التقرير العام لورشة علمية عربية صينية: “بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك في ظل التغيرات غير المسبوقة منذ مائة سنة”

تنظيم: المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية 17-07-2026
في إطار دوره الرامي إلى تعزيز البحث العلمي، ودعم الحوار الاستراتيجي بين مختلف الفاعلين الأكاديميين والباحثين على المستوى الإقليمي والدولي، نظم المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية يوم الخميس 16 جويلية 2026 ورشة علمية تحت عنوان: “بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك في ظل التغيرات غير المسبوقة منذ مائة سنة”، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء والأكاديميين من عدد من الدول العربية وجمهورية الصين الشعبية الممثلة في دائرة الشؤون الخارجية بالحزب الشيوعي الصيني.
جاء تنظيم هذه الورشة في سياق دولي يتسم بتحولات عميقة وغير مسبوقة، أعادت تشكيل طبيعة النظام الدولي، وأثرت في أنماط العلاقات بين القوى الكبرى والدول النامية. فقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في المنافسة الجيوسياسية، وتغيرًا في موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب بروز تحديات عابرة للحدود مثل الأمن الغذائي، والطاقة، والتغير المناخي، والأمن السيبراني، والثورة الرقمية.
وفي ظل هذه التحولات، أصبحت العلاقات الصينية العربية تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة، حيث لم تعد تقتصر على التعاون الاقتصادي أو المبادلات التجارية، بل تطورت نحو بناء إطار شامل للتعاون يقوم على التنمية المشتركة، وتبادل الخبرات، وتعزيز الحوار بين الحضارات، بما ينسجم مع مفهوم بناء مجتمع صيني عربي ذي مستقبل مشترك الذي طرحته الصين كجزء من رؤيتها الجديدة للعلاقات الدولية.
وقد شكلت الورشة فضاءً علميًا لمناقشة مختلف أبعاد هذه الشراكة، من خلال مقاربات متعددة تناولت الجوانب الجيوسياسية، والاقتصادية، والأمنية، والحضارية، والتنموية، مع التركيز على كيفية انتقال العلاقات العربية الصينية من مستوى التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية القائمة على المصالح المتبادلة.
أولًا: الجلسة الافتتاحية
كلمة الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية
افتتحت الدكتورة بدرة قعلول أشغال الورشة بالتأكيد على أهمية انعقاد هذا اللقاء العلمي في مرحلة تاريخية تشهد إعادة تشكيل عميق للنظام الدولي، مشيرة إلى أن العلاقات الصينية العربية أصبحت تمثل أحد المحاور المهمة في فهم التحولات العالمية الجارية على مستوى الاقتصاد والسياسة والأمن العالمي، وان العلاقات العربية الصينية أصبحت اليوم أساسية للتوازن العالمي.
وأكدت أن اختيار موضوع “بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك” يعكس الحاجة إلى تجاوز المقاربات التقليدية التي تنظر إلى العلاقات الدولية من زاوية المصالح الآنية فقط، نحو بناء رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على التعاون، وتبادل المعرفة، وتعزيز التنمية المشتركة.
وأوضحت أن العالم العربي والصين يمتلكان رصيدًا حضاريًا وتاريخيًا غنيًا يسمح لهما بتطوير نموذج جديد من العلاقات الدولية يقوم على الحوار بين الحضارات، واحترام الخصوصيات الثقافية، وتحقيق المصالح المشتركة بعيدًا عن منطق الصراع والاستقطاب.
كما شددت على الدور الذي يجب أن تضطلع به مراكز الفكر والجامعات في إنتاج المعرفة وتقديم التحليلات العلمية التي تساعد صناع القرار على فهم التحولات الدولية، واستشراف مستقبل العلاقات العربية الصينية في ظل البيئة الدولية الجديدة وخاصة من خلال مبادرة الحوكمة العالمية والعدالة في مفهومها الجديد الذي يتطابق مع تتطلع اليه الشعوب العربية وشعوب العالم ومن خلال “بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية”.
ثانيًا: كلمة معالي السيد جين شين: نائب وزير دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني
يُعد السيد جين شين من ابرز المسؤولين للحزب الشيوعي الصيني وهو نائب وزير دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، حيث يضطلع بدور في متابعة العلاقات السياسية والفكرية بين الصين والدول العربية، وتعزيز قنوات الحوار بين المؤسسات الصينية ونظيراتها العربية.
جاءت مداخلته لتقدم رؤية صينية حول مستقبل العلاقات العربية الصينية، حيث أكد أن التعاون بين الطرفين لا يمثل علاقة ظرفية مرتبطة بالمتغيرات الدولية الراهنة، وإنما يستند إلى تاريخ طويل من التواصل الحضاري والتبادل التجاري والثقافي الممتد عبر طريق الحرير القديم.
وأشار إلى أن العلاقات الصينية العربية شهدت تطورًا كبيرًا خلال العقود الأخيرة، خاصة مع ارتفاع مستوى التنسيق السياسي، وتوسع المبادلات الاقتصادية، وتعزيز التعاون ضمن إطار منتدى التعاون الصيني العربي. ومبادرة الحزام والطريق
وأوضح أن الصين تنظر إلى الدول العربية باعتبارها شريكا مهم في مسار التنمية المشتركة، مشددًا على أن بناء مجتمع صيني عربي للمستقبل المشترك يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية، من بينها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز التعاون القائم على المنفعة المتبادلة.
كما تطرق إلى أهمية توسيع مجالات التعاون لتشمل القطاعات المستقبلية، خاصة التكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والتعليم، والبحث العلمي، معتبرًا أن مستقبل العلاقات الصينية العربية لن يتحدد فقط بحجم التجارة والاستثمار، وإنما بقدرة الطرفين على بناء شراكات معرفية وتنموية طويلة المدى.
وفي هذا السياق، أكد أن الصين ترى في الحوار الحضاري عنصرًا أساسيًا لتعزيز الثقة بين الشعوب، وأن التعاون الثقافي والأكاديمي يمثل جسرًا ضروريًا لفهم أعمق بين الحضارتين الصينية والعربية.
ثالثًا: مداخلة الدكتور محمد اشتية
في مداخلته ضمن الورشة، تناول الدكتور محمد اشتية التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، مؤكدًا أن العالم يعيش مرحلة انتقالية تتسم بإعادة توزيع موازين القوة وظهور أنماط جديدة من العلاقات الدولية تتجاوز النموذج التقليدي القائم على الهيمنة الأحادية. وأوضح أن صعود الصين يمثل أحد أبرز مظاهر هذا التحول، ليس فقط باعتبارها قوة اقتصادية كبرى، وإنما باعتبارها فاعلًا دوليًا يقدم رؤى ومبادرات جديدة لإدارة العلاقات الدولية.
وأكد الدكتور اشتية أن العلاقات الصينية العربية تستند إلى خلفية تاريخية وحضارية عميقة، وأن تطورها الراهن يعكس حاجة مشتركة لدى الطرفين إلى بناء شراكات أكثر توازنًا في ظل عالم متعدد الأقطاب. وأشار إلى أن الدول العربية تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية وتعزيز استقلالية قرارها الاستراتيجي، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها النظام العالمي وتراجع قدرة المؤسسات التقليدية على معالجة الأزمات الدولية.
وفي هذا الإطار، شدّد على أهمية الانتقال من علاقات تقوم على تبادل المصالح الاقتصادية التقليدية إلى شراكات تنموية حقيقية تركز على بناء القدرات، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الاستثمار في الإنسان باعتباره أساس أي مشروع حضاري مستدام.
كما تطرق الدكتور اشتية إلى القضية الفلسطينية باعتبارها أحد الاختبارات الأساسية لمصداقية النظام الدولي، مؤكدًا أهمية دور القوى الدولية، ومنها الصين، في دعم مبادئ العدالة الدولية وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وأبرز أن بناء نظام دولي أكثر توازنًا يتطلب تعزيز دور الدول النامية والجنوب العالمي في صياغة قواعد العلاقات الدولية.
وفي رؤيته لمستقبل التعاون العربي الصيني، أكد أن المجال الأكثر أهمية خلال المرحلة القادمة يتمثل في الاستثمار في المعرفة والتعليم والتكنولوجيا، باعتبارها الأدوات الرئيسية لبناء القوة في القرن الحادي والعشرين، مشيرًا إلى أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون بناء مجتمعات قادرة على إنتاج المعرفة والابتكار.
رابعًا: مداخلة الدكتور أحمد ميزاب
ركز الدكتور أحمد ميزاب في مداخلته على التحولات العميقة التي طرأت على مفهوم الأمن في البيئة الدولية الراهنة، موضحًا أن الأمن لم يعد مفهومًا عسكريًا ضيقًا مرتبطًا بحماية الحدود والسيادة فقط، بل أصبح مفهومًا مركبًا يشمل الأبعاد الاقتصادية، والتكنولوجية، والغذائية، والطاقية، والبيئية.
وأشار إلى أن التحولات الدولية الحالية كشفت محدودية المقاربات التقليدية في تفسير طبيعة التهديدات الجديدة، خاصة مع تصاعد الأزمات العالمية، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد التنافس بين القوى الكبرى حول التكنولوجيا والموارد والممرات الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور ميزاب أن العلاقات الصينية العربية يجب أن تُقرأ ضمن إطار التحولات الكبرى في النظام الدولي، حيث تمثل الصين أحد الفاعلين الأساسيين في صياغة التوازنات الجديدة. وأوضح أن التعاون العربي الصيني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتقالًا من محور دولي إلى آخر، وإنما باعتباره خيارًا استراتيجيًا يسمح للدول العربية بتنويع شراكاتها وتعزيز قدرتها على المناورة في بيئة دولية متغيرة.
كما تناول أهمية البعد الأمني في العلاقات العربية الصينية، معتبرًا أن الاستقرار الإقليمي يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات. فالمشاريع الكبرى، سواء في إطار مبادرة الحزام والطريق أو غيرها من المبادرات التنموية، تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة قادرة على ضمان استمراريتها.
وأكد كذلك على ضرورة تعزيز التعاون في مجالات الأمن غير التقليدي، مثل مكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، والأمن الغذائي، والطاقة، باعتبارها تحديات مشتركة تواجه الصين والدول العربية على حد سواء.
وفي ختام مداخلته، شدد الدكتور أحمد ميزاب على أن نجاح الشراكة العربية الصينية يرتبط بقدرة الطرفين على بناء رؤية استراتيجية طويلة المدى تتجاوز الحسابات الظرفية، وتقوم على التكامل بين المصالح الاقتصادية والأهداف الأمنية والتنموية.
خامسًا: مداخلة الدكتور علي يوسف
ينطلق الدكتور علي يوسف من فرضية أساسية مفادها أن العلاقات الصينية العربية لم تعد مجرد شراكة اقتصادية أو تعاون دبلوماسي تقليدي، بل أصبحت تتجه تدريجيًا نحو بناء مجتمع صيني عربي ذي مستقبل مشترك يقوم على المصالح المتبادلة، والتنمية المستدامة، واحترام السيادة، والاستفادة من الإرث الحضاري المشترك.
وأوضح أن هذا المشروع يأتي في ظل بيئة دولية معقدة تشهد تحولات غير مسبوقة، أبرزها الانتقال التدريجي من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب، وتصاعد المنافسة الاستراتيجية بين الصين والولايات المتحدة، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية التقليدية، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي والطاقة والأمن الغذائي.
وأكد الدكتور علي يوسف أن المجتمع الصيني العربي المشترك يقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من بينها الثقة السياسية المتبادلة، والتكامل الاقتصادي ضمن مبادرة الحزام والطريق، والتعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى الحوار الحضاري والثقافي.
غير أنه أشار إلى أن هذا المشروع يواجه تحديات عديدة، أهمها التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، واستمرار النزاعات الإقليمية، والفجوة التكنولوجية بين الصين والدول العربية، والحاجة إلى تنويع الاقتصادات العربية بعيدًا عن الاعتماد على الموارد التقليدية.
وفي رؤيته المستقبلية، أكد الدكتور علي يوسف أن نجاح المجتمع الصيني العربي المشترك لن يقاس فقط بحجم المبادلات التجارية والاستثمارات، وإنما بمدى القدرة على بناء نموذج جديد من العلاقات الدولية يقوم على الشراكة المتكافئة والتنمية المشتركة.
كما دعا إلى تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي، والتعليم، باعتبارها المجالات التي ستحدد طبيعة القوة الدولية خلال العقود المقبلة.
سادسًا: مداخلة الاستاذ هيثم السيد
في مداخلته التي قدمها خلال الورشة، تناول الدكتور هيثم السيد موضوع العلاقات العربية الصينية من منظور تاريخي واستراتيجي، مؤكدًا أن هذه العلاقات لا تمثل استجابة ظرفية للتحولات الدولية الراهنة، وإنما تستند إلى جذور تاريخية عميقة تمتد لآلاف السنين، خاصة من خلال طريق الحرير الذي شكل أحد أهم مسارات التواصل التجاري والحضاري بين الصين والعالم العربي.
وأوضح أن طريق الحرير لم يكن مجرد شبكة من الطرق التجارية، بل كان فضاءً للتفاعل الحضاري وتبادل المعرفة والثقافات، حيث ساهم في ربط الحضارتين العربية والصينية خلال مراحل تاريخية مهمة. وأشار إلى أن ازدهار العلاقات بين الحضارتين تزامن مع فترات تاريخية بارزة، منها العصر العباسي في العالم العربي وعصر أسرة تانغ في الصين، وهي مراحل شهدت تطورًا كبيرًا في العلوم والتجارة والتبادل الثقافي.
وبيّن الدكتور هيثم السيد أن عودة الحديث عن الشراكة الصينية العربية اليوم تأتي في إطار مختلف، إذ لم تعد ترتبط بالطرق التجارية القديمة، وإنما بشبكات حديثة تشمل البنية التحتية، وسلاسل الإمداد العالمية، والطاقة، والتكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي.
وأكد أن الصين أصبحت شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا رئيسيًا للعديد من الدول العربية، في حين تمثل المنطقة العربية عنصرًا استراتيجيًا مهمًا للصين بحكم موقعها الجغرافي، ومواردها الطبيعية، ودورها في أمن الطاقة، ومكانتها ضمن طرق التجارة العالمية.
كما تناول الدكتور هيثم السيد أهمية الانتقال من التعاون الاقتصادي التقليدي إلى تعاون أكثر عمقًا يشمل مجالات الابتكار، والذكاء الاصطناعي، والتعليم، والبحث العلمي، والتبادل الثقافي، معتبرًا أن بناء مجتمع صيني عربي للمستقبل المشترك يتطلب الاستثمار في الإنسان والمعرفة باعتبارهما أساس القوة المستقبلية.
وفي هذا السياق، قدم نموذج العلاقات السعودية الصينية باعتباره مثالًا على تطور الشراكات العربية الصينية، حيث شهدت العلاقات بين البلدين توسعًا في المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والثقافية، خاصة مع توافق أهداف رؤية المملكة 2030 مع توجهات مبادرة الحزام والطريق.
واختتم الدكتور هيثم السيد مداخلته بالتأكيد على أن مستقبل العلاقات العربية الصينية يعتمد على قدرة الطرفين على بناء شراكة قائمة على المصالح المتبادلة، واحترام الخصوصيات الحضارية، والتعاون لمواجهة التحديات العالمية المشتركة.
سابعًا: مداخلة الدكتورة أريج علي جبر
قدمت الدكتورة أريج علي جبر ورقة بعنوان: “الأمن الحضاري التنموي: مقاربة عربية لإدارة الشراكة مع الصين في ظل التحولات الدولية – دراسة في مبادرتي الأمن العالمي والحضارة العالمية”.
انطلقت الباحثة من فكرة أساسية مفادها أن مفهوم الأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد مرتبطًا فقط بالقدرات العسكرية أو حماية الحدود، بل أصبح مفهومًا شاملًا يضم عناصر متعددة تشمل التنمية، والتكنولوجيا، والطاقة، والهوية الحضارية، والقدرة على مواجهة التحديات العابرة للحدود.
وأوضحت أن التحولات الكبرى التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، بداية من جائحة كوفيد-19، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وصولًا إلى التنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى، أثبتت أن الأمن والتنمية أصبحا عنصرين مترابطين لا يمكن الفصل بينهما.
وفي هذا الإطار، قدمت الدكتورة أريج مفهوم «الأمن الحضاري التنموي» باعتباره مقاربة تحليلية تجمع بين الأمن الوطني، والتنمية المستدامة، والهوية الحضارية، والاستقلال الاستراتيجي ضمن رؤية واحدة.
وأكدت أن حماية الهوية الحضارية لا تعني الانغلاق أو رفض التفاعل مع العالم، بل تعني بناء قدرة مجتمعية على الانفتاح الواعي، واستيعاب المعرفة، والتفاعل مع التحولات العالمية مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية.
كما تناولت المبادرات الصينية، خاصة مبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية، باعتبارها جزءًا من رؤية صينية أوسع لإعادة صياغة التعاون الدولي على أساس الحوار، واحترام سيادة الدول، وتعزيز التنمية المشتركة.
وأشارت إلى أن الدول العربية لا ينبغي أن تنظر إلى الصين باعتبارها بديلًا أيديولوجيًا عن الغرب، وإنما كشريك دولي يمكن أن يساعدها على تنويع خياراتها الاستراتيجية، وتعزيز التنمية، ونقل التكنولوجيا.
كما قدمت مفهوم التحوط الاستراتيجي العربي، الذي يقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، وتجنب الانخراط في الاستقطاب العالمي، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.
وفي جانب التوصيات، دعت الدكتورة أريج علي جبر إلى:
- تطوير إطار عربي مرن للتعاون مع الصين.
- توجيه الشراكات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة.
- تعزيز نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية.
- إنشاء منصات دائمة للحوار بين الحكومات والجامعات ومراكز الفكر.
- تطوير مؤشرات لقياس الأثر الحقيقي للشراكات التنموية.
وأكدت في ختام مداخلتها أن التحدي الأساسي أمام الدول العربية لا يتمثل في غياب الفرص، وإنما في قدرتها على إدارة هذه الفرص وتحويلها إلى مشاريع تنموية تحقق الاستقلال الاستراتيجي.
ثامنًا: مداخلة الدكتورة هدى الحزامي
قدمت الدكتورة هدى الحزامي مداخلة بعنوان: “من قرطاج إلى الحزام والطريق: تونس شريك استراتيجي في بناء فضاء متوسطي صيني عربي جديد”.
انطلقت الباحثة من فرضية رئيسية مفادها أن مبادرة الحزام والطريق لا تمنح تونس موقعًا جديدًا فقط، وإنما تتيح لها استعادة وظيفة تاريخية ارتبطت بدورها الحضاري منذ العهد القرطاجي، باعتبارها نقطة وصل بين الحضارات والأسواق في البحر الأبيض المتوسط.
وأوضحت أن الموقع الجغرافي لتونس شكل عبر التاريخ عنصرًا من عناصر القوة، حيث جعل من قرطاج قوة بحرية وتجارية كبرى تمكنت من التحكم في شبكات التجارة المتوسطية. كما أشارت إلى استمرار هذا الدور لاحقًا من خلال القيروان التي أصبحت مركزًا للتبادل العلمي والثقافي والتجاري بين مناطق مختلفة.
وأكدت أن أدوات القوة تغيرت عبر الزمن، فبعد أن كانت السفن والموانئ التقليدية مصدر النفوذ، أصبحت اليوم الموانئ الذكية، والطاقة، والتكنولوجيا، وسلاسل القيمة العالمية هي أدوات التأثير الاقتصادي.
وفي هذا السياق، اعتبرت أن مبادرة الحزام والطريق تمثل فرصة استراتيجية لتونس لإعادة إدماج نفسها ضمن شبكات التجارة العالمية، وتحويل موقعها الجغرافي من مجرد ميزة طبيعية إلى قيمة اقتصادية منتجة.
وتطرقت إلى مجالات التعاون المستقبلية بين تونس والصين، خاصة:
- تطوير الموانئ التونسية وتحويلها إلى منصات لوجستية متوسطية.
- التعاون في مجال الطاقة المتجددة.
- الاستثمار في الهيدروجين الأخضر.
- تعزيز الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا.
وأكدت أن تونس تمتلك إمكانيات مهمة لتصبح منصة متوسطية للطاقة النظيفة، خاصة بحكم قربها من السوق الأوروبية وامتلاكها إمكانات كبيرة في مجال الطاقة الشمسية، في حين تمتلك الصين الخبرات والتقنيات اللازمة لتطوير هذا القطاع.
غير أنها شددت على أن نجاح هذه الشراكة يتطلب الانتقال من مرحلة الاتفاقيات السياسية إلى مرحلة المشاريع العملية، من خلال تحسين البيئة الاستثمارية، وتعزيز قدرة المؤسسات على التخطيط والتنفيذ، وبناء رؤية وطنية واضحة للتعاون مع الصين.
واختتمت مداخلتها بالتأكيد على أن الانتقال من «قرطاج إلى الحزام والطريق» لا يمثل مجرد امتداد تاريخي، وإنما يعكس إمكانية بناء دور تونسي جديد في فضاء متوسطي صيني عربي يقوم على التنمية المشتركة وإنتاج القيمة المضافة.
تاسعًا: مداخلة الأستاذ ناصر بن حامد العبري
ركزت مداخلته على البعد التاريخي والحضاري للعلاقات العربية الصينية، مع إبراز خصوصية التجربة العمانية باعتبارها نموذجًا مبكرًا للتواصل بين الحضارتين العربية والصينية.
استهل الباحث مداخلته بالتأكيد على أن الحضارات الإنسانية لم تُبنَ فقط على القوة المادية، وإنما على قدرة الشعوب على التواصل والتبادل والانفتاح على الآخر. وفي هذا السياق، أوضح أن العلاقات الصينية العربية ليست وليدة التحولات الدولية الراهنة، وإنما تمتد جذورها إلى آلاف السنين، حيث شكل طريق الحرير فضاءً تاريخيًا للتفاعل التجاري والثقافي بين الحضارتين.
وأشار إلى أن سلطنة عمان احتلت موقعًا مميزًا في هذا المسار التاريخي، بحكم موقعها الجغرافي المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، الأمر الذي جعلها حلقة وصل بين الشرق والغرب. وأوضح أن العمانيين أدركوا منذ القدم أهمية التواصل مع الحضارات الأخرى، حيث لعب التجار والبحارة العمانيون دورًا مهمًا في بناء جسور التبادل التجاري والثقافي مع الصين.
وتطرق إلى شخصية التاجر العماني أبو عبيدة عبد الله بن القاسم في القرن الثامن الميلادي، باعتباره أحد رموز التواصل المبكر بين العرب والصين، مؤكدًا أن الرحلات التجارية البحرية شكلت نموذجًا للتعاون القائم على المصالح المشتركة والتعايش السلمي.
كما تناول الباحث الرحلات البحرية التاريخية للأدميرال الصيني شنغ خه خلال القرن الخامس عشر، معتبرًا أنها تمثل محطة مهمة في تاريخ الانفتاح الصيني على العالم، وأن منطقة الخليج العربي كانت جزءًا من هذا التواصل الحضاري الواسع.
وأوضح أن العلاقات العمانية الصينية حافظت على استمراريتها عبر التاريخ، وصولًا إلى المرحلة الحديثة، حيث شهدت تطورًا ملحوظًا بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وصولًا إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية بين سلطنة عمان وجمهورية الصين الشعبية سنة 2018.
وأكد أن النموذج العماني الصيني يعكس طبيعة جديدة من العلاقات الدولية تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل، والتعاون التنموي طويل المدى.
وفي الجانب المتعلق بمستقبل العلاقات العربية الصينية، أكد الأستاذ ناصر بن حمد العبري أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع مجالات التعاون لتشمل قطاعات أكثر تقدمًا، مثل التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والتعليم، والثقافة.
كما دعا إلى تعزيز دور الإعلام والمثقفين والباحثين في بناء جسور التواصل بين الشعوب، معتبرًا أن المعرفة المتبادلة تمثل أساسًا ضروريًا لاستدامة العلاقات الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أهمية منتدى التعاون العربي الصيني باعتباره إطارًا مؤسساتيًا مهمًا لتعزيز التعاون، داعيًا إلى تطوير دوره بما يسمح بالانتقال من العلاقات الاقتصادية التقليدية إلى شراكة شاملة تشمل مختلف المجالات.
واختتم مداخلته بالتأكيد على أن العلاقات العربية الصينية تمثل فرصة تاريخية لبناء نموذج جديد للتعاون الدولي، قائم على السلام والتنمية والحوار الحضاري.
الجلسة الختامية
كلمة السيد جين شين والرد على المداخلات والأسئلة
في ختام أشغال الورشة، قدم السيد جين شين كلمة ختامية تضمنت تفاعلًا مع مختلف المداخلات العلمية التي قدمها الباحثون والخبراء المشاركون، إضافة إلى الإجابة عن عدد من التساؤلات التي طرحت خلال النقاش.
وأكد جين شين أن تنوع المداخلات المقدمة خلال الورشة يعكس تعدد أبعاد العلاقات الصينية العربية، والتي لم تعد تقتصر على المجال الاقتصادي، بل أصبحت تشمل أبعادًا سياسية، وحضارية، وأمنية، ومعرفية.
وفي رده على النقاشات المتعلقة بمستقبل الشراكة الصينية العربية، أوضح أن الصين تنظر إلى العالم العربي باعتباره شريكًا استراتيجيًا مهمًا، وأن تطوير هذه العلاقات يقوم على مبدأ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيدًا عن منطق الهيمنة أو فرض النماذج السياسية.
وأشار إلى أن الصين تدعم بناء نظام دولي أكثر عدلًا وتوازنًا، يقوم على التعددية واحترام سيادة الدول، مؤكدًا أن الدول العربية والصين تواجهان تحديات مشتركة تتطلب تعزيز التعاون، خاصة في مجالات التنمية، والأمن الغذائي، والطاقة، والتكنولوجيا.
كما أكد أن مبادرة الحزام والطريق ليست مجرد مشروع للبنية التحتية، وإنما إطار للتعاون التنموي يهدف إلى تعزيز الترابط بين الدول، ودعم التنمية الاقتصادية، وتحقيق المنفعة المتبادلة.
وفي ما يتعلق بالمجال الثقافي والحضاري، شدد على أهمية تعزيز التواصل بين الشعوب، وتوسيع برامج التبادل الأكاديمي والثقافي، وتعليم اللغات، باعتبارها عناصر أساسية لبناء الثقة وتعميق الفهم المتبادل بين الحضارتين الصينية والعربية.
كما ثمّن الدور الذي تقوم به مراكز الفكر والجامعات العربية في دراسة العلاقات الصينية العربية وتقديم مقاربات علمية تساعد على تطوير هذه الشراكة، مؤكدًا أن المعرفة والبحث العلمي يمثلان أحد أهم جسور التعاون المستقبلية.
وفي تعليقه على مختلف المقترحات التي قدمها الباحثون، أكد أن الصين تولي أهمية خاصة للتعاون في مجالات الابتكار، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والتنمية المستدامة، باعتبارها قطاعات ستحدد مستقبل العلاقات الدولية.
كلمة الاختتام للدكتورة بدرة قعلول
اختتمت الدكتورة بدرة قعلول أشغال الورشة بالتعبير عن تقديرها لجميع المشاركين والخبراء الذين ساهموا في إثراء النقاش العلمي، مؤكدة أن نجاح هذا اللقاء يعكس أهمية الحوار الأكاديمي في فهم التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
وأكدت أن تنظيم هذه الورشة يأتي ضمن رؤية المركز الرامية إلى تعزيز البحث الاستراتيجي، وفتح فضاءات للنقاش حول القضايا الدولية ذات الأهمية، خاصة تلك المرتبطة بإعادة تشكيل النظام العالمي ومستقبل العلاقات بين مختلف الفاعلين الدوليين.
وأشارت إلى أن العلاقات العربية الصينية تمثل مجالًا واسعًا للبحث والدراسة، نظرًا لما تحمله من أبعاد تاريخية وحضارية واستراتيجية، مؤكدة أن تطوير هذه العلاقات يتطلب تعزيز دور الباحثين ومراكز الفكر في تقديم تحليلات علمية تساعد على بناء سياسات أكثر فاعلية.
كما شددت على أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من مرحلة الحوار حول الشراكة إلى مرحلة إنتاج مشاريع مشتركة قابلة للتنفيذ، خاصة في مجالات التكنولوجيا، والطاقة، والتعليم، والبحث العلمي.
وأكدت أن المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية سيواصل دوره في دعم الحوار الدولي، وتعزيز التعاون بين الباحثين والمؤسسات الفكرية من مختلف الدول، بما يساهم في بناء جسور المعرفة والتفاهم بين الشعوب.
الخلاصة:
أظهرت أشغال الورشة العلمية حول “بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك في ظل التغيرات غير المسبوقة منذ مائة سنة” أن العلاقات الصينية العربية تمر بمرحلة تحول نوعية، حيث تنتقل تدريجيًا من إطار التعاون التقليدي إلى نموذج أكثر شمولًا يقوم على الشراكة الاستراتيجية والتنمية المشتركة.
وقد أكدت مختلف المداخلات أن هذا التحول يأتي في سياق دولي جديد يتسم بتغير موازين القوة، وصعود التعددية القطبية، وتزايد أهمية التكنولوجيا والطاقة والمعرفة باعتبارها عناصر أساسية للقوة الدولية.
كما أبرزت النقاشات أن العلاقات الصينية العربية تمتلك رصيدًا تاريخيًا وحضاريًا مهمًا، يمتد عبر طريق الحرير والتبادلات القديمة بين الحضارتين، وهو ما يوفر قاعدة رمزية وثقافية لتعزيز التعاون المعاصر.
وفي المقابل، كشفت المداخلات أن نجاح مشروع المجتمع الصيني العربي المشترك يواجه عددًا من التحديات، من بينها المنافسة بين القوى الكبرى، وعدم الاستقرار الإقليمي، والفجوة التكنولوجية، والحاجة إلى بناء مؤسسات عربية أكثر قدرة على إدارة الشراكات الدولية.
ومن خلال مختلف الرؤى المقدمة، يمكن استخلاص مجموعة من التوصيات الاستراتيجية:
أولًا، ضرورة تطوير رؤية عربية أكثر وضوحًا تجاه التعاون مع الصين، تقوم على تحديد الأولويات الوطنية وتحويل الشراكات إلى مشاريع إنتاجية ذات قيمة مضافة.
ثانيًا، تعزيز التعاون في المجالات المستقبلية، خاصة الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، والبحث العلمي.
ثالثًا، الاستثمار في البعد الإنساني والمعرفي للعلاقات الصينية العربية عبر توسيع برامج التبادل الأكاديمي والثقافي وتعليم اللغات.
رابعًا، تعزيز دور مراكز الفكر والجامعات في إنتاج المعرفة وتقديم الدراسات الاستراتيجية التي تساعد على تطوير السياسات.
خامسًا، بناء شراكة تقوم على التوازن والاستقلالية، بحيث تستفيد الدول العربية من الفرص التي توفرها العلاقات مع الصين مع الحفاظ على قدرتها على اتخاذ قراراتها وفق مصالحها الوطنية.
وفي الختام أكدت الورشة أن مستقبل العلاقات الصينية العربية لن تتحدد فقط بحجم التجارة والاستثمارات، وإنما بقدرة الطرفين على بناء نموذج حضاري وتنموي جديد، يجعل من التعاون أداة لتعزيز الاستقرار والتنمية والمشاركة في صياغة نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة.
إن بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك يمثل، في جوهره، انتقالًا من منطق التبادل إلى منطق الشراكة، ومن التعاون الظرفي إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى تجمع بين التاريخ والحاضر والمستقبل.



