من تيغراي إلى البحر الأحمر: هل يتجه القرن الإفريقي نحو إعادة تشكيل معادلة الصراع الإقليمي؟

اعداد فسم البحوث والدراسات الاستراتجية قسم افريقيا 07-10-2026
مقدمة
لم تعد المواجهات المسلحة التي تجددت في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا مجرد عودة إلى الحرب الأهلية التي أنهى اتفاق بريتوريا مسارها في نوفمبر 2022. فالتطورات الميدانية والسياسية التي شهدتها إثيوبيا خلال الأسبوعين الأخيرين تشير إلى تغير أوسع في البيئة الأمنية للقرن الإفريقي، يتداخل فيه الصراع الداخلي الإثيوبي مع التوتر المتصاعد بين أديس أبابا وأسمرة، والخلافات حول مياه النيل، ومسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر، والحرب المستمرة في السودان، وأمن الصومال.
وتزداد خطورة المشهد مع انتقال العلاقات الإثيوبية–الإريترية إلى مستوى القطيعة الدبلوماسية، في الوقت الذي استعادت فيه القوات الحكومية الإثيوبية السيطرة على ميكيلي، عاصمة تيغراي، دون أن يعني ذلك انتهاء المواجهة. فقد استمرت الضربات الجوية والمدفعية والاشتباكات في مناطق أخرى من الإقليم، بما يؤكد أن السيطرة على العاصمة الإقليمية لم تحسم طبيعة الصراع ولا اتجاهه النهائي.
وعليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه لم يعد:
هل عادت حرب تيغراي؟
هل تتحول تيغراي إلى نقطة ارتكاز لصراع إقليمي أوسع يعيد ترتيب موازين القوة حول البحر الأحمر والنيل والقرن الإفريقي؟
عودة الحرب ليست نسخة مكررة من حرب 2020–2022
بدأ التصعيد الحالي في 23 سبتمبر 2026، عندما شن تحالف تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي هجمات على القوات الحكومية الإثيوبية، قبل أن تتمكن القوات الفدرالية والقوات الموالية لها من شن هجوم مضاد سريع.
وفي 4 أكتوبر استعادت القوات الحكومية السيطرة على ميكيلي، بينما أعلنت قوات تيغراي انسحابها من العاصمة. إلا أن العمليات لم تتوقف، إذ استمرت المواجهات في مناطق أخرى، وتعرضت مناطق شمالية لغارات جوية ونيران مدفعية بعد سقوط العاصمة. وتشير تقارير إنسانية إلى سقوط قتلى مدنيين جراء الضربات في محيط ميكيلي.
وهنا ينبغي التمييز بين السيطرة على المركز السياسي للإقليم وبين السيطرة على المجال العملياتي بأكمله.
فالجيش الإثيوبي يستطيع السيطرة على المدن والمطارات والمحاور الرئيسية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة قدرته على إنهاء قدرة القوات المناوئة على القتال، خصوصًا في بيئة جبلية وحدودية معقدة مثل تيغراي.
وعليه، فإن سقوط ميكيلي قد يمثل في المدى القصير نجاحًا عملياتيًا للحكومة الإثيوبية، لكنه لا يشكل بمفرده دليلًا على حسم الحرب.
العامل الأكثر خطورة هو انهيار العلاقة الإثيوبية–الإريترية
التغير النوعي في الأزمة الحالية هو أن إثيوبيا وإريتريا لم تعودا في الموقع نفسه الذي كانتا عليه خلال الحرب السابقة.
فقد كانت أسمرة شريكًا عسكريًا رئيسيًا لأديس أبابا خلال حرب 2020–2022 ضد قوات تيغراي. أما اليوم، فقد وصلت العلاقة بين البلدين إلى القطيعة الدبلوماسية.
وفي 1 أكتوبر أعلنت إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، بعد اتهامات إثيوبية لأسمرة بالمشاركة في دعم المعارضة المسلحة. وتنفي إريتريا هذه الاتهامات.
وهذه التطورات تجعل الحدود الإثيوبية–الإريترية واحدة من أكثر نقاط التوتر حساسية في المنطقة. الأخطر أن الخلاف لا يرتبط بتيغراي وحدها، بل يتقاطع مع قضية استراتيجية أكبر: الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
إثيوبيا أصبحت دولة حبيسة بعد استقلال إريتريا عام 1993، وأصبح الاعتماد على الموانئ الأجنبية جزءًا أساسيًا من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي. وفي المقابل، ترى إريتريا أن أي محاولة إثيوبية لفرض ترتيبات تتجاوز التفاوض الثنائي يمكن أن تتحول إلى تهديد مباشر لسيادتها.
وقد أعاد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد التأكيد بعد تنصيبه لولاية جديدة على أهمية حصول بلاده على منفذ إلى البحر، ما أعاد الملف إلى واجهة التوتر الإقليمي.
تيغراي أصبحت جزءًا من معادلة أوسع
من الناحية الاستخباراتية، تكمن أهمية الأزمة في أن مسارح الصراع لم تعد منفصلة ويمكن تحديد أربعة محاور مترابطة:
المحور الأول: شمال إثيوبيا وتيغراي. المحور الثاني: الحدود الإثيوبية–الإريترية ومسألة عصب والوصول إلى البحر الأحمر. المحور الثالث: السودان والحدود الغربية لإثيوبيا. المحور الرابع: مصر والنيل والبحر الأحمر. وهذه المحاور تتفاعل في الوقت نفسه، وهو ما يرفع احتمال انتقال الأزمة من صراع داخلي إلى أزمة أمن إقليمي متعددة المستويات.
القمة الرباعية في العلمين تحمل دلالة استراتيجية أكبر من إعلانها الرسمي
في 4 أكتوبر عقدت مصر وإريتريا والسودان والصومال قمة تشاورية رباعية في العلمين واللافت أن القمة جاءت في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة لإثيوبيا فالإعلان الرسمي للقمة لم يذكر إثيوبيا كطرف مستهدف، لكنه تضمن مواقف متقاطعة بصورة مباشرة مع القضايا التي تختلف حولها هذه الدول مع أديس أبابا، فقد أكدت الدول الأربع: احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها/رفض التدخل في الشؤون الداخلية/دعم وحدة السودان ومؤسساته الوطنية/دعم وحدة الصومال ورفض الاعتراف بأرض الصومال/التأكيد أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول الساحلية ورفض الإجراءات الأحادية التي تضر باستخدامات دولتي المصب لمياه النيل.
إنشاء آلية لمتابعة نتائج القمة وتعزيز التنسيق بين الدول الأربع
هذه الصياغات مهمة لأنها تجمع، في وثيقة واحدة، ملفات البحر الأحمر والنيل والسودان والصومال، وبالتالي، فإن القمة لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها اجتماعًا سياسيًا عابرًا؛ بل تعكس اتجاهًا نحو بناء آلية تشاور إقليمية بين دول تتقاطع مصالحها الأمنية في مواجهة عدد من التحديات المشتركة.
لكن من الضروري عدم القفز إلى استنتاج أن هذه الدول شكلت “تحالفًا عسكريًا ضد إثيوبيا” فلا يوجد في الإعلان الرسمي ما يثبت ذلك وفي المقابل، تشير تقديرات أمنية منشورة إلى وجود تفاهمات أعمق بشأن التنسيق العسكري والاستخباراتي في حال امتداد الصراع إلى حدود الدول الأربع. وهذه المعلومة، نظرًا لغياب تأكيد رسمي مباشر لها، ينبغي التعامل معها بوصفها مؤشرًا استخباراتيًا مهمًا يحتاج إلى متابعة، وليس حقيقة معلنة.
مصر والسودان في قلب المعادلة دون دليل على التدخل المباشر
وجهت القيادة العسكرية الإثيوبية اتهامات إلى مصر والسودان بدعم القوى المناوئة للحكومة، وهي اتهامات رفضتها الدولتان، وهنا يجب الحذر من تحويل الاتهام إلى حقيقة وحتى الآن، لا توجد قاعدة علنية كافية تسمح بالجزم بأن القاهرة أو الخرطوم تدعمان عسكريًا الهجوم الذي شنته قوات تيغراي ولكن ذلك لا يعني أن مصر والسودان غير معنيين بالأزمة، بل العكس تمامًا.
بالنسبة إلى مصرهناك ثلاثة ملفات استراتيجية متداخلة: سد النهضة والنيل الأزرق، وأمن البحر الأحمر والتوازن العسكري والسياسي في القرن الإفريقي.
أما السودان، فيواجه وضعًا أكثر تعقيدًا بسبب الحرب الداخلية، وطول حدوده مع إثيوبيا، وحساسية منطقة الفشقة، وتداخل طرق الإمداد والنزوح والجماعات المسلحة.
وبالتالي، فإن القاهرة والخرطوم لديهما مصلحة واضحة في منع تحول إثيوبيا إلى قوة إقليمية قادرة على فرض ترتيبات منفردة في ملفات النيل والبحر الأحمر. لكن المصلحة الاستراتيجية لا تعني بالضرورة التدخل العسكري المباشر.
إريتريا هي الطرف الأكثر تعرضًا لتحول الأزمة
من منظور أسمرة، القضية لا تتوقف عند تيغراي، إذا استمرت أديس أبابا في المطالبة بمنفذ بحري مباشر، فإن السؤال بالنسبة لإريتريا يصبح: ما شكل هذا المنفذ؟ وتحت أي سيادة؟ وما الضمانات الأمنية والسياسية التي تمنع تحوله مستقبلًا إلى وجود عسكري أو قاعدة إثيوبية؟
لهذا السبب فإن مسألة الوصول إلى البحر الأحمر يمكن أن تتحول من ملف اقتصادي إلى ملف أمن قومي إريتري. وفي المقابل، فإن إثيوبيا تنظر إلى اعتماد اقتصادها على الموانئ الأجنبية بوصفه نقطة ضعف استراتيجية لا يمكن استمرارها إلى ما لا نهاية، وهنا تتولد معادلة خطرة: فإثيوبيا تحتاج منفذًا بحريًا وإريتريا تخشى التداعيات الأمنية وبالتالي يصبح الخلاف حول تيغراي يوفر بيئة للتصعيد والبحر الأحمر يصبح جزءًا من حسابات الردع، وهذا هو أحد أهم المفاتيح لفهم التطورات الحالية.
ماذا عن التقارير المتعلقة بوجود قوات إريترية داخل تيغراي؟
ظهرت في 7 أكتوبر تقارير نقلت عن مسؤولين محليين وسكان أن قوات إريترية انتشرت في أجزاء من شمال تيغراي، كما تحدثت مصادر أخرى عن وجود إريتري في المنطقة، لكن هذه المعلومة لا تزال غير مثبتة بصورة مستقلة بما يكفي، فيما تنفي أسمرة بعض هذه الاتهامات. كما أن بعض التقييمات المتخصصة لم تتمكن من التحقق المستقل من حجم هذا الانتشار أو طبيعته، لذلك فإن التقدير المهني في هذه المرحلة هو وجود مؤشرات على احتمال تحرك أو انتشار إريتري في محيط تيغراي، لكن حجم التدخل وطبيعته العملياتية لا يزالان بحاجة إلى إثبات مستقل، وإذا ثبت لاحقًا أن القوات الإريترية دخلت العمليات بصورة مباشرة وعلى نطاق واسع، فسوف يتغير تقدير الموقف جذريًا، لأن ذلك يعني انتقال الأزمة من مواجهة داخلية إلى مواجهة عابرة للحدود بصورة مباشرة.
العامل العسكري – من يملك الأفضلية؟
حتى الآن، تمتلك الحكومة الإثيوبية عدة مزايا مهمة: اولها التفوق في القوة النظامية والقدرة على الحشد والميزة الثانية هي القدرة على استخدام الطائرات المسيّرة والضربات الجوية، وبالنسبة للميزة الثالثة فهي تتمثل في السيطرة على العاصمة الإقليمية ميكيلي والمطار، وفيما يخص الميزة الاخيرة الرابعة فهي تتمثل في وجود قوات ومجموعات مسلحة حليفة للحكومة في مناطق متعددة. وقد أفادت مصادر اليوم بأن القوات الحكومية تستخدم الطائرات المسيّرة في عمليات استعادة السيطرة على مناطق من تيغراي، ولكن الطرف المقابل يمتلك عوامل قوة مختلفة منها معرفة عميقة بالتضاريس وشبكات محلية وخبرة قتالية كبيرة وإمكانية التحول من السيطرة على المدن إلى حرب استنزاف والقدرة على الاستفادة من أي دعم خارجي محتمل إذا طال أمد الحرب، لذلك فإن التفوق الحكومي الحالي لا يعني بالضرورة قدرة الحكومة على تحقيق نصر استراتيجي سريع.
التقدير الاستخباراتي
استنادًا إلى التقاطعات الحالية، يمكن تحديد خمس ملاحظات أساسية:
1- سقوط ميكيلي ليس نهاية الحرب: فالأرجح أن السيطرة على العاصمة الإقليمية ستمنح الحكومة الإثيوبية أفضلية سياسية وعسكرية، لكنها لا تنهي قدرة قوات تيغراي على مواصلة القتال.
2- خطر الحرب الطويلة أكبر من خطر الحسم السريع: إذا فشلت الحكومة في تحويل التفوق العملياتي إلى تسوية سياسية، فقد تنتقل المواجهة إلى نمط استنزافي.
3- العلاقة مع إريتريا هي نقطة التحول الأساسية: فإذا تحول التوتر الإثيوبي–الإريتري من دعم غير مباشر إلى تدخل عسكري مباشر، فإن طبيعة الأزمة ستتغير بالكامل.
4- البحر الأحمر أصبح متغيرًا أمنيًا في الصراع الإثيوبي: مطالبة إثيوبيا بالوصول إلى البحر لم تعد قضية اقتصادية فقط، بل أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بأمنها القومي ومكانتها الإقليمية.
5- التقارب المصري–الإريتري–السوداني–الصومالي يستحق مراقبة مستمرة: ليس من الدقيق وصفه حتى الآن بتحالف عسكري مضاد لإثيوبيا، لكنه يمثل بداية بنية تنسيق إقليمية يمكن أن تتطور إذا استمر التصعيد الإثيوبي.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: احتواء إقليمي والاحتمال: متوسط
تنجح الوساطة الأفريقية والدولية في وقف التصعيد، وتتحول السيطرة الحكومية على ميكيلي إلى ورقة ضغط للعودة إلى التفاوض. هذا السيناريو يتطلب خصوصًا منع تحول إريتريا إلى طرف عسكري مباشر.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف داخل إثيوبيا: والاحتمال الوقوع مرتفع
تحتفظ الحكومة بالمدن الرئيسية، بينما تعيد قوات تيغراي تنظيم نفسها في مناطق أخرى، وتبدأ مرحلة من الهجمات والكمائن والضربات بعيدة المدى. هذا السيناريو هو الأكثر قابلية للاستمرار إذا تعذر الوصول إلى تسوية سياسية.
السيناريو الثالث: تدويل الصراع إقليميًا والاحتمال الوقوع متوسط، لكنه الأخطر
يتحقق إذا توافرت ثلاثة شروط: تدخل إريتري مباشر ودعم خارجي متزايد للأطراف المتصارعة مع امتداد القتال إلى الحدود وعندها يمكن أن تتقاطع الحرب الإثيوبية مع الحرب السودانية وأمن البحر الأحمر وملف النيل وهذا هو السيناريو الذي يجب أن يراقبه المركز بصورة خاصة.
الخلاصة
ما يحدث في تيغراي لا يمكن اختزاله في عودة الصراع بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي. فالمشهد الحالي يجري داخل بيئة استراتيجية تغيرت بصورة كبيرة منذ انتهاء الحرب السابقة عام 2022.
إثيوبيا تواجه من جديد تمردًا مسلحًا في الشمال، لكنها في الوقت نفسه تدخل مرحلة توتر غير مسبوق مع إريتريا، وتعيد طرح مطلب الوصول إلى البحر الأحمر، فيما تتقاطع مصالح مصر والسودان وإريتريا والصومال حول قضايا السيادة والنيل والبحر الأحمر وأمن الحدود.
وفي هذا السياق، تبدو تيغراي نقطة التقاء أكثر منها سببًا منفردًا للأزمة فالخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في عودة الحرب داخل الإقليم، وإنما في إمكانية أن تتحول تيغراي إلى بوابة لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي.
وإذا انتقل الصراع من مستوى المواجهة الداخلية إلى مستوى التدخل الإريتري المباشر، أو توسع الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، فإن المسألة لن تبقى “حرب تيغراي الثانية”، بل قد تصبح “أزمة إقليمية تمتد من النيل إلى البحر الأحمر، ومن السودان إلى الصومال”.
وعليه، فإن المؤشر الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة ليس فقط من يسيطر على ميكيلي، وإنما **من يسيطر على مسار التصعيد خارج تيغراي، ومن ينجح في منع تحول الحدود والموانئ والنيل إلى ساحات مترابطة للصراع.
احتمال استمرار القتال داخل تيغراي مرتفع، واحتمال تحوله إلى حرب إقليمية شاملة لا يزال دون ذلك، لكنه آخذ في الارتفاع. أما نقطة التحول الحاسمة فتتمثل في طبيعة الدور الإريتري، ومدى تطور التنسيق بين مصر وإريتريا والسودان والصومال، وقدرة الحكومة الإثيوبية على تحويل تفوقها العسكري الحالي إلى تسوية سياسية قبل أن تتوسع دائرة التدخلات الخارجية.



