أخبار العالمبحوث ودراسات

اجتماع طهران.. هل تتشكل رؤية جديدة للأمن والاستقرار في المنطقة؟

يكتسب الاجتماع الذي استضافته طهران، بمشاركة مسؤولين رفيعي المستوى من السعودية وتركيا وباكستان، أهمية خاصة في ظل التصعيد العسكري والتوترات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وما ترتب عليها من مخاطر أمنية طالت دولًا في الخليج والمنطقة.


وتبرز أهمية الاجتماع في مستوى التمثيل، بمشاركة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ولقائهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. فهذا المستوى من التواصل، في ظل الظروف الراهنة، يتجاوز اللقاءات الدبلوماسية المعتادة، وقد يمثل بداية لتحرك إقليمي يسعى إلى احتواء التصعيد والبحث عن ترتيبات جديدة للأمن والاستقرار.
وتزداد دلالة الاجتماع بالنظر إلى التوترات السابقة بين السعودية وإيران، والهجمات التي تعرضت لها المملكة خلال المواجهة الحالية، فضلًا عن النزاع مع الحوثيين في اليمن وما ارتبط به من تهديدات أمنية.


وهنا يطرح الاجتماع سؤالًا مهمًا: هل تتجه دول المنطقة نحو تفاهمات أمنية تشارك فيها الدول المعنية مباشرة، بدلًا من الاعتماد الكامل على القوى الخارجية؟


إن اجتماع طهران قد يكون خطوة أولى نحو صيغة أوسع للتعاون الإقليمي، تقوم على عدم الاعتداء، واحترام سيادة الدول، وتسوية الخلافات بالحوار، وتأمين الملاحة والمصالح الاقتصادية. لكن من المبكر اعتباره تأسيسًا لتحالف أمني جديد، فالأمر يتوقف على قدرة المشاركين على تحويل الاتصالات إلى تفاهمات عملية ومستدامة.
وتكتسب تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشأن الاستعداد للتعاون وإنهاء التوترات أهمية خاصة في هذا السياق. فالسعودية معنية بخفض التوتر مع طهران، وإنهاء الهجمات والتهديدات الأمنية، والوصول إلى تسوية للنزاع في اليمن. وقد أبدت إيران استعدادها للمساعدة في تيسير الحوار بين السعودية والحوثيين، وهو ما يضع هذا التقارب أمام اختبار عملي: هل يمكن أن يسهم في وقف التصعيد وفتح الطريق أمام تسوية سياسية تحفظ أمن المملكة وسيادة اليمن ومصالح شعبه؟
أما النزاع الأمريكي الإيراني، فهو أكثر تعقيدًا بسبب تراكم الخلافات وانعدام الثقة، والملفات المتعلقة بالعقوبات والبرنامج النووي وأمن الملاحة في مضيق هرمز. ومع ذلك، قد يوفر التحرك الإقليمي قنوات إضافية للحوار ويساعد على خفض التصعيد، وإن كان لا يستطيع وحده ضمان اتفاق بين واشنطن وطهران.


وهنا يبرز سؤال آخر: هل يمكن أن يكون اجتماع طهران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مدخلًا لوساطة بين الولايات المتحدة وإيران؟


لا يمكن الجزم بأن واشنطن، أو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحديدًا، تقف وراء هذا التحرك أو تريده بهذه الصورة، لكن من الصعب تجاهل أن أي مسار إقليمي ينجح في خفض التصعيد وفتح قنوات الحوار مع طهران قد يخدم هدفًا أمريكيًا أساسيًا، وهو تجنب حرب طويلة ومكلفة، وفتح المجال أمام تسوية سياسية.
وقد تكون مشاركة السعودية وتركيا وباكستان ذات أهمية في هذا السياق؛ فهذه الدول تمتلك علاقات مختلفة مع واشنطن وطهران، ويمكن أن تؤدي، إذا توافرت الإرادة السياسية، دورًا في نقل الرسائل وتهيئة الظروف لحوار غير مباشر بين الطرفين.
وبالتالي، فإن اجتماع طهران قد لا يكون مجرد تحرك إقليمي لاحتواء التوتر، بل يمكن أن يتحول إلى قناة سياسية تساعد على فتح باب التفاوض الأمريكي الإيراني، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع استعداد إيراني معلن لإنهاء التوترات الإقليمية. لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطًا بموقف واشنطن وطهران، وبمدى استعداد الطرفين للانتقال من إدارة الصراع إلى البحث عن تسوية.
كيف تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى هذا التحرك؟
تتابع واشنطن أي تفاهمات أمنية جديدة في منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إليها. وقد تستفيد من تحركات تقلل مخاطر الحرب وتحمي الملاحة والمصالح الاقتصادية، لكنها قد تواجه أيضًا واقعًا إقليميًا تسعى فيه الدول إلى توسيع استقلالية قراراتها الأمنية وتقليل اعتمادها على طرف واحد.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة تستعد لمغادرة المنطقة أو التخلي عن مصالحها، كما لا يعني أن السعودية تتجه إلى قطع علاقاتها بها. لكن التجارب الأمنية، بما فيها ما واجهته المملكة خلال الصراع مع الحوثيين، قد تدفعها إلى تنويع خياراتها والبحث عن تفاهمات إقليمية إضافية تضمن أمنها.
وفي المقابل، يمكن للصين وروسيا الاستفادة من أي اتساع في دور القوى الإقليمية أو تراجع الثقة بالدور الأمريكي، عبر تعزيز علاقاتهما بدول المنطقة. غير أن ذلك لا يعني أن اجتماع طهران يستهدف واشنطن أو أنه سيؤدي تلقائيًا إلى انتقال النفوذ إليهما.
أما إسرائيل، فقد تنظر بقلق إلى أي تقارب إقليمي يحد من اتساع المواجهة مع إيران، أو يفتح المجال أمام تفاهمات تقلل فرص التصعيد. فاستمرار الحرب قد يخدم حسابات بعض الأطراف، لكنه يحمل مخاطر تتجاوز إيران وإسرائيل إلى أمن الخليج والممرات البحرية والاقتصاد العالمي.


هل يمثل اجتماع طهران بداية لمرحلة جديدة؟


نعتقد أن قيمة الاجتماع لا تكمن في انعقاده وحده، بل في إمكانية تحويله إلى مسار مستمر للتشاور والتعاون، يبدأ بخفض التصعيد ووقف الهجمات وفتح الطريق أمام تسوية في اليمن، ثم البحث عن مخارج للنزاع الأمريكي الإيراني، وصولًا إلى تفاهمات أوسع بشأن الأمن الإقليمي.
وقد يكون الاجتماع بداية لرؤية جديدة تمنح دول المنطقة دورًا أكبر في حماية مصالحها وتقرير مستقبلها، إذا نجح المشاركون في الانتقال من التصريحات إلى خطوات عملية. أما إذا بقي في حدود الاتصالات المؤقتة، فستظل المنطقة معرضة لتجدد المواجهات، وستبقى مصالح شعوبها رهينة حسابات القوى المتنافسة.
إن السؤال الأهم ليس ما إذا كان اجتماع طهران قد أنشأ تحالفًا جديدًا بالفعل، بل ما إذا كان قادرًا على إطلاق مسار إقليمي جاد يجعل الحوار والتعاون بديلًا عن الحرب، ويؤسس لأمن واستقرار أكثر استدامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق