أخبار العالمأنشطة المركزبحوث ودراسات

كلمة دولة الدكتور محمد اشتية: مستقبل العلاقة العربية الصينية والعلاقة الاستراتيجية بين فلسطين والصين في ظل التغيرات الدولية

الرفيق جين شين نائب وزير دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني.

الحضور الكرام!

الدكتورة بدرة، رئيس المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الامنية والعسكرية

شكرا على الاستضافة،وتحية طيبة عطرة أستهل بها هذا اللقاء الذي يجمعنا للحديث عن  مستقبل العلاقات العربية الصينية قي ظل ما يجري من متغيرات عالمية. ان انهيار الاتحاد السوفيتي واخطاء البروسترويكا والغلاسنوست قد عصفت بالاتحاد السوفيتي كدولة عظمى وانهار الاتحاد السوفيتي حيث اعتقد البعض اننا اصبحنا نعيش في عالم القطب الواحد.  وتشكلت دول اقليمية، منها فنزويلا في امريكا اللاتينية ، والعراق في الشرق الاوسط، وايران بعد الثورة، وبقيت روسيا تحاول تجديد موقعها، وارتمت معظم الدول العربية في حضن الولايات المتحدة الامريكية. ولكن الصين حافظت على ذاتها في آسيا ولازالت في حالة صعود على المسرح الدولي وفي علاقاتها مع العالم العربي.    

ويسعدنا ان نرى ان  جمهورية الصين الشعبيةقطعت  خلال العقود الأخيرة، مساراً تنموياً غير مسبوق حوّلها من دولة نامية إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وقوة صناعية وتكنولوجية وعلمية تتصدر مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والبنية التحتية والفضاء. وهذا الصعود الحضاري الهادئ لم يكن قائماً على الهيمنة أو فرض الإرادة، بل على فلسفة التنمية المشتركة والمنفعة المتبادلة، وهو ما جعل من التجربة الصينية نموذجاً يحظى بإعجاب واحترام شعوب العالم أجمع وخاصة شعبنا العربي الصديق للصين .

وفي ظل عالم يعيش تحولات جذرية في موازين القوى،  نريد نحن العرب  نظام متعدد الأقطاب يسعى إلى تجاوز أحادية القطبية والهيمنة، ويقوم على الشراكة والندية واحترام سيادة الدول . نظام مبني علىالتعاون الاقتصادي والتنموي ، ونعتبر ان  مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاونعبارة عن جهد كبير نحو عالم أكثر توازناً واكثر  وعدالة.

ونحن و الصين نؤكد  باستمرار   التزامنا  بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ونريد حل النزاعات الدولية بالحوار والوسائل السلمية، ونرفض المعايير المزدوجة التي تمارسها الولايات المتحدة  وبعض  الدول في  اوروبا تجاه  قضايا العدالة والشرعية الدولية. ان المواقف المبدئية ومنها موقف الصين يمنح   مصداقية واسعة لدىالشعوب، ويجعل منها شريكاً موثوقاً في بناء نظام عالمي أكثر توازناً وإنصافاً، بعيداً عن الاستقطاب والصراع وقريباً من منطق التعاون وتكافؤ الفرص بين الأمم.

اما بخصوص العلاقة العربية الصينية فهي تمتد  بجذورإلى آلاف السنين، حين كان طريق حرير القديم جسراً للتبادل التجاري والثقافي والمعرفي بين الحضارتين العربية والصينية، وهما من أعرق الحضارات الإنسانية وأكثرها إسهاماً في تقدم البشرية. وهذا الإرث الحضاري المشترك يشكل اليوم أساساً متيناً تنهض عليه علاقة صداقة متجددة، لا تقوم على المصالح الآنية فحسب، بل على تقدير متبادل عميق بين ثقافتين عريقتين.

وقد تطورت هذه العلاقة في العصر الحديث لتشمل شراكة استراتيجية شاملة، تتجلى في التعاون الاقتصادي الواسع الذي جعل من الصين أحد أكبر الشركاء التجاريين للدول العربية وفي مشاريع البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا التي تنفذها الشركات الصينية في مختلف الأقطار العربية، وفي إدراج عدد من الدول العربية ضمن مبادرة الحزام والطريق بما يفتح آفاقاً واعدة للاستثمار والتنمية المشتركة.

ولا يقل التعاون الثقافي والحضاري أهمية عن التعاون الاقتصادي، فمنذ سنوات تشهد العلاقات العربية الصينية توسعاً في برامج التبادل الأكاديمي والمنح الدراسية وتعليم اللغتين العربية والصينية، وإقامة معاهد كونفوشيوس في الجامعات العربية، وتنظيم المهرجانات والمعارض الثقافية المشتركة، بما يعزز التقارب بين الشعبين ويرسخ الفهم المتبادل بين حضارتين تحترمان التنوع وتؤمنان بالحوار بديلاً عن صدام الحضارات.

وقد جاء الدور الصيني في تقريب وجهات النظر بين إيران والدول العربية ليؤكد أن الصين لا تكتفي بالشراكة الاقتصادية، بل تسعى لأن تكون طرفاً فاعلاً في ترسيخ الاستقرار والسلام في المنطقة العربية، بما ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة وتنميتها ورخاء شعوبها.

اما بخصوص العلاقة الفلسطينية الصينية فإن هذه العلاقة في القلب من الشراكة العربية الصينية الواسعة  تحتل مكانة خاصة ومتميزة، تُوّجت بزيارة الرئيس محمود عباس أبو مازن إلى جمهورية الصين الشعبية تلبية لدعوة كريمة من الرئيس شي جين بينغ، في الفترة الممتدة بين  13-19/6/2023 حين أعلنت الصين منح فلسطين مكانة الشريك الاستراتيجي. وما ذلك الإعلان إلا رسالة واضحة مفادها أن الصين تقف مع الحق الفلسطيني بثبات لا تتزحزح عنه المصالح ولا تنال منه الضغوط.

وتؤكد الصين مراراً أن علاقتها مع إسرائيل لا يمكن أن تكون على حساب موقفها من عدالة القضية الفلسطينية، وأن دعمها لفلسطين في المحافل الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة سيستمر ويتعزز، بما يخدم هدف إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وكاملة السيادة، وضمان حق العودة للاجئين استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية. ونحن نستذكر بكل التقدير استضافة الصين لحوار الفصائل الفلسطينية في بكين سعياً لتحقيق الوحدة الوطنية وكما نستذكر برنامج النقاط الأربع الذي طرحه الرئيس الصيني لإنهاء الاحتلال والصراع في فلسطين، وهو برنامج يحظى بترحيب فلسطيني وعربي واسع.

أما إمكانيات تطوير هذه العلاقة فهي واسعة ومتعددة المسارات: ففي المجال الاقتصادي تتطلع فلسطين إلى مشاريع استثمارية صينية كبرى في قطاعات التصنيع وتكنولوجيا المعلومات والزراعة والصحة والتعليم والبنية التحتية والكهرباء، وإلى إدراجها فعلياً ضمن مبادرة الحزام والطريق وفتح آفاق التجارة الحرة معها.  

وفي المجالين التعليمي والإنساني، ثمة فرصة واسعة لتوسيع برامج المنح الدراسية والتدريب وتبادل الأفراد والخبرات. أما في المجالات الحساسة كالتكنولوجيا والأمن الغذائي والصحة والذكاء الاصطناعي فإن الشراكة الاستراتيجية التي أعلن عنها الرئيس الصيني تفتح الباب أمام تعاون نوعي يخدم تنمية القدرات الفلسطينية ويواكب أحدث ما وصلت إليه الصين من تقدم علمي وتقني خاصة ان فلسطين غنية بالشباب المتعلم ورأس المال البشري.

وتبقى الغاية الجامعة لكل هذا التعاون هي مساندة الشعب الفلسطيني في نضاله العادل من أجل الحرية والاستقلال، عبر تحقيق حل الدولتين ضمن جدول زمني واضح ترعاه الأمم المتحدة، وهو ما تؤكد الصين استعدادها للعب دور خاص وفاعل من أجل الوصول إليه.

وفي الختاملا يسعنا إلا أن نتقدم بعميق الشكر والتقدير لجمهورية الصين الشعبية الصديقة قيادةً وشعباً، على مكانتها الرائدة في العالم، وعلى صداقتها الراسخة مع الأمة العربية، وعلى كل ما تبذله من أجل السلام والعدالة لفلسطين ولأمتنا العربية والعالم أجمع. وإننا لعلى ثقة بأن مستقبل هذه العلاقة الاستراتيجية، على مستوياتها العالمية والعربية والفلسطينية، سيكون أكثر رسوخاً وازدهاراً، شراكةً تُبنى على التاريخ وتصنع المستقبل.

عاشت الصداقة العربية – الصينية

وعاش نضال الشعب الصيني

وعاشت الروح الرفاقية الكفاحية بين فلسطين والصين وبين حركة فتح والحزب الشيوعي الصيني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق