المسيّرات المجهولة سلاح مجهول يفتح جبهة جديدة في صراع النفوذ بغرب ليبيا

اعداد نور الهدى فجراوي : قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية: 07-09-2026
تشهد مناطق غرب ليبيا خلال الفترة الأخيرة تصاعدا لافتا في استخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف منشآت حيوية ونفطية وكهربائية وهو تطور يضيف بعدا جديدا إلى المشهد الأمني والسياسي المعقد في البلاد ويطرح تساؤلات متزايدة حول هوية الجهات التي تقف وراء هذه الهجمات والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها في ظل استمرار الانقسام السياسي والأمني وتعدد مراكز القوة وبحسب تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط في السادس من سبتمبر فإن طائرة مسيّرة مجهولة استهدفت خلال الأيام الماضية خزانات وقود في مستودع البريقة الواقع على طريق المطار في العاصمة طرابلس وكادت العملية أن تتسبب في كارثة إنسانية وبيئية واسعة لو أصابت الخزانات بشكل مباشر ويأتي هذا الهجوم ضمن سلسلة من العمليات التي استهدفت منشآت حيوية في غرب ليبيا وجعلت من الطائرات المسيّرة أداة جديدة في صراع النفوذ داخل البلاد وخارجها وهو ما دفع السلطات في طرابلس إلى الإعلان عن تفكيك خلية تخريبية قالت إنها تقف وراء عدد من هذه الهجمات
لم تعد الهجمات بالطائرات المسيّرة في غرب ليبيا حوادث منفصلة أو محدودة النطاق إذ تشير المعطيات التي أعلنتها السلطات الليبية إلى استهداف منشآت ترتبط مباشرة بالطاقة والخدمات الأساسية فقد أعلنت حكومة الوحدة الوطنية في السادس من سبتمبر أن وزارة الدفاع نفذت عملية أمنية واستخباراتية أسفرت عن القبض على خمسة أشخاص من الليبيين والأجانب قالت إنهم ينتمون إلى خلية تخريبية منظمة شاركت في هجمات باستخدام مسيّرات انتحارية استهدفت خزانات النفط في طرابلس والزاوية إضافة إلى محطة كهرباء في الزاوية ونقلت وكالة الأنباء القطرية عن بيان الحكومة الليبية أن التحقيقات كشفت أيضا عن مخططات أخرى كانت في مراحل متقدمة من التنفيذ من بينها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس ومنشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية وهو ما يشير وفق الرواية الرسمية إلى أن العمليات لم تكن مجرد اعتداءات متفرقة وإنما جزءا من مخطط أوسع لاستهداف البنية التحتية ومراكز القرار كما أكدت مصادر إعلامية ليبية أن المنشآت النفطية ومحطات الكهرباء وتحلية المياه في مدينة الزاوية تعرضت خلال الشهر الماضي لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة وهو ما يفسر ارتفاع مستوى القلق لدى السلطات والسكان بشأن قدرة هذه الهجمات على إحداث اضطرابات واسعة في الخدمات الأساسية
يمثل إعلان حكومة الوحدة الوطنية عن توقيف خمسة أشخاص تطورا مهما في مسار التحقيقات إلا أن السلطات لم تكشف حتى الآن بصورة كاملة عن هوية الجهات التي تقف خلف الخلية أو الجهات التي يشتبه في أنها قامت بتمويلها وتوجيهها وأكدت الحكومة أن العملية الأمنية لا تمثل نهاية التحقيق بل بداية لكشف امتدادات الشبكة ومعرفة من خطط ومول ودعم وسهل هذه العمليات مشيرة إلى أن التحقيقات ستتواصل للكشف عن باقي المتورطين
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن طبيعة الهجمات وتنوع أهدافها يوحيان بوجود درجة من التنظيم والتخطيط تتجاوز قدرة مجموعة صغيرة على تنفيذ عمليات منفصلة من دون دعم لوجستي وتقني واستخباراتي وإذا تأكدت هذه الفرضية فإن ليبيا قد تكون أمام نموذج جديد من العمليات غير المباشرة يقوم على استخدام مجموعات محدودة العدد لتنفيذ ضربات منخفضة الكلفة نسبيا لكنها قادرة على إحداث تأثير اقتصادي وأمني وسياسي كبير وقد شددت حكومة الوحدة الوطنية في بيانها على أن أمن المنشآت الحيوية ومقدرات الدولة يمثل خطا أحمر متعهدة بملاحقة المتورطين داخل ليبيا وخارجها بعد استكمال التحقيقات الأولية
يكتسب استهداف المنشآت النفطية في ليبيا أهمية تتجاوز البعد الأمني المباشر لأن قطاع النفط يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي ومصدرا رئيسيا للإيرادات العامة ومن ثم فإن ضرب خزانات الوقود أو المنشآت النفطية لا يستهدف منشأة مادية فقط بل يمكن أن ينعكس على حركة توزيع الوقود وعلى الخدمات العامة وعلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتشير صحيفة الشرق الأوسط إلى أن الهجوم الذي استهدف مجمع الزاوية النفطي في الثاني عشر من أغسطس تسبب في فقدان نحو 13 مليون لتر من الوقود وفقا لما نقلته عن شركة البريقة لتسويق النفط والغاز كما أشارت الصحيفة نقلا عن إذاعة فرنسا الدولية إلى أن مسيّرات أوكرانية الصنع من طراز إف بي في موجهة بالألياف الضوئية استخدمت في ذلك الهجوم وهي معلومات تظل مرتبطة بما نقلته وسائل الإعلام ولا تشكل بحد ذاتها دليلا على الجهة التي أمرت بتنفيذ العملية أو مولتها وتكشف هذه المعطيات أن الصراع حول المنشآت النفطية يمكن أن يتحول إلى وسيلة ضغط استراتيجية لأن تعطيل جزء من البنية التحتية للطاقة يملك القدرة على إحداث آثار تتجاوز موقع الهجوم لتطال الاقتصاد والخدمات والاستقرار العام
يمثل انتشار الطائرات المسيّرة تحولا نوعيا في طبيعة الصراع الليبي لأن هذه التكنولوجيا تسمح بتنفيذ عمليات دقيقة نسبيا من دون الحاجة إلى تحريك قوات كبيرة أو السيطرة المباشرة على الأرض وهنا تكمن أهميتها بالنسبة إلى الفاعلين المحليين وغير المحليين فالمسيّرة يمكن أن تمنح الجهة التي تستخدمها قدرة على إلحاق الضرر بمنشأة استراتيجية مع تقليل المخاطر البشرية والسياسية التي ترافق العمليات العسكرية التقليدية كما أن غموض مصدر الهجوم يخلق مشكلة إضافية أمام الدولة إذ يصبح من الصعب تحديد المسؤولية والرد عليها وهو ما يجعل الطائرات المسيّرة أداة ملائمة لما يعرف في الدراسات الأمنية بالحرب الرمادية التي تقوم على استخدام وسائل ضغط دون الوصول إلى مستوى الحرب المفتوحة وفي الحالة الليبية يصبح هذا النوع من العمليات أكثر خطورة بسبب ضعف توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية واستمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة وهو ما يخلق بيئة يمكن أن تستفيد فيها أطراف متعددة من صعوبة تحديد المسؤولية
لا تقدم المعطيات المتاحة حتى الآن دليلا حاسما على مسؤولية دولة أجنبية بعينها عن الهجمات الأخيرة ولذلك فإن الحديث عن تدخل خارجي يجب أن يبقى في إطار الفرضيات والتحليلات لا الحقائق المؤكدة لكن الشرق الأوسط نقلت عن مصدر عسكري سابق في غرب ليبيا قوله إن استخدام المسيّرات في ليبيا قد يتجاوز الصراع بين الأطراف المحلية وأن دولا يمكن أن تستخدم هذه التكنولوجيا لتصفية حساباتها مع دول أخرى وأشار المصدر نفسه إلى وجود حديث عن تدريب على استخدام هذه التكنولوجيا في غرب ليبيا وعن حضور أوكراني مرتبط بهذا المجال إلا أن الصحيفة أوضحت أنها لم تحصل على رد من وزارة الدفاع في حكومة الوحدة بشأن هذه المعلومات وتزداد حساسية هذا الجانب في ظل التنافس الدولي الواسع على ليبيا وموقعها الاستراتيجي وثرواتها النفطية وموقعها على البحر المتوسط فإذا تحولت الأراضي الليبية إلى مجال لاختبار تقنيات عسكرية جديدة أو إلى ساحة للعمليات غير المباشرة بين قوى خارجية فإن ذلك سيعني أن الأزمة الليبية لم تعد مجرد صراع على السلطة داخل الدولة وإنما أصبحت أيضا جزءا من تنافس جيوسياسي أوسع
لا تقتصر المخاوف المرتبطة بالمسيّرات على المنشآت البرية فقد سبق أن تعرضت ناقلة الغاز الروسية أركتيك ميتا غاز لهجوم بطائرات مسيّرة في الثالث من مارس أثناء توجهها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية وبحسب الشرق الأوسط اتهمت موسكو آنذاك جهة ما بتنفيذ ما وصفته بعمل إرهابي دولي انطلق من الساحل الليبي بينما لم تقدم السلطات في طرابلس موقفا علنيا حاسما بشأن الاتهام الروسي وتكشف هذه الحادثة عن احتمال انتقال تهديد المسيّرات من المجال الداخلي إلى المجال البحري وهو تطور ستكون له تداعيات أكبر إذا تكرر لأن ليبيا تقع على مسارات بحرية استراتيجية في المتوسط وترتبط مصالحها الأمنية والاقتصادية بحركة الملاحة والطاقة في المنطقة ومن هنا فإن أي توسع في استخدام المسيّرات ضد السفن أو المنشآت الساحلية قد يحول المسألة من قضية أمن داخلي ليبي إلى قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية حيث حذر الباحث السياسي وأستاذ القانون رمضان التويجر من خطورة توسع استخدام الطائرات المسيّرة في ليبيا معتبرا أن تداعيات هذه الظاهرة قد تمس أمن الدولة الليبية ودول الجوار ونقلت عنه الشرق الأوسط أن أطرافا دولية لم يسمها قد تسعى بطرق مختلفة إلى دفع الصراع الليبي نحو مرحلة أكثر تصعيدا بما يمكن أن يؤثر في بنية الدولة ويمتد إلى أمن دول جنوب المتوسط ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة بالنظر إلى موقع ليبيا الجغرافي فهي تقع في نقطة اتصال بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والبحر المتوسط وبالتالي فإن انتشار تكنولوجيا عسكرية متقدمة خارج السيطرة المؤسسية للدولة قد تكون له انعكاسات تتجاوز الحدود الليبية كما أن ضعف الرقابة على حركة الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية يمكن أن يسمح بانتقال الخبرات والوسائل المستخدمة في الهجمات إلى جماعات أخرى وهو ما يجعل قضية المسيّرات مرتبطة أيضا بأمن المنطقة ككل
تكمن المفارقة الأساسية في أن الطائرات المسيّرة ليست في حد ذاتها أصل الأزمة الليبية وإنما هي نتيجة لتراكم أمني وسياسي يسمح بظهور أدوات جديدة للصراع فكلما استمر الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القوة وكلما بقيت بعض التشكيلات المسلحة قادرة على العمل خارج منظومة أمنية موحدة أصبحت التكنولوجيا الحديثة وسيلة إضافية لإعادة إنتاج الصراع ولهذا فإن نجاح السلطات في توقيف خلية تخريبية سيكون خطوة مهمة لكنه لن يكون كافيا وحده لمعالجة المشكلة ما لم يترافق مع تعزيز قدرات الدولة الاستخباراتية والأمنية وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية وضبط مصادر السلاح والتكنولوجيا العسكرية كما أن حماية المنشآت النفطية والكهربائية تحتاج إلى مقاربة أمنية متكاملة تجمع بين المراقبة الجوية والاستخبارات ومكافحة الشبكات التي توفر التمويل واللوجستيات والتدريب
تؤكد التطورات الأخيرة أن الطائرات المسيّرة بدأت تتحول إلى عنصر جديد في معادلة الصراع الليبي لأنها تجمع بين انخفاض تكلفة الاستخدام وإمكانية تنفيذ عمليات بعيدة المدى وصعوبة تحديد المسؤولية المباشرة وهذا يجعلها أداة مثالية للحرب غير المباشرة ولعمليات الضغط التي تسعى إلى إضعاف الخصم أو تعطيل موارده دون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة لكن الأخطر هو أن تتحول هذه الوسيلة إلى نمط دائم من الصراع بحيث تصبح المنشآت النفطية والكهربائية والمرافق العامة أهدافا مستمرة في المنافسة بين القوى المحلية أو في صراع النفوذ الدولي وفي هذه الحالة لن تكون القضية مجرد مسألة أمنية مرتبطة بإسقاط طائرات مسيّرة أو توقيف منفذين وإنما ستصبح مؤشرا على تحول الصراع الليبي إلى مرحلة أكثر تعقيدا تتداخل فيها الحرب التكنولوجية مع الصراع السياسي والتنافس على الموارد والتدخلات الخارجية
تضع الهجمات الأخيرة السلطات الليبية أمام اختبار يتجاوز قدرتها على توقيف منفذي العمليات إذ يتعلق الأمر بقدرتها على إثبات احتكار الدولة لاستخدام القوة وحماية المنشآت الاستراتيجية ومنع تحويل الأراضي الليبية إلى ساحة للعمليات غير المباشرة وتبقى هوية الجهات التي تقف وراء مختلف الهجمات السؤال الأكثر أهمية في المرحلة الحالية لأن الكشف عن المنفذين ومصادر التمويل والدعم سيحدد ما إذا كانت الظاهرة مرتبطة بشبكات محلية محدودة أم أنها جزء من ترتيبات أوسع وفي انتظار اكتمال التحقيقات فإن المؤكد هو أن المسيّرات أصبحت عاملا جديدا في المعادلة الأمنية الليبية وأن استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية يرفع مستوى المخاطر على الدولة والمجتمع والاقتصاد وبذلك فإن معركة ليبيا القادمة قد لا تدور فقط حول السيطرة على المدن والمؤسسات وإنما أيضا حول السيطرة على المجال التكنولوجي والأمني ومنع تحول الطائرات المسيّرة إلى سلاح دائم في صراع النفوذ داخل البلاد وحولها



