أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

ما بعد صناديق الاقتراع الإسرائيلية: هندسة الردع، انقسام المؤسسة، وحدود الوصاية الأمريكية

مقدمة

تُعقد الانتخابات التشريعية الإسرائيلية في ظروف بالغة الدقة والتأزم، تتداخل فيها ارتدادات حروب الاستنزاف الإقليمية الممتدة مع التصدعات العميقة في البنيان الداخلي للكيان. وبينما ينشغل الإعلام العام في متابعة الصراعات الحزبية السطحية، تشهد كواليس صنع القرار في تل أبيب مخاض هيكلي حقيقي حول مستقبل المشروع الصهيوني وطريقة بقائه وسط محيط إقليمي ودولي يمر بتحولات زلزالية.

تتمحور الإشكالية الأساسية التي يطرحها هذا الاستحقاق الانتخابي حول السؤال التالي:

هل تشكل هذه الانتخابات نقطة تحول حقيقية في مسار السياسة الإسرائيلية، أم أنها مجرد إعادة تدوير لأدوات إدارة الأزمة ضمن ثوابت استراتيجية لا تتغير؟

وإلى أي مدى يمكن للصراع الداخلي بين اليمين العقائدي واليمين الأمني أن يؤثر على قدرة الكيان على حسم صراعاته الإقليمية واستمرار الدعم الاستراتيجي الغربي؟

السردية الغربية وصراع النموذجين

تصر الخطابات الإعلامية الغربية على تصوير المشهد الانتخابي كأنه مواجهة مصيرية بين معسكر “ليبرالي ديمقراطي” وآخر “متطرف”، غير أن القراءة الاستخباراتية العميقة تفكك هذه الأسطورة المضللة. الإجماع الصهيوني على الأهداف الاستعمارية الكبرى ورفض الحقوق الفلسطينية يظل صلبا وموحدا بين مختلف الفرقاء، بينما ينحصر الخلاف الحقيقي في الآليات والوسائل الكفيلة بالحفاظ على الهيمنة بأقل كلفة ممكنة.

في كفة، يبرز معسكر اليمين العقائدي والحريدي الذي يرى في الحسم الميداني المباشر، وتغيير وقائع الأرض بالقوة، والصدام المفتوح مع المحيط، السبيل الأوحد لفرض سيادة أبدية، متجاهل ما يسببه ذلك من استنزاف لخزينة الدولة وتفكيك لنسيجها الداخلي. وفي الكفة المقابلة، يقف معسكر اليمين الأمني والمؤسسي، المكون بمعظمه من جنرالات سابقين، والذي لا يدعو لسلام بل يدق ناقوس الخطر من تآكل الجاهزية العسكرية وانهيار قوات الاحتياط وتصدع العلاقة مع الحليف الأمريكي، مسعياً لإعادة هندسة البيت الداخلي وإدارة المواجهة بذكاء وهدوء نسبي.

موازين القوة وتصدعات الجبهة الداخلية: تفكيك العقد الاجتماعي وزوال الحصانة البنيوية

تتحرك الخريطة السياسية الإسرائيلية اليوم على حافة تفكك شامل للعقد الاجتماعي الذي تأسست عليه الدولة. لم تعد الجبهة الداخلية مجرد جبهة مدنية تساند المجهود الحربي، بل تحولت إلى ساحة صراع وجودي بين تيارات تتنافس على إعادة تعريف هوية الكيان وطبيعة توزيع أعباء البقاء.

  • معضلة التجنيد وتآكل “جيش الشعب

لم تعد أزمة إعفاء الشبان الحريديم (اليهود المتشددين) من الخدمة العسكرية مجرد خلاف سياسي حول حصص الائتلاف، بل تحولت إلى مصدّع بنيوي يهدد فكرة “جيش الشعب” من أساسها. في الوقت الذي تخوض فيه المؤسسة العسكرية حروب استنزاف طويلة ومكلفة على جبهات متعددة، وتتضاعف فيها نسب الإصابات والتسريح الطوعي والضغط العصبي على قوات الاحتياط، يصر اليمين العقائدي الحاكم على حماية الامتيازات الدينية للحريديم ضماناً لبقائه في السلطة.

هذا التعارض الفج يلقي بأعباء بشرية ونفسية واقتصادية كارثية على الطبقة الوسطى والعاملة والإنتاجية (العلمانية والتقليدية)، وهي الطبقة التي تمثل العمود الفقري لاقتصاد التقنية العالية والجيش النظامي. هذا التفاوت أدى إلى حالة غير مسبوقة من التمرد الصامت وعزوف نسب متزايدة من قوات الاحتياط عن تلبية استدعاءات الخدمة، معتبرةً أن استمرار القتال يخدم بقاء سياسي لنتنياهو وحلفائه أكثر مما يخدم أمن الدولة.

  • تكتل الجنرالات وعقيدة “الدولة العسكرية فوق الأحزاب“:

في الجهة المقابلة، لا ينطلق معسكر المعارضة والجنرالات السابقين من منطلقات حقوقية أو ديمقراطية، بل من عقيدة أمنية بحتة ترى في استمرار الأيديولوجيا العقائدية خطرا داهما على “كفاءة الماكينة العسكرية”. يدرك هؤلاء الجنرالات أن تآكل التماسك الداخلي، وتفشي الاستقطاب، والصدام مع القيادات المهنية للجيش، يفرغ المؤسسة العسكرية من رصيدها الاستراتيجي.

لذلك، فإن رهان هذا التكتل يقوم على فرض استقرار قسري وإعادة تنظيم البيت الداخلي لضمان استدامة القدرة على القتال، معتبرين أن أي مزايدة حزبية على حساب جاهزية الجيش هي تهديد مباشر للأمن القومي للكيان.

الصوت الفلسطيني في الداخل: المتغير الوجودي المُعطل:

يظل المواطنون الفلسطينيون في الداخل الذين يمثلون نحو عشرين بالمئة من السكان عنصرا استراتيجيا ضاغطا ومحوريا في معادلات التوازن السياسي. على الرغم من كل محاولات الهندسة القانونية، والتهميش، وفرض نسب حسم مرتفعة لإقصائهم، تصر القوائم والكتل الفلسطينية على استثمار حقها الانتخابي كأداة ضغط لمنع أي معسكر صهيوني من تحقيق أغلبية مريحة ومستقرة 61 مقعد فما فوق. إن ارتفاع مستويات المشاركة الفلسطينية يعيد بانتظام إنتاج حالة “الشلل المزمن” في الكنيست، مما يحول دون تمرير مشاريع استراتيجية بعيدة المدى، ويُبقي النظام السياسي أسيراً لتحالفات هشة ومبتزة من الأطراف المتطرفة.

موقف واشنطن: البراغماتية فوق الاعتبارات الحزبية

لا تقيس الدوائر الاستخباراتية ومؤسسات الأمن القومي في واشنطن البنتاغون، وكالة الاستخبارات المركزية، وهيئة الأركان المشتركة الانتخابات الإسرائيلية بمعيار “من فاز بالصناديق”، بل بمعيار مدى قدرة القيادة المنتجة على ضبط “معدل المخاطر النظامية التي يفرضها الكيان على المصالح الأمريكية العليا في الشرق الأوسط وخارجه.

  • معضلة الالتزام المطلق والتكلفة الاستراتيجية

تدرك الاستخبارات الأمريكية أن الائتلافات القائمة على أيديولوجيات عقائدية متطرفة لا تكتفي بادارة الصراع، بل تسعى عمدا إلى “توسيع دائرة الاشتباك” وفرض واقع هندسي إقليمي جديد عبر خلق أزمات مرتبطة بالسيادة والضم المباشر والمقدسات. هذا السلوك يورط واشنطن تلقائيا في استحقاقات عسكرية واقتصادية ضخمة (دفاع جوي، جسور إمداد، وتغطية دبلوماسية دولية بلا حدود)، في وقت تحصر فيه الإستراتيجية العليا للولايات المتحدة جل تركيزها ومواردها نحو مسرح المواجهة الكبرى في آسيا والمحيط الهادئ لمجابهة النفوذ الصيني والروسي. من هنا تنظر واشنطن إلى اليمين العقائدي بوصفه “حليفا متهورا” يهدد باستنزاف القدرات الأمريكية في حروب استنزاف إقليمية لا مصلحة لوسائل الأمن القومي الأمريكي فيها.

  • عقيدة المؤسسية مقابل “أهواء الساسة“:

تفضل الدوائر الأمنية الأمريكية التعامل مع ما يُعرف بـ “المؤسسة الأمنية والعسكرية التقليدية” (الجنرالات ومؤسسات الجيش والاحتياط). السبب أعمق بكثير من مجرد التنسيق التقني؛ فالجيش الإسرائيلي وجهازه الاستخباري (أمان، الموساد، الشاباك) يُعتبران في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية “الوكيل الإقليمي الموثوق” الذي تدير واشنطن من خلاله استقرار الممرات البحرية، ومشاريع دمج الكيان أمنيا في الإقليم، وضمان عدم تفكك البنية التحتية للسيطرة. عندما يتعرض هذا الجسم المؤسسي للتلويح بالتآكل والتصدع نتيجة صدام اليمين العقائدي مع قيادات الجيش، تشعر واشنطن بأن “المثبت الرئيسي” لهيمنتها في المنطقة يواجه خطرا بنيويا.

  • آليات الضغط الخفي وإعادة الهندسة السياسية:

لا تتدخل واشنطن في صناديق الاقتراع بشكل فج، بل تمتلك منظومة ضغط هيكلية وعميقة تعمل عبر قنوات الاستخبارات والتنسيق العسكري المشترك والتلويح بالمساعدات. تسعى هذه المنظومة دائما إلى هندسة “مخارج اضطرارية” للسياسة الإسرائيلية، مثل الدفع نحو تشكيل حكومات وحدة أو حكومات أمنية توفر غطاء مستقرا وتمنع الوزراء المتطرفين من التحكم بمفاصل القرار السيادي. وعليه، فإن أي إدارة في واشنطن ستعمل صراحة أو ضمناً على تقليم أظافر التيارات التي ترفض الانضباط للإرادة الاستراتيجية الأمريكية، مع الحفاظ على المظلة الاستراتيجية الكبرى للكيان كقاعدة متقدمة للمصالح الغربية.

المسارات المستقبلية وتداعياتها الاستراتيجية على الإقليم: سيناريوهات الصدام والانكفاء

تتحدد بوصلة المشهد الإقليمي برمته بناء على مخرجات هذا المخاض الانتخابي، حيث يواجه الكيان مسارين متمايزين في إدارة نفوذه الإقليمي وتبعات أزماته الممتدة، وكل مسار يحمل في طياته تداعيات زلزالية على استقرار المنطقة وموازين القوى فيها:

السيناريو الأول: هيمنة اليمين العقائدي مسار التصعيد المفتوح ومراكمة الأزمات النظامية

في حال نجاح هذا التيار في ترميم أغلبيته وتشكيل حكومة متجانسة أيديولوجيا، فإن البوصلة الاستراتيجية ستتجه حصريا نحو “الحسم الأحادي والتصعيد الميداني المركب”.

وعلى الصعيد الاقليمي سيتسارع فرض وقائع الضم الفعلي في الضفة الغربية والقدس، مع توسيع دائرة الاحتكاك الميداني وتفجير الجبهات المتاخمة لضمان بقاء حالة الطوارئ كدرع سياسي لحماية الائتلاف من التفكك. هذا النهج سيبقي قنوات التوتر مع واشنطن عند مستويات حرجة ومكطومة، ويضاعف من احتمالات الانزلاق نحو مواجهات إقليمية واسعة النطاق لا تخضع لقواعد السيطرة التقليدية.

كما سيؤدي هذا المسار إلى تآكل إضافي في صورة الكيان كـ “أصل استراتيجي مستقر” لدى الحلفاء الغربيين، ويدفع نحو مزيد من العزلة الدبلوماسية، مع إبقاء ممرات التجارة الإقليمية وأمن الطاقة في حالة اهتزاز دائم نتيجة غياب أي أفق للتهدئة أو الاستقرار المؤسسي.

السيناريو الثاني: صعود اليمين الأمني والمؤسسي مسار الجراحة الهادئة وإعادة التموضع

إذا نجح تكتل الجنرالات واليمين المؤسسي في الإمساك بزمام السلطة، فلن يكون ذلك مدخلا نحو السلام أو التراجع عن الأهداف الاستعمارية العليا، بل سيكون تحولا جذريا نحو إدارة الصراع بأدوات هندسية دقيقة وأقل صخبا.

على الصعيد الاقليمي سيتراجع الخطاب الاستفزازي والشعارات الأيديولوجية الفجة، لصالح استراتيجية أمنية واستخباراتية هادئة تعتمد على الضربات النوعية المركزة والعمليات الخفية بدلا من حروب الاستنزاف الباهظة. هذا التوجه سيعيد ترميم قنوات التنسيق الكامل مع المؤسسات الاستخباراتية والبنتاغون في واشنطن، ويسهل إعادة تفعيل شبكات التحالف والاندماج الإقليمي تحت مظلة أمنية أمريكية متينة.

اما على الصعيد الاستراتيجي سيعطي هذا المعسكر الأولوية المطلقة لترميم الجاهزية العسكرية، ومعالجة أزمات الاحتياط وتجنيد الحريديم، ووقف النزيف البنيوي في الجبهة الداخلية. إقليميا يعني هذا المسار مواجهة أشرس ولكن بدرجة أعلى من التنسيق والدقة، مما يجعل الخطر الإسرائيلي في هذه الحالة أكثر خطورة وهيكلية، لكونه مدعوما برؤية استراتيجية منضبطة ومظلة أمريكية محصنة.

الخلاصة

أن نتائج انتخابات الكنيست الحالية لا تمثل تغييرا في جوهر السياسة الاستراتيجية الإسرائيلية، بقدر ما هي إعادة ضبط لأدوات التحكم وأسلوب إدارة الأزمات المركبة. إن التغير إن حصل فلن يكون في الأهداف العليا للكيان، بل في “كفاءة التكتيك ودرجة التنسيق مع الحليف الأمريكي”. وبالتالي، يجب على المركز التعامل مع هذه النتائج باعتبارها محطة إضافية في مسار صراع طويل الأمد، يتطلب رصد التحولات الهيكلية في المؤسسة العسكرية والأمنية بعيداً عن صخب الوعود الانتخابية المؤقتة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق