لماذا تروج واشنطن لتراجع مخزوناتها من الذخائر الدفاعية؟ وما هي الرسائل التي تريد بعثها؟

إعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 12-08-2026
يروج في هذه الأيام عبر تقارير شبه سرية وتقرير مفتوحة ان الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من تراجع كبير لمخزونها للذخائر الدفاعية، ولا سيما صواريخ الدفاع الجوي والصاروخي والذخائر الهجومية بعيدة المدى، وبحسب هذه التقارير الإعلامية هذا الوضع للذخيرة ناتج على النسبة العالية من استخدامها في الحرب الاخيرة التي بدأت يوم 28 فبراير 2026 على إيران، واستمرار الضغوط التي تواجهها القاعدة الصناعية الأميركية في تعويض ما يُستهلك بالسرعة المطلوبة ولكن اعادتها يتطلب فترة زمانية طويلة.
والسؤال الذي يثير تساؤلات المختصين العسكريين لماذا تعلن الولايات المتحدة الأمريكية عن شبه نفاذ ترسانتها الصروخية الدفاعية وهو موضوع استخباراتي وأمن قومي حسّاس؟
المعروف في الأربعين يوما من الحرب الإيرانية الأمريكية ان الولايات المتحدة قد استعملت فعلا كميات كبيرة من الذخائر المتقدمة، وجاءت الحرب على إيران لتضيف ضغطًا جديدًا على مخزونات كانت تواجه أصلًا تحديات، لكن هذا لا يلغي احتمال أن يكون توقيت الإعلان عنها وطريقة عرضها جزءًا من رسالة استراتيجية سياسية محسوبة من واشنطن فلاشيء يمرّ اعطباطيا.
كما يجب ان نتفطن الى ان الولايات المتحدة تلعب في الميدان الإعلامي بشكل كبير حيث يمكن للمعلومة الواحدة في الولايات المتحدة أن تؤدي وظائف متعددة في آن واحد؛ أن تكون تحذيرًا للكونغرس بشأن الحاجة إلى تمويل إضافي وهو استعداد للمرحلة القادمة للحرب التي ستقودها واشنطن في العالم، وضغطًا على شركات السلاح لرفع الإنتاج، ورسالة إلى الحلفاء بأن قدرة الولايات المتحدة ليست موردًا بلا حدود، وخاصة الرسالة لأكرانيا وليست لإسرائيل طبعا.
والتحليل الأقرب للواقع هو أن الولايات المتحدة الأمريكية توجه هذه الرسالة لحلفائها ولا تقتصر الرسالة على الداخل الأميركي، فالإعلان عن تراجع المخزونات الدفاعية القصيرة المدى والبعيدة يعني مباشرة إعادة النظر في الحسابات والتقديرات بالنسبة للأطراف الأخرى وخاصة بشأن قدرة الولايات المتحدة على إدارة حرب طويلة المدى مكثفة، أو دخول الجيش الأمريكي في أكثر من مواجهة في وقت واحد.
وحسب التقديرات والقراءات الصادرة عن الحلفاء والمعوّلين على الحماية الأمريكية، بعد الإعلان عن نقص حاد في دخيرة الدفاع الامريكي، اصبح إعادة النظر في نوعية التحالف مهم جدا، واصبح على الحلفاء أن يأخذوا في الحسبان أن الدعم الأميركي مهما بلغت قدراته، تحكمه في النهاية حدود مادية تتعلق بالمخزون والإنتاج والقدرة على التعويض. وبالتالي الدول التي كانت تموّل بألاف الميليارات أمريكا من أجل حمايتها أصبح من الضروري إعادة حساباتها وأن تلك الميليارات لا تعني بالضرورة حمايتهم وهي رسالة مضمونة الوصول.
وكذلك الرسالة الأمريكية موجّهة الى الخصوم وعلى رأسهم ايران والصين وروسيا، فأن تظهر واشنطن ان مقدوراتها الدفاعية بدأت في النفاذ وهي تستنزف بشكل لافت فيمكن أن يُقرأ كمؤشرًا على أن الولايات المتحدة ليست قادرة على استخدام قوتها العسكرية بلا سقف وأن القوة الأعظم في العالم لها حدود، وأن استمرار حرب مرتفعة الكثافة قد يفرض عليها خيارات فيها تنازلات لا تليق بها كقوة عسكرية دولية مهيمنة. ومن جانب أخر لا يجب ان يستهان الخصم بما تروج اليه الولايات المتحدة الأمريكية فهي ربما تريد بعث رسالة الى خصومها للإستعداد الى دفع فاتورة الخلاص المكلفة وهذا ليس بغريب على ترامب الذي يهمه سرقة الأموال من الحلفاء والخصوم في نفس الوقت ولا تهمه كثيرا صورة امريكا في العالم.
مع العلم ان الحرب التي خاضتها أمريكا في الستة أشهر الأخيرة لا يمكن أن تكون قد أدخلتها فعلا في عجز دفاعي إذ لا ننسى ان الولايات المتحدة الامريكية لا تعطي ولا تنشر كل تفاصيل ترسانتها العسكرية، ولا حجم الاحتياطات العسكرية الحقيقية التي تحتفظ بها فهو أمن قومي أمريكي ومعلومات عالية الحساسية، ولا كيفية توزيع الذخائر بين مختلف القواعد العسكرية المنشرة في العالم والتي تحاوط كوكب الأرض من أقصاه الى أقصاه.
فنشر معلومات عن تراجع مخزون نوع معين من الصواريخ الدفاعية لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة تقترب من فقدان قدرتها العسكرية كما تصور وتريد الترويج اليه، والإنتباه لمثل هذا التلاعب الأمريكي بنشر المعلومات العسكرية الحساسة يجب ان يقرأ بحذر شديد من الحلفاء والخصوم.
كذلك تكرار مثل هذه المعلومات هو بالأساس استراتجية تصب في مصلحتها بالوقت الراهن لأنه يخلق بيئة سياسية أكثر تقبلًا للقرارات التي تحتاجها المؤسسة العسكرية لمعالجة المشكلة، وخاصة اقتلاع حصة من التمويل من الكنغرس وإيقاع الحليف والخصم في الفخ.
فالترويج الى أن المخزونات تتراجع وتمّ استنزافها، أصبح من السهل على وزارة الحرب تبرير زيادة الإنفاق على الذخائر والسلاح، وكذلك الضغط وتسريع العقود مع شركات السلاح. كما يمنح ذلك المؤسسة العسكرية مساحة أكبر لإعادة ترتيب أولوياتها، خصوصًا في ظل الحاجة إلى الاستعداد لمواجهة طويلة، والمواجهة الأكبر مع الصين على الأراضي الصينية “تايوان”.
وكل هذه التبريرات للحرب على إيران سيعطى لوزارة الحرب الأمريكية التبريرات الكافية وتراجع المخزونات يمهد لمرحلة قادمة في الإستراتجية العسكرية الامريكية وهي إعادة بناء الترسانة العسكرية والتحضر للمعركة الحاسمة مع الخصوم الصاعدة والبقاء على عرش العالم.



