كوبا في مواجهة الحصار الأميركي.. تحرك أممي جديد لإنهاء العقوبات

قسم الاخبار الدولية 27-10-2026
تستأنف الجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، مناقشة مشروع قرار يدعو إلى إنهاء الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا، في خطوة دبلوماسية جديدة تعكس استمرار الخلاف الدولي بشأن شرعية العقوبات الأحادية وانعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الجزيرة الكاريبية. وتأتي هذه المناقشات في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وهافانا، وتفاقم الأزمة الاقتصادية التي تواجهها كوبا، بما يشمل نقص الوقود وانقطاعات الكهرباء وتراجع توافر عدد من السلع الأساسية.
وتواصل كوبا طرح مشروع القرار سنوياً منذ عام 1992، مستندة إلى موقف تعتبر فيه أن الحصار الأميركي يشكل عائقاً رئيسياً أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويحدّ من قدرتها على الوصول إلى الأسواق والتمويل والتكنولوجيا والموارد الضرورية. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بسياستها تجاه هافانا، وتربط استمرار الضغوط الاقتصادية بمواقفها من طبيعة النظام السياسي الكوبي وقضايا الحريات وحقوق الإنسان.
وتعود جذور الحصار إلى العقود الأولى من الحرب الباردة، حين فرضت الولايات المتحدة إجراءات تجارية ومالية متصاعدة ضد كوبا، قبل أن تتخذ السياسة الأميركية منحى أكثر تشدداً مع إقرار قانون هيلمز–بيرتون عام 1996. ولم تقتصر آثار هذه التدابير على العلاقات الثنائية، بل امتدت إلى شركات ومؤسسات أجنبية تتعامل مع السوق الكوبية، الأمر الذي أثار اعتراضات متكررة من دول ترى في هذه الإجراءات تدخلاً في خياراتها الاقتصادية وتجاوزاً للحدود الوطنية.
وتكتسب المناقشات الحالية أهمية إضافية في ضوء الأزمة الاقتصادية التي تمر بها كوبا، حيث تواجه البلاد صعوبات متراكمة في توفير الطاقة والسلع الأساسية، إلى جانب تراجع الإنتاج المحلي وشح العملات الأجنبية وتحديات إدارة الاقتصاد. وتحمّل الحكومة الكوبية الحصار جانباً كبيراً من مسؤولية هذه الأزمة، وقدّرت خسائره الاقتصادية بنحو 8.056 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من مارس 2025 إلى فبراير 2026. غير أن تقييم الوضع الاقتصادي يقتضي أيضاً مراعاة الاختلالات الداخلية، بما فيها ضعف الإنتاجية ومشكلات الإدارة والاستثمار والسياسات النقدية، التي تتفاعل مع القيود الخارجية وتزيد من تعقيد الأزمة.
وعلى المستوى الدبلوماسي، تسعى هافانا إلى حشد دعم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لتجديد الضغط الدولي على واشنطن. وقد حظي مشروع القرار في تصويت عام 2025 بتأييد 165 دولة، مقابل سبعة أصوات رافضة وامتناع 12 دولة عن التصويت، وهو ما يعكس اتساع المعارضة الدولية لاستمرار الحصار، رغم عدم ترجمة هذا الموقف إلى تغيير جوهري في السياسة الأميركية.
وفي المقابل، تدعو الولايات المتحدة الدول الأعضاء إلى رفض مشروع القرار، في مؤشر على استمرار التباين بين الموقف الأميركي والمواقف التي تتبناها غالبية الدول بشأن التدابير الاقتصادية المفروضة على كوبا. ويكشف هذا التباين عن إشكالية أوسع داخل النظام الدولي تتعلق باستخدام العقوبات الأحادية كأداة للضغط السياسي، وحدود فاعليتها، ومدى توافقها مع مبادئ السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
ومع ذلك، فإن اعتماد الجمعية العامة للقرار، حتى في حال تجديد التأييد الدولي له، لن يؤدي تلقائياً إلى رفع الحصار، إذ إن قراراتها في هذا السياق غير ملزمة قانونياً للولايات المتحدة. ويتطلب تغيير السياسة الأميركية اتخاذ خطوات فعلية داخل المؤسسات الأميركية المختصة، ولا سيما الكونغرس، فضلاً عن توافر إرادة سياسية لإعادة النظر في طبيعة العلاقات بين البلدين.
وبذلك، تتجاوز مناقشة مشروع القرار مسألة العلاقات الأميركية الكوبية لتطرح تساؤلات أوسع حول حدود الضغط الاقتصادي في العلاقات الدولية، وتداعيات العقوبات على المجتمعات المدنية، وقدرة المؤسسات متعددة الأطراف على التأثير في سياسات الدول الكبرى. وبين استمرار الخلاف السياسي وتزايد الأعباء الاقتصادية على كوبا، يبقى التصويت الأممي أداة دبلوماسية لتأكيد رفض قطاع واسع من المجتمع الدولي للحصار، من دون أن يشكل في حد ذاته ضمانة لإنهائه أو لتغيير مسار العلاقات بين واشنطن وهافانا.



