أخبار العالم

بيرنهام يفتح الباب أمام عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي: مراجعة سياسية لعقد من البريكست

رئيس الوزراء البريطاني يدعو إلى نقاش صريح بشأن مستقبل العلاقة مع بروكسل، معتبراً أن الخروج من الاتحاد لم يحقق الوعود المنتظرة، لكنه يستبعد العودة خلال الولاية البرلمانية الحالية.

عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي على المدى البعيد

أثار رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام نقاشاً جديداً بشأن مستقبل علاقة المملكة المتحدة بالاتحاد الأوروبي، بعدما صرّح بأنه يرغب في رؤية بلاده تعود إلى عضوية التكتل الأوروبي خلال حياته، داعياً إلى مراجعة صريحة لتداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد، المعروف باسم «البريكست». وجاءت تصريحاته في مقابلات إعلامية يومي الأحد والاثنين 25 و26 أكتوبر 2026، في وقت تتجه فيه لندن وبروكسل إلى بحث سبل تحسين علاقاتهما قبيل القمة البريطانية الأوروبية المرتقبة في 20 نوفمبر المقبل.

وأكد بيرنهام أن الاتفاق القائم بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي لا يرقى، في تقديره، إلى المستوى الذي تحتاج إليه البلاد، مشيراً إلى أن تجربة السنوات الماضية أظهرت نتائج مختلفة عن الوعود التي رافقت حملة الخروج من الاتحاد. لكنه أوضح في الوقت نفسه أنه لا يقترح إعادة الانضمام خلال الولاية البرلمانية الحالية، مشدداً على أنه لن يفرض موقفه الشخصي على الناخبين، وأن أي تغيير جوهري في العلاقة مع الاتحاد يجب أن يحظى بدعم الرأي العام البريطاني.

وتعكس هذه التصريحات تحولاً في طبيعة النقاش السياسي البريطاني حول البريكست، إذ لم يعد الجدل مقتصراً على كيفية تطبيق اتفاق الخروج أو معالجة المشكلات التجارية والإدارية التي أعقبته، بل امتد إلى التساؤل بشأن جدوى استمرار بريطانيا خارج الاتحاد على المدى الطويل، وإمكانية إعادة النظر في خيار الانفصال نفسه.

عقد من البريكست: بين الوعود والنتائج الاقتصادية

جاء خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بعد استفتاء يونيو 2016، الذي صوّت فيه نحو 52% من المشاركين لصالح المغادرة مقابل 48% لصالح البقاء. وبعد سنوات من المفاوضات، غادرت بريطانيا الاتحاد رسمياً في 31 يناير 2020، قبل أن تنتهي المرحلة الانتقالية في نهاية العام نفسه، وتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات التجارية والسياسية بين الطرفين.

وكان أنصار البريكست قد دافعوا عن الخروج باعتباره وسيلة لاستعادة السيادة الوطنية والتحكم في القوانين والهجرة والسياسات التجارية، إلى جانب تعزيز قدرة بريطانيا على إبرام اتفاقيات مستقلة مع شركاء دوليين. في المقابل، حذّر مؤيدو البقاء من أن الانفصال سيؤدي إلى زيادة الحواجز التجارية والإدارية مع أكبر شريك اقتصادي للبلاد، وقد يضعف جاذبيتها للاستثمار ويحد من قدرتها على التأثير في القرارات الأوروبية.

وبعد مرور نحو عقد على الاستفتاء، يرى بيرنهام أن النتائج لم تتطابق مع ما قُدّم للناخبين خلال حملة الخروج، مشيراً إلى أن الاقتصاد البريطاني أصبح أضعف، وأن مغادرة الاتحاد لم تحقق بالضرورة السيطرة الأكثر فاعلية على الهجرة التي وعد بها مؤيدو البريكست. غير أن تقييم أثر الخروج يظل موضع خلاف سياسي واقتصادي، إذ تتداخل فيه عوامل متعددة، من بينها تداعيات جائحة كوفيد-19، وأزمة الطاقة، والتحولات في الاقتصاد العالمي، والسياسات الاقتصادية الداخلية.

لذلك، لا يقتصر النقاش الحالي على تحديد ما إذا كان البريكست قد حقق أهدافه، بل يشمل أيضاً قياس تكاليفه ومكاسبه مقارنة بالخيارات المتاحة لبريطانيا، وتحديد المجالات التي يمكن تحسينها من خلال التقارب مع الاتحاد دون إعادة الانضمام الكامل إليه.

الهجرة وحرية التنقل تعودان إلى واجهة النقاش

تُعد الهجرة من أكثر الملفات حساسية في الجدل البريطاني حول العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، بعدما شكلت أحد المحاور الأساسية في حملة استفتاء 2016. فقد ركز مؤيدو الخروج على استعادة السيطرة الوطنية على الحدود وإنهاء حرية تنقل مواطني الاتحاد الأوروبي، باعتبار ذلك وسيلة لتحديد شروط الدخول والإقامة والعمل داخل المملكة المتحدة.

لكن بيرنهام أشار إلى أن نظام الهجرة الذي تطور بعد البريكست لم يؤدِّ بالضرورة إلى النتائج التي توقعها مؤيدو الخروج، معتبراً أن بريطانيا تواجه تحديات مختلفة في إدارة الهجرة طويلة الأمد. ودعا إلى نقاش صريح حول إمكانية إعادة النظر في بعض جوانب حرية التنقل بين بريطانيا والدول الأوروبية، مع أخذ التحولات التي طرأت على أنماط الهجرة في الحسبان.

ولا يعني هذا الموقف أن الحكومة قررت إعادة حرية التنقل بصيغتها السابقة؛ فقد أكد بيرنهام أنه لا ينوي تجاوز التعهدات الانتخابية لحزب العمال، التي تستبعد العودة إلى الاتحاد الأوروبي أو السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي خلال الولاية الحالية. لكنه يرى أن العلاقة القائمة يمكن تحسينها عبر خطوات عملية تتعلق بالتجارة والتعاون الإداري وتبادل البيانات والهجرة.

ويكشف هذا التوجه عن محاولة للفصل بين مسألتين غالباً ما جرى التعامل معهما بوصفهما ملفاً واحداً: الحاجة إلى تحسين التعاون مع الاتحاد الأوروبي، والعودة إلى عضويته الكاملة. فحتى من دون إعادة الانضمام، يمكن للطرفين التفاوض بشأن ترتيبات قطاعية أو اتفاقيات محددة، وإن كانت هذه الخيارات لا تمنح بريطانيا بالضرورة جميع المزايا التي توفرها العضوية.

القمة البريطانية الأوروبية: فرصة لإعادة ضبط العلاقات

تكتسب تصريحات بيرنهام أهمية إضافية مع اقتراب القمة البريطانية الأوروبية المقررة في 20 نوفمبر 2026. ومن المنتظر أن تشكل القمة مناسبة لبحث مجموعة من الملفات التي يمكن أن تسهم في تخفيف الاحتكاكات بين الطرفين، بما في ذلك تجارة الأغذية والمشروبات، وتنقل الشباب، والتعاون في مجالات الطاقة والبيئة وتبادل البيانات.

وتسعى لندن إلى تحسين ترتيباتها مع بروكسل بما يدعم النمو الاقتصادي ويقلل الأعباء الإدارية على الشركات، في حين يظل الاتحاد الأوروبي حريصاً على الحفاظ على قواعد السوق الموحدة ومنع أي ترتيبات تسمح لبريطانيا بالاستفادة من مزايا العضوية من دون الالتزام بالواجبات المقابلة.

ومن هنا، قد تكون إعادة بناء الثقة بين الطرفين أكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة من فتح مفاوضات رسمية بشأن العودة إلى الاتحاد. فإعادة الانضمام ليست قراراً أحادياً تستطيع الحكومة البريطانية تنفيذه بمجرد إعلان رغبتها فيه، بل تتطلب مساراً تفاوضياً وقبولاً أوروبياً، إلى جانب معالجة الشروط المرتبطة بالعضوية.

كما أن أي عودة مستقبلية ستثير أسئلة تتعلق بمساهمات بريطانيا في ميزانية الاتحاد، وقواعد السوق الموحدة، والالتزامات القانونية والمؤسسية، فضلاً عن موقفها من العملة الأوروبية الموحدة ومنطقة شنغن. وقد استبعد بيرنهام تأييد انضمام بريطانيا إلى اليورو أو إلى منطقة شنغن، ما يشير إلى أن تصوره للعلاقة المستقبلية لا يعني بالضرورة قبول جميع ترتيبات التكامل الأوروبي.

الانقسام الداخلي يقيّد خيارات الحكومة

على الرغم من تصريحات رئيس الوزراء، لا تزال مسألة العودة إلى الاتحاد الأوروبي شديدة الحساسية داخل بريطانيا. فقد كشف استفتاء 2016 عن انقسام جغرافي واجتماعي وسياسي واضح، ولا تزال القوى المؤيدة للبريكست تعتبر أن إعادة فتح الملف قد تعيد البلاد إلى مواجهة سياسية سبق أن استنزفت المؤسسات الحكومية لسنوات.

وفي المقابل، يدفع عدد من المؤيدين للتقارب الأوروبي باتجاه إعادة تقييم العلاقة مع بروكسل، مستندين إلى التحديات التجارية والاقتصادية التي ظهرت بعد الخروج. وتشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى وجود دعم ملحوظ لفكرة العودة إلى الاتحاد، لكن نتائج الاستطلاعات قد تختلف تبعاً لصياغة السؤال والشروط التي يُطلب من المشاركين أخذها في الاعتبار، مثل المساهمات المالية أو الالتزامات القانونية المرتبطة بالعضوية.

وقد انتقد حزب «ريفورم يو كيه»، بقيادة نايجل فاراج، تصريحات بيرنهام بشأن إعادة التقارب مع الاتحاد الأوروبي، معتبراً أنها تمثل تراجعاً عن الوعود المرتبطة بالبريكست. وفي المقابل، يؤكد رئيس الوزراء أنه لن يتجاوز التفويض الانتخابي الحالي، وأن أي تغيير مستقبلي يجب أن يستند إلى إرادة المواطنين.

ويعني ذلك أن هامش تحرك الحكومة في المرحلة الراهنة يتركز على تحسين العلاقات العملية مع الاتحاد، بدلاً من إطلاق مفاوضات رسمية للعودة إليه. أما التحول نحو العضوية الكاملة، فيبقى مرتبطاً بتغير التوازنات السياسية وبناء توافق شعبي واضح حول شروطه وتكاليفه ومكاسبه.

بين التقارب العملي والعودة الكاملة

تطرح تصريحات بيرنهام سؤالاً جوهرياً بشأن مستقبل المشروع الأوروبي في بريطانيا: هل يمكن للبلاد معالجة تداعيات البريكست عبر اتفاقات قطاعية وتعاون أعمق مع بروكسل، أم أن تحقيق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية على المدى البعيد سيستدعي العودة إلى عضوية الاتحاد؟

في المدى القريب، يبدو أن الحكومة تفضّل نهجاً تدريجياً يقوم على تحسين الاتفاق القائم، وتعزيز التعاون في المجالات ذات المنفعة المتبادلة، وتجنب إعادة فتح ملف العضوية قبل الانتخابات العامة المقبلة. وقد يسمح هذا المسار بتحقيق تقدم عملي من دون الدخول في مواجهة سياسية واسعة حول استفتاء جديد أو شروط الانضمام.

لكن هذا النهج يواجه حدوداً واضحة؛ فالتقارب خارج الاتحاد لا يوفر بالضرورة النفاذ نفسه إلى السوق الموحدة أو المشاركة في صنع القرارات الأوروبية. وفي المقابل، فإن العودة الكاملة ستتطلب مفاوضات معقدة وتسويات سياسية داخلية وخارجية، ولا يمكن اعتبارها نتيجة تلقائية لأي تحسن في العلاقات الثنائية.

وفي المحصلة، لا تمثل تصريحات بيرنهام إعلاناً عن خطة فورية لإعادة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، بل تعكس استعداداً لطرح هذا الخيار ضمن نقاش أوسع حول حصيلة البريكست والبدائل المتاحة أمام البلاد. وستكون القمة المرتقبة في نوفمبر اختباراً لقدرة لندن وبروكسل على الانتقال من الخطاب السياسي إلى تفاهمات عملية، في حين سيظل قرار العودة الكاملة مرتبطاً بمسار سياسي وقانوني طويل وبمدى استعداد البريطانيين والأوروبيين لقبول شروطه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق