بداية مرحلة ونهاية أخرى:”الخليج العربي يجب أن يراجع نفسه”

قسم الأخبار الدولية 29/06/2026
مرحلة جديدة تتجاوز مفاهيم الردع التقليدية والتحالفات الثنائية المؤقتة. فالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية لم تعد تهدد دولة بعينها، بل باتت قادرة على التأثير في الأمن الجماعي للمنطقة بأسرها.كما أثبتت الحرب أن أي تصعيد واسع النطاق يمكن أن ينعكس فورا على أسواق الطاقة العالمية، وحركة التجارة الدولية، واستقرار الاقتصادات الوطنية للدول العربية والإقليمية.
مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عبر في العديد من الإجتماعات المنعقدة إلى ضرورة المرور من مرحلة التنسيق السياسي إلى مرحلة التكامل الإستراتيجي الشامل خصوصا وبعد ما كشفت عنه الحرب من ثغرات في منظومة الأمن الإقليمي، فإن الحاجة لم تعد تقتصر على تطوير مجلس التعاون، بل باتت تتطلب التفكير في إنشاء إطار أمني أوسع، أو ما يمكن تسميته بـ”الناتو “، يضم دول الخليج إلى جانب الدول العربية والإقليمية الرئيسية القادرة على الإسهام في حماية الأمن الجماعي.
ولم يعد هذا المشروع خيارا سياسيا أو ترفا إستراتيجيا، بل أصبح ضرورة وجودية تفرضها جغرافيا المخاطر، وتسارع التهديدات العابرة للحدود، والتحولات العميقة في بنية النظام الدولي.
ولعل الدرس الأبرز الذي خرجت به العواصم الإقليمية من هذه المواجهة يتمثل في أن أمن الشرق الأوسط لم يعد قابلا للإدارة عبر سياسات وطنية منفردة أو ترتيبات أمنية مؤقتة، بل أصبح يتطلب منظومة دفاع جماعي أكثر مؤسسية، تقوم على توحيد الرؤية الإستراتيجية، وتكامل القدرات العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية، بما يضمن بناء قوة ردع جماعية قادرة على حماية الإقليم من التهديدات التقليدية وغير التقليدية، وصون استقراره في عالم يتجه باطراد نحو التكتلات والتحالفات الكبرى.
على مدى العقود الماضية، اعتمدت معظم دول المنطقة على مزيج من التحالفات الثنائية مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، إلى جانب بناء قدراتها الدفاعية الوطنية. بيد أن التحولات المتسارعة في النظام الدولي، وتغير أولويات القوى الكبرى، وتزايد التهديدات غير التقليدية، دفعت العديد من صناع القرار إلى إعادة النظر في هذا النموذج.
ففي عالم يشهد تنافسا متصاعدا بين الولايات المتحدة والصين، وانشغالا غربيا بملفات متعددة تمتد من أوكرانيا إلى المحيطين الهندي والهادئ، لم يعد من الواقعي افتراض أن الأمن الإقليمي سيظل مضمونا بالآليات القديمة نفسها. ولذلك بدأت تبرز قناعة متزايدة بأن المنطقة بحاجة إلى شراكة أمنية أكثر تماسكا، قائمة على المصالح المشتركة والقدرات الذاتية، وليس فقط على المظلات الأمنية الخارجية.
في هذا السياق، عاد إلى الواجهة الحديث عن إمكانية بلورة إطار أمني إقليمي جديد، يضم دول مجلس التعاون الخليجي إلى جانب مصر والأردن والعراق، مع احتمالات لانضمام تركيا وباكستان إلى هذا الترتيب في مراحل متقدمة. فكرة “الناتو الشرق أوسطي” ليست جديدة، وقد طُرحت بأشكال مختلفة خلال العقدين الماضيين، إلا أن الظروف الحالية تبدو أكثر نضجا من أي وقت مضى. فالحرب الأخيرة كشفت حجم الترابط بين أمن الدول الإقليمية، وأظهرت أن التهديدات لم تعد محصورة داخل الحدود الوطنية.



