة، بل أصبح من الضروري التفكير في حلول بديلة تعيد الاعتبار للفعل الانتخابي وتمنح العملية الديمقراطية مضمونًا فعليًا. ذلك أن معالجة هذه الظاهرة تقتضي إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، عبر ضمان انتخابات تنافسية ونزيهة، وإصلاح المنظومة الحزبية، وتعزيز الحريات العامة، وربط الفعل السياسي بالنتائج الملموسة في حياة الناس فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع، بل بمدى إيمان المواطنين بجدواها.

1/ أولى هذه البدائل يتمثل في مراجعة المنظومة الانتخابية نفسها. فالقانون الانتخابي ليس مجرد أداة تنظيمية، بل هو عنصر مؤثر في سلوك الناخبين. إعادة النظر في نظام الاقتراع، وشروط الترشح للاجدر، وآليات الحملة الانتخابية قد تساهم في تعزيز التنافسية وإعادة الحيوية للمشهد السياسي.

2/ لا يمكن معالجة العزوف دون إعادة بناء الوساطة السياسية، خاصة الإعلام الحر والأحزاب فإضعاف الأحزاب أو تراجع دورها خلق فراغًا تمثيليًا واضحًا. الديمقراطية لا تستقيم دون هياكل سياسية قادرة على تأطير المواطنين، إنتاج البرامج، وصناعة النخب.

3/ يجب الاستثمار في التربية المدنية والسياسية، خصوصًا لدى الشباب. فالعزوف ليس دائمًا موقفًا احتجاجيًا واعيًا، بل قد يكون نتيجة ضعف الثقافة السياسية أو غياب الإحساس بالأثر الحقيقي لبناء وعي انتخابي مستدام يبدأ من المدرسة والجامعة ويمتد إلى الإعلام والميديا والمجتمع المدني.

4/ يبقى تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية شرطًا أساسيًا لاستعادة الثقة ذلك أن المواطن الذي يعيش تحت ضغط الفقر والبطالة والتهميش يكون أقل استعدادًا للانخراط السياسي، لأن أولوياته تصبح مرتبطة بالبقاء اليومي ومكانته الاقتصادية لا بالمشاركة العامة.

فلا يمكن اختزال الحل في دعوة الناس إلى التصويت، بل في بناء بيئة سياسية تجعل التصويت فعلًا ذا معنى. فاستعادة الناخب لا تمر عبر الخطاب التعبوي فقط، بل عبر إصلاحات عميقة تعيد الثقة في الدولة، في السياسة، وفي قيمة الصوت الانتخابي بالتنشئة.

المراجع

[1] تقرير الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات حول انتخابات أعضاء مجلس نواب الشعب 17 ديسمبر 2022

[2] تقرير الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات حول مسار تركيز المجلس الوطني للجهات والأقاليم 2023-2024 الصفحة

 ( 295- 306)

[3] تقرير الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات حول الانتخابات الرئاسيّة – 6 أكتوبر 2024

[4]  الأمر عدد 42 لسنة 2026 المؤرخ في 27 مارس 2026، وحدد يوم 28 جوان 2026 .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق