آسياأخبار العالمبحوث ودراسات

كيم بين موسكو وبكين: إعادة تموضع استراتيجي أم تشكل لبنية أمنية آسيوية جديدة؟

مقدمة

تكشف التحركات الدبلوماسية والعسكرية الكورية الشمالية خلال الأشهر الأخيرة عن سياسة خارجية تتجاوز فكرة الارتهان لطرف دولي واحد، وتتجه نحو بناء شبكة علاقات متوازنة مع قوتين كبيرتين هما روسيا والصين، مع الاحتفاظ بهامش مستقل للحركة.

وجاءت رسالة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بمناسبة عيد ميلاده الرابع والسبعين في 7 أكتوبر 2026، لتؤكد استمرار المسار الروسي–الكوري الشمالي.

فقد تعهد كيم بتوسيع العمل المشترك في إطار “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” بين البلدين، وأكد دعمه لروسيا، في موقف يأتي بعد أكثر من عامين على انتقال التعاون بين موسكو وبيونغ يانغ من مستوى العلاقات السياسية إلى تعاون عسكري أكثر عمقًا.

لكن قراءة هذه الرسالة باعتبارها دليلًا على اصطفاف كوري شمالي كامل إلى جانب موسكو ستكون قراءة ناقصة. ففي المقابل، كانت بيونغ يانغ قد أعادت خلال 2026 تنشيط علاقتها مع بكين على أعلى مستوى، بما في ذلك القمة التي جمعت كيم بالرئيس الصيني شي جين بينغ في بيونغ يانغ في يونيو، ثم إعلان كيم في الأول من أكتوبر عزمه الارتقاء بالعلاقات الصينية–الكورية الشمالية إلى “مستوى استراتيجي جديد “

وبذلك تبرز معادلة أكثر تعقيدًا وهي بيونغ يانغ لا تختار بين موسكو وبكين، بل تحاول تعظيم قيمة علاقتها بكل منهما، مع اختلاف الوظيفة الاستراتيجية التي تؤديها كل علاقة.

ما الذي تغير في علاقة كوريا الشمالية بروسيا؟

شهدت العلاقات الروسية–الكورية الشمالية تحولًا نوعيًا منذ توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة في يونيو 2024. فالمعاهدة لم تكتفِ بإطار سياسي عام، بل تضمنت التزامًا بالمساعدة العسكرية في حال تعرض أحد الطرفين لعدوان مسلح. وفي السنوات التالية توسعت الاتصالات العسكرية بين البلدين، ووصل التعاون إلى مشاركة قوات كورية شمالية في العمليات المرتبطة بالحرب الروسية–الأوكرانية، وفق تقديرات كورية جنوبية وأوكرانية تتحدث عن إرسال أكثر من عشرة آلاف جندي، مع اختلاف التقديرات بشأن الأعداد الدقيقة والخسائر وهنا تكمن النقلة الأساسية، فالعلاقة لم تعد قائمة فقط على تبادل سياسي أو اقتصادي، وإنما أصبحت تشمل عنصرًا عسكريًا عمليًا يتيح لبيونغ يانغ اكتساب خبرة مباشرة من بيئة حرب حديثة، بينما تحصل موسكو على مورد بشري وعسكري إضافي في سياق حرب استنزاف طويلة.

وتشير تحليلات متخصصة إلى أن التعاون أصبح يمتد أيضًا إلى الطاقة والتكنولوجيا والتدريب والبنية التحتية، بما في ذلك افتتاح أول جسر بري مباشر بين البلدين في سبتمبر 2026، بما يعزز القدرة على توسيع الحركة التجارية واللوجستية بينهما.

لكن العلاقة لا ينبغي اختزالها في معادلة “جنود مقابل أسلحة”، فبالنسبة إلى بيونغ يانغ، فإن موسكو توفر شيئًا أكثر أهمية فهي نافذة على التكنولوجيا والخبرة العسكرية الحديثة، وغطاء سياسي في المحافل الدولية، وشريكًا قادرًا على التعامل معها خارج القيود التي تفرضها البيئة الغربية.

أما بالنسبة إلى موسكو، فإن كوريا الشمالية تمثل شريكًا يمتلك قدرات صناعية وعسكرية يمكن توظيفها، إضافة إلى موقع جغرافي يجعلها جزءًا من معادلة الأمن في شمال شرق آسيا.

لماذا لا تستطيع بيونغ يانغ الاستغناء عن بكين؟

رغم التطور الروسي–الكوري الشمالي، فإن الصين تظل مختلفة من حيث الوزن الاقتصادي والجغرافي، فالعلاقة الصينية–الكورية الشمالية تمتلك جذورًا تاريخية أعمق، كما أن الصين تظل بالنسبة إلى كوريا الشمالية الطرف الأكثر أهمية من حيث التجارة والحدود والاتصال الاقتصادي، ولهذا السبب كان اجتماع شي جين بينغ وكيم جونغ أون في يونيو 2026 ذا أهمية خاصة.

الصين لم تتعامل مع العلاقة باعتبارها مجرد ملف أمني، بل أكدت على تعزيز التخطيط الاستراتيجي رفيع المستوى وتطوير العلاقات الثنائية بما يخدم الاستقرار والتنمية في المنطقة، وبعد القمة، واصلت بيونغ يانغ إرسال إشارات سياسية واضحة إلى بكين. ففي رسالة كيم إلى شي في الأول من أكتوبر، أكد أن الصداقة بين البلدين لا يمكن أن تتأثر بتغير الظروف الدولية، وتعهد بالارتقاء بالعلاقات إلى مستوى استراتيجي جديد وهذه الرسائل تحمل دلالة تتجاوز البروتوكول.

فبيونغ يانغ تدرك أن علاقتها مع موسكو لا يمكن أن تحل محل العلاقة مع الصين، تمامًا كما أن علاقتها مع بكين لا توفر بالضرورة البديل الكامل عن المنافع العسكرية التي تستطيع روسيا تقديمها وهنا تظهر استراتيجية التنويع الاستراتيجي.

موسكو وبكين تؤديان وظيفتين مختلفتين بالنسبة إلى بيونغ يانغ

يمكن فهم السياسة الكورية الشمالية بصورة أدق إذا فصلنا بين طبيعة المكاسب التي تحصل عليها من كل قوة.

 فموسكو تمنح بيونغ يانغ عمقًا عسكريًا، خبرة عملياتية حديثة وإمكانية الوصول إلى تقنيات عسكرية متقدمة ودعمًا سياسيًا في مواجهة الضغوط الدولية وشريكًا مستعدًا لتوسيع التعاون بعيدًا عن الأطر الغربية.

بينما تمنحها بكين عمقًا اقتصاديًا وتجاريًا وعمقًا جغرافيًا ومنفذًا أساسيًا على الاقتصاد الإقليمي ومظلة سياسية أكثر استقرارًا وقناة رئيسية للتعامل مع البيئة الآسيوية.

ومن ثم، فإن وضع العلاقة مع روسيا والعلاقة مع الصين في خانة واحدة يؤدي إلى فقدان جزء مهم من الصورة فروسيا بالنسبة إلى بيونغ يانغ هي شريك صاعد في المجال العسكري والاستراتيجي أما الصين فهي العمق الاقتصادي والجغرافي والسياسي التقليدي.

هل بدأت كوريا الشمالية تتحول إلى حلقة وصل بين موسكو وبكين؟

هنا تظهر المسألة الأكثر أهمية من منظور أمني فمن الخطأ القول إن هناك حاليًا “تحالفًا ثلاثيًا” صينيًا–روسيًا–كوريًا شماليًا على غرار التحالفات العسكرية التقليدية ولا توجد حتى الآن بنية قيادة عسكرية مشتركة، ولا التزام دفاعي ثلاثي معلن، ولا آلية مؤسسية ثلاثية يمكن مقارنتها بتحالف عسكري رسمي لكن توجد في المقابل تقاطع متزايد في المصالح.

روسيا والصين تتقاربان في عدد من القضايا المتعلقة بإعادة تشكيل النظام الدولي، بينما ترتبط كل من موسكو وبكين ببيونغ يانغ بعلاقات استراتيجية متنامية وهذا يخلق ما يمكن وصفه ببنية تقاطع استراتيجي، وليس تحالفًا ثلاثيًا مكتملًا، وهذا الفارق مهم للغاية.

فالتقارب بين الدول الثلاث لا يعني أنها تمتلك رؤية واحدة لكل الملفات. لكل طرف حساباته الخاصة، وقد تتباين مصالح موسكو وبكين في بعض القضايا، كما أن بيونغ يانغ تحرص تاريخيًا على عدم التحول إلى تابع لأي قوة كبرى.

تايوان تكشف حدود التقاطع بين بكين وبيونغ يانغ

التطور الأحدث في موقف بيونغ يانغ من تايوان يوفر مؤشرًا مهمًا، في 7 أكتوبر انتقدت كوريا الشمالية مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان، معتبرة أن الدعم العسكري الأمريكي يفاقم التوتر في مضيق تايوان، وجددت عمليًا موقفها المتوافق مع مبدأ الصين الواحدة وهذه ليست مجرد مجاملة دبلوماسية لبكين فبيونغ يانغ تضع قضية تايوان ضمن إطار أوسع يتعلق بمفهوم السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو خطاب يتقاطع مع المواقف الصينية والروسية في عدد من الملفات الدولية لكن يجب ألا نبالغ في تفسير ذلك.

فموقف كوريا الشمالية من تايوان لا يعني تلقائيًا أنها ستتدخل عسكريًا إلى جانب الصين إذا اندلع نزاع حول الجزيرة فالتمييز بين الدعم السياسي والاستعداد العسكري للتدخل أساسي هنا وحتى الآن، لا توجد معطيات كافية تسمح بالقول إن بيونغ يانغ تعهدت لبكين بدور عسكري مماثل للدور الذي أدته لصالح موسكو وهذه نقطة تفسر أيضًا لماذا تحافظ الصين على قدر من الحذر في إدارة علاقتها مع كوريا الشمالية.

العامل الروسي قد يكون أكثر أهمية مما يبدو

هناك جانب آخر لا يحظى بالقدر الكافي من الاهتمام فروسيا لا تمنح كوريا الشمالية فقط موارد عسكرية محتملة، وإنما تتيح لها اكتساب خبرة عملية من حرب حديثة عالية الكثافة.

القوات الكورية الشمالية التي شاركت في العمليات الروسية أصبحت، وفق التقارير والتقديرات المتاحة، أكثر احتكاكًا بتقنيات المسيّرات، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، والمدفعية، والعمليات البرية واسعة النطاق وإذا استمرت هذه العملية، فإن القيمة الحقيقية للتعاون الروسي–الكوري الشمالي قد تظهر على المدى المتوسط داخل القوات المسلحة الكورية الشمالية نفسها وهذا يعني أن العائد بالنسبة لبيونغ يانغ لا يقتصر على ما تحصل عليه من موسكو، وإنما يشمل ما تتعلمه من بيئة الحرب الروسية–الأوكرانية وهنا تحديدًا تصبح العلاقة الروسية–الكورية الشمالية ذات أثر مباشر على ميزان القوى في شبه الجزيرة الكورية.

ماذا تحصل روسيا في المقابل؟

لا ينبغي أن تُقرأ العلاقة باعتبار روسيا الطرف المانح وكوريا الشمالية الطرف المتلقي فالمعادلة أكثر تعقيدًا روسيا تحصل من بيونغ يانغ على إمدادات عسكرية، وقدرات بشرية، ودعم سياسي، وشريك جغرافي قريب من إحدى أكثر مناطق آسيا حساسية، كما أن وجود علاقة استراتيجية مع كوريا الشمالية يمنح موسكو قدرة إضافية على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة باليابان وكوريا الجنوبية، من دون أن يعني ذلك أن روسيا تسعى بالضرورة إلى استخدام بيونغ يانغ كأداة تابعة فموسكو لديها مصالح مستقلة في شرق آسيا، وتسعى إلى تعزيز علاقاتها مع الصين وكوريا الشمالية، لكن ذلك يأتي أيضًا في إطار أوسع من إعادة توسيع حضورها الآسيوي.

ماذا تريد الصين من عودة كوريا الشمالية إلى مدارها السياسي؟

من غير الدقيق القول إن بكين تريد بالضرورة تحويل بيونغ يانغ إلى طرف تابع لها والأقرب إلى الواقع أن الصين تسعى إلى منع انهيار النظام الكوري الشمالي أو تحوله إلى مصدر فوضى على حدودها، مع الحفاظ على قدرة بكين على التأثير في التطورات الأمنية في شبه الجزيرة.

كما أن عودة العلاقات السياسية رفيعة المستوى بين شي وكيم تمنح بكين فرصة لاستعادة نفوذ مباشر على ملف كانت روسيا قد حققت فيه تقدمًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة وهذا يخلق نوعًا من المنافسة غير المعلنة بين موسكو وبكين على النفوذ في بيونغ يانغ، لكن المنافسة لا تعني بالضرورة صدامًا بل يمكن أن تكون النتيجة بالنسبة إلى كوريا الشمالية مفيدة فكلما ارتفعت قيمة بيونغ يانغ بالنسبة إلى موسكو وبكين، ارتفعت قدرتها على التفاوض مع كل منهما.

هل تستخدم بيونغ يانغ موسكو وبكين لتحقيق توازن استراتيجي؟

هذا هو التقدير الأكثر ترجيحًا فالسياسة الكورية الشمالية الحالية تبدو أقرب إلى توزيع الاعتماد منها إلى اختيار حليف واحد فبيونغ يانغ تحتاج الصين اقتصاديًا وجغرافيًا، لكنها لا تريد أن تعتمد عليها وحدها وفي المقابل، ترى في روسيا فرصة لتوسيع هامشها العسكري والسياسي ومن هنا يمكن فهم كثافة الرسائل المتزامنة من كيم إلى شي وبوتين خلال الفترة الأخيرة. ففي الأول من أكتوبر، أكد لكينغ العلاقات الاستراتيجية مع الصين، وفي 7 أكتوبر أكد لبوتين التزامه بتوسيع الشراكة الاستراتيجية مع روسيا وهذه ليست بالضرورة سياسة تناقض بل يمكن قراءتها باعتبارها إدارة متوازنة للعلاقات مع قوتين تحتاج إليهما بيونغ يانغ لأسباب مختلفة.

أين يمكن أن تظهر حدود هذا التقارب؟

رغم الاتجاه الصاعد للعلاقات، توجد حدود موضوعية أمام تحولها إلى تحالف ثلاثي:

1- اختلاف المصالح فالصين لها حساباتها الخاصة تجاه الولايات المتحدة وتايوان والاقتصاد العالمي وروسيا لها أولويات مرتبطة بالحرب في أوكرانيا وعلاقاتها الأوروبية والآسيوية أما كوريا الشمالية فتركز بصورة أساسية على أمن النظام والردع النووي والعلاقة مع كوريا الجنوبية.

2- حساسية الملف النووي: الصين وروسيا تدعمان بقاء كوريا الشمالية سياسيًا، لكن ذلك لا يعني أنهما تتفقان مع كل خطواتها النووية والصاروخية.

3- استقلالية بيونغ يانغ: التاريخ الكوري الشمالي يقوم بدرجة كبيرة على فكرة الاستقلال الاستراتيجي وعدم الارتهان لقوة خارجية واحدة. ولهذا فإن توسع العلاقة مع روسيا لا يعني التخلي عن الصين، كما أن استعادة العلاقات مع الصين لا تعني التراجع عن الشراكة مع روسيا.

التقدير الاستراتيجي

بناءً على المعطيات المتقاطعة، يمكن صياغة التقدير في خمس نقاط:

1- العلاقة الروسية–الكورية الشمالية انتقلت بالفعل إلى مستوى استراتيجي أكثر عمقًا من السابق فالمعاهدة الدفاعية والتعاون العسكري والمشاركة الكورية الشمالية في الحرب الروسية تؤكد أن الأمر تجاوز الدعم السياسي التقليدي.

2- العلاقة الصينية–الكورية الشمالية دخلت مرحلة إعادة تنشيط واضحة وقمة يونيو ورسائل كيم اللاحقة تشير إلى أن بيونغ يانغ لا تريد السماح بأن يؤدي صعود العلاقة مع موسكو إلى تراجع علاقاتها مع بكين.

3- كوريا الشمالية تبدو المستفيد الأكبر من التنافس بين القوتين على النفوذ فهي تحصل من روسيا على مكاسب عسكرية وأمنية، ومن الصين على عمق اقتصادي وسياسي وجغرافي.

4- لا توجد حتى الآن أدلة كافية على قيام تحالف ثلاثي عسكري والأدق هو الحديث عن تقاطع استراتيجي متزايد يمكن أن يتطور تدريجيًا إلى أشكال أوسع من التنسيق.

5- الخطر الاستراتيجي بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها ليس بالضرورة في قيام محور ثلاثي، وإنما في تراكم القدرات والعلاقات بصورة منفصلة بحيث تصبح بيونغ يانغ أكثر قدرة على المناورة، وتصبح موسكو أكثر حضورًا في شرق آسيا، وتحتفظ بكين بعلاقة مستقرة مع كوريا الشمالية.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: توازن ثلاثي مرن — الأكثر ترجيحًا: تواصل بيونغ يانغ تطوير علاقاتها مع موسكو وبكين في الوقت نفسه، من دون الدخول في تحالف ثلاثي رسمي وهذا السيناريو يخدم مصالح كوريا الشمالية أكثر من غيره لأنه يحافظ على استقلال قرارها.

السيناريو الثاني: تعميق المحور الروسي–الكوري الشمالي: إذا استمرت الحرب الروسية–الأوكرانية أو ظهرت حاجة روسية متزايدة إلى الموارد البشرية والعسكرية الكورية الشمالية، فقد تتوسع العلاقة العسكرية بصورة أكبر وعندها يمكن أن تصبح كوريا الشمالية شريكًا عسكريًا طويل الأمد لروسيا، وليس مجرد طرف دعم ظرفي.

3- السيناريو الثالث: تنسيق صيني–روسي–كوري شمالي أوسع: قد يظهر هذا السيناريو إذا تصاعدت المواجهة حول تايوان أو شبه الجزيرة الكورية أو توسعت الضغوط الاقتصادية والعسكرية على الدول الثلاث، لكن هذا السيناريو يحتاج إلى مؤسسات وآليات تنسيق مشتركة غير موجودة بصورة مكتملة حتى الآن.

4- السيناريو الرابع: إعادة ضبط العلاقات:يبقى احتمال أن تفرض التطورات الاقتصادية أو السياسية حدودًا على مستوى التعاون الروسي–الكوري الشمالي، فتعود الصين تدريجيًا إلى موقعها المركزي التقليدي في علاقات بيونغ يانغ لكن المعطيات الحالية لا تشير إلى أن هذا هو الاتجاه القريب.

الخلاصة

تكشف التطورات الأخيرة أن كوريا الشمالية لا تتحرك نحو اختيار موسكو على حساب بكين، ولا نحو العودة الكاملة إلى المدار الصيني على حساب روسيا. ما تقوم به بيونغ يانغ يبدو أقرب إلى إعادة توزيع للارتباطات الاستراتيجية بما يمنحها أكبر هامش ممكن من الاستقلال والمناورة.

روسيا أصبحت مصدرًا مهمًا للعمق العسكري والخبرة العملياتية والدعم السياسي، بينما تظل الصين العمق الاقتصادي والجغرافي والسياسي الأكثر رسوخًا.

ومن هنا فإن الرسالتين اللتين وجههما كيم إلى شي جين بينغ وفلاديمير بوتين خلال الأيام الأخيرة تحملان دلالة تتجاوز المجاملات الدبلوماسية: بيونغ يانغ تريد الاحتفاظ بعلاقتين استراتيجيتين في الوقت نفسه، وتجنب أن تتحول حاجتها إلى أي من القوتين إلى تبعية كاملة لها.

أما بالنسبة إلى موسكو وبكين، فإن قيمة كوريا الشمالية تتزايد لأنها تقع في نقطة حساسة من الخريطة الآسيوية، وتملك قدرات عسكرية ونووية، وتستطيع التأثير في حسابات كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة لكن الحديث عن “تحالف ثلاثي” لا يزال سابقًا لأوانه.

الأكثر دقة هو الحديث عن تشكّل شبكة من العلاقات الاستراتيجية المتقاطعة، يمكن أن تتحول، إذا استمرت التوترات في أوروبا وآسيا، إلى بنية أمنية أكثر ترابطًا.

وهنا تكمن أهمية كوريا الشمالية في المرحلة المقبلة: ليست لأنها أصبحت تابعًا لموسكو أو بكين، وإنما لأنها تحاول تحويل موقعها بين القوتين إلى مصدر قوة واستقلال تفاوضي.

وبهذا المعنى، فإن السؤال الاستراتيجي الأهم ليس ما إذا كانت بيونغ يانغ قد اختارت روسيا أو الصين، بل إلى أي مدى تستطيع كوريا الشمالية تحويل علاقتها المتزامنة مع القوتين إلى قدرة مستقلة على إعادة صياغة ميزان الردع في شرق آسيا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق