محكمة العدل الدولية تنظر في دعوى نيكاراغوا ضد ألمانيا بشأن دعم إسرائيل في حرب غزة

إعداد نور الهدى فجراوي : قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 07-09-2026
بدأت محكمة العدل الدولية في لاهاي الاثنين 7 سبتمبر 2026 جلسات الاستماع بشأن الاعتراضات الأولية التي تقدمت بها ألمانيا في الدعوى التي رفعتها نيكاراغوا على خلفية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتتهم نيكاراغوا ألمانيا بانتهاك التزاماتها بموجب القانون الدولي من خلال استمرارها في تقديم دعم عسكري لإسرائيل في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية في غزة وتتصاعد فيه الاتهامات الدولية بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين وتستمر جلسات الاستماع حتى 10 سبتمبر 2026 حيث تقدم ألمانيا مرافعاتها أمام المحكمة ثم ترد نيكاراغوا على الاعتراضات الألمانية قبل أن تنظر المحكمة في المسائل القانونية المتعلقة باختصاصها وقبول الدعوى وتحظى القضية بأهمية خاصة لأنها لا تركز مباشرة على مسؤولية إسرائيل عن أفعالها في غزة وإنما تطرح مسألة مختلفة تتعلق بمسؤولية دولة ثالثة تقدم دعما عسكريا وسياسيا لطرف متهم بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي
تستند نيكاراغوا في دعواها إلى أن ألمانيا تتحمل مسؤولية دولية بسبب دعمها لإسرائيل عسكريا وسياسيا وترى ماناغوا أن استمرار تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل في ظل العمليات الجارية في غزة يثير مسألة مدى توافق هذه السياسة مع الالتزامات الدولية المفروضة على الدول بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والقانون الدولي الإنساني وتعتبر نيكاراغوا أن الدولة التي تقدم أسلحة إلى طرف يخوض حربا تترافق مع اتهامات بارتكاب جرائم وانتهاكات خطيرة لا تستطيع فصل سياستها التسليحية عن النتائج المترتبة على استخدام تلك الأسلحة
وتطالب القضية بذلك بإعادة النظر في مفهوم مسؤولية الدولة بحيث لا يقتصر على الأفعال التي تقوم بها الدولة بصورة مباشرة وإنما يمتد أيضا إلى أشكال الدعم التي يمكن أن تسهم في استمرار انتهاكات القانون الدولي وقد رفعت نيكاراغوا القضية أمام المحكمة في مارس 2024 وطلبت في مرحلة أولى اتخاذ تدابير مؤقتة ضد ألمانيا غير أن المحكمة رفضت في أبريل 2024 طلب التدابير المؤقتة دون أن يؤدي ذلك إلى إنهاء القضية التي واصلت مسارها القضائي
في المقابل اختارت ألمانيا مواجهة الدعوى من مدخل إجرائي وقانوني من خلال تقديم اعتراضات أولية تتعلق باختصاص محكمة العدل الدولية وبمدى إمكانية قبول المطالب التي قدمتها نيكاراغوا وتكتسب هذه النقطة أهمية كبيرة لأن المحكمة لا تبحث في هذه المرحلة بصورة نهائية ما إذا كانت ألمانيا مسؤولة عن انتهاكات مزعومة وإنما تنظر أولا في ما إذا كانت القضية تستوفي الشروط القانونية التي تسمح بالانتقال إلى بحث موضوعها وتحاول ألمانيا من خلال اعتراضاتها إنهاء القضية قبل الوصول إلى مرحلة النظر في جوهر الادعاءات المتعلقة بالدعم العسكري لإسرائيل وبحسب الجدول الذي أعلنته المحكمة ستقدم ألمانيا مرافعتها الأولى في 7 سبتمبر ثم تقدم مرافعتها الثانية في 9 سبتمبر بينما ترد نيكاراغوا في 8 سبتمبر ثم تقدم مرافعتها الختامية في 10 سبتمبر ويعني ذلك أن جلسات هذا الأسبوع تمثل مرحلة إجرائية حاسمة لكنها لا تشكل حكما نهائيا بشأن المسؤولية الألمانية
تكمن الأهمية الحقيقية للقضية في أنها تنقل النقاش حول حرب غزة من مسؤولية الطرف الذي ينفذ العمليات العسكرية إلى مسؤولية الدول التي توفر له وسائل الاستمرار في الحرب فالقانون الدولي لا يفرض على الدول التزامات تتعلق بسلوكها المباشر فقط بل يضع عليها أيضا واجبات تتصل بمنع الجرائم الدولية وعدم المساعدة على ارتكابها عندما تتوافر الشروط القانونية اللازمة ومن هنا يصبح السؤال المركزي أمام المحكمة هو حدود مسؤولية الدولة التي تقدم السلاح عندما تكون هناك مخاطر جدية من استخدام هذا السلاح في انتهاكات للقانون الدولي الإنساني ولا يعني ذلك أن مجرد تصدير السلاح يؤدي تلقائيا إلى قيام المسؤولية الدولية فالمسألة تتطلب تقييما دقيقا لطبيعة الدعم والظروف المحيطة به ومدى معرفة الدولة المصدرة بالمخاطر المرتبطة باستخدامه ومدى ارتباط هذا الدعم بالأفعال محل الاتهام وهذه المسألة تجعل القضية ذات أهمية تتجاوز ألمانيا ونيكاراغوا لأنها قد تؤثر مستقبلا في العلاقة بين سياسات تصدير الأسلحة والالتزامات القانونية للدول
تأتي القضية في وقت تحتل فيه ألمانيا موقعا بارزا بين الدول الأوروبية الداعمة لإسرائيل وترتبط السياسة الألمانية تجاه إسرائيل بعوامل تاريخية وسياسية عميقة جعلت برلين تعتبر أمن إسرائيل جزءا أساسيا من سياستها الخارجية غير أن استمرار الحرب في غزة وما رافقها من دمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين أدى إلى تصاعد النقاش داخل أوروبا حول حدود الدعم العسكري لإسرائيل وبذلك أصبحت ألمانيا أمام معادلة سياسية معقدة تتمثل في الحفاظ على التزاماتها السياسية تجاه إسرائيل من جهة والالتزام بالقواعد الدولية المتعلقة بحماية المدنيين ومنع الجرائم الدولية من جهة أخرى وتزداد حساسية هذه المعادلة لأن ألمانيا تعد من أبرز موردي الأسلحة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة بحسب تقارير حديثة حول التعاون العسكري بين الطرفين
لا تقتصر القضية على الجانب القانوني المتعلق بعلاقة ألمانيا بإسرائيل بل ترتبط بصورة مباشرة بمسألة حماية الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة فالنقاش أمام محكمة العدل الدولية يعيد إلى الواجهة مسؤولية المجتمع الدولي تجاه استمرار الحرب وتجاه الدول التي تقدم الدعم العسكري للأطراف المتحاربة
ومن هذا المنظور تمثل القضية محاولة لنقل ملف غزة من دائرة المواقف السياسية والبيانات الدبلوماسية إلى دائرة المساءلة القانونية الدولية وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للفلسطينيين لأن المسؤولية الدولية لا ينبغي أن تقتصر على الطرف الذي ينفذ العمليات العسكرية وإنما يمكن أن تشمل أيضا الأطراف التي توفر الدعم أو الوسائل التي تسمح باستمرارها إذا ثبت توافر الشروط القانونية لذلك
تأتي دعوى نيكاراغوا ضد ألمانيا ضمن سلسلة من الإجراءات القضائية الدولية المرتبطة بالحرب في غزة وقد سبق لمحكمة العدل الدولية أن نظرت في دعوى رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية كما أصدرت المحكمة خلال مسار تلك القضية مجموعة من التدابير المؤقتة المتعلقة بمنع الأفعال التي تدخل ضمن نطاق الاتفاقية وتحسين الوضع الإنساني في القطاع أما قضية نيكاراغوا ضد ألمانيا فتفتح مسارا مختلفا لأنها تبحث في مسؤولية دولة أخرى بسبب سياستها تجاه طرف في النزاع وهذا الاختلاف يمنح القضية أهمية قانونية خاصة لأنها تطرح حدود المسؤولية غير المباشرة للدول في النزاعات المسلحة
تكشف القضية أيضا عن مفارقة أساسية في النظام الدولي تتمثل في الفجوة بين الالتزامات القانونية المعلنة والمصالح السياسية للدول فالدول الأوروبية تؤكد بصورة مستمرة أهمية القانون الدولي وحقوق الإنسان وحماية المدنيين إلا أن مواقفها تجاه الحرب في غزة أظهرت وجود اختلافات واضحة عندما يتعلق الأمر بتطبيق هذه المبادئ على حلفائها ومن هنا فإن نظر محكمة العدل الدولية في الدعوى ضد ألمانيا يحمل دلالة تتجاوز المسار القضائي نفسه فإذا تمكنت نيكاراغوا من تجاوز الاعتراضات الألمانية والوصول إلى مرحلة بحث جوهر الدعوى فإن ذلك قد يفتح نقاشا دوليا أوسع حول مسؤولية الدول الموردة للأسلحة وعن الحدود التي يجب أن تقف عندها العلاقات العسكرية عندما توجد مخاطر مرتبطة بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي أما إذا نجحت ألمانيا في إسقاط القضية لأسباب تتعلق بالاختصاص أو القبول فإن ذلك سيشكل بدوره مؤشرا مهما على حدود قدرة الدول على استخدام القضاء الدولي لمساءلة دول أخرى عن سياساتها تجاه نزاعات تقع خارج أراضيها
لا تتعلق أهمية جلسات لاهاي الحالية بمصير الدعوى بين دولتين فقط وإنما بالسؤال الذي تضعه أمام النظام الدولي بأكمله وهو إلى أي مدى يمكن تحميل دولة مسؤولية قانونية عندما تقدم دعما عسكريا لطرف يخوض حربا تتهم فيها بارتكاب انتهاكات خطيرة وتشير جلسات 7 إلى 10 سبتمبر إلى أن المعركة القانونية ستبدأ أولا حول اختصاص المحكمة وقبول القضية قبل الانتقال المحتمل إلى جوهر الاتهامات وفي جميع الحالات فإن القضية تعكس تصاعد المساعي الدولية لاستخدام المؤسسات القضائية لمساءلة الدول عن مواقفها خلال الحرب على غزة كما أنها تضع السياسة الألمانية تجاه إسرائيل أمام اختبار قانوني وسياسي حساس وتعيد طرح مسألة مسؤولية الدول الداعمة عسكريا للنزاعات المسلحة وبذلك قد تتحول قضية نيكاراغوا ضد ألمانيا إلى محطة مهمة في تطور مفهوم مسؤولية الدولة في القانون الدولي وفي تحديد الحدود القانونية للدعم العسكري عندما تكون حياة المدنيين وحقوق الشعوب معرضة لانتهاكات واسعة النطاق



