الدول العربية رهينة التحولات في الشرق الأوسط

إعداد ادريس احميد قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 05-05-2026
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، لم يعد المشهد يُقرأ باعتباره مجموعة أزمات منفصلة، بل كعملية إعادة تشكيل شاملة لبنية النظام الإقليمي. فالتوازنات التي حكمت المنطقة لعقود طويلة تتعرض اليوم لتغيرات عميقة، في ظل تراجع الفعل العربي الجماعي، وصعود أدوار إقليمية ودولية أكثر تأثيرًا في صياغة الوقائع.
لم يعد من السهل الحديث عن موقف عربي موحد تجاه القضايا المصيرية، ليس فقط بسبب اختلاف السياسات، بل أيضًا نتيجة تراجع القدرة على إنتاج رؤية استراتيجية مشتركة قادرة على تحويل إدراك المخاطر إلى فعل جماعي مؤثر.
من التضامن إلى منطق الدولة المنفردة
التضامن العربي لم يختفِ كفكرة، لكنه تراجع كأداة سياسية فاعلة. فالدول العربية باتت تدير علاقاتها الخارجية وفق أولويات وطنية مباشرة، تتقدم فيها اعتبارات الأمن والاستقرار والاقتصاد على أي مشروع جماعي واسع.
هذا التحول جاء نتيجة تراكمات طويلة، من بينها الأزمات الداخلية في عدد من الدول، وتراجع مؤسسات العمل العربي المشترك، وتزايد تأثير التحالفات الدولية والإقليمية على القرار الوطني.
سوريا: من دولة مواجهة إلى ساحة إعادة تشكل
كانت سوريا تُصنف لعقود ضمن دول المواجهة في الصراع العربي–الإسرائيلي، وارتبط دورها بملف الجولان ورفض التسويات غير المتوازنة. غير أن سنوات الصراع منذ 2011 أعادت تشكيل بنيتها الداخلية، وأدت إلى تعدد مراكز النفوذ وتراجع المركزية السياسية.
وأصبحت سوريا اليوم في مرحلة إعادة بناء معقدة، تتداخل فيها العوامل الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية، ما انعكس على موقعها التقليدي في معادلات المنطقة.
العراق: بين تداعيات التحول وإعادة بناء الدور
أما العراق، فما يزال يعيش تداعيات مرحلة ما بعد 2003، حيث أعادت التحولات السياسية إعادة تشكيل بنية الدولة، في ظل تأثيرات داخلية وخارجية متداخلة.
ورغم محاولات الاستقرار، لا يزال العراق في مرحلة إعادة توازن طويلة، تجعل استعادة دوره الإقليمي مرهونة بتعزيز الاستقرار المؤسسي والسياسي.
فلسطين: مركزية القضية وتراجع أدوات التأثير
تبقى القضية الفلسطينية في قلب الوجدان العربي، لكنها تواجه واقعًا شديد التعقيد. فمسار التسوية الذي عُرف بعملية السلام لم يعد يحقق نتائج ملموسة، نتيجة تراكم سنوات من التعثر، واتساع الفجوة بين المسار التفاوضي والواقع الميداني.
ومع استمرار الجمود وغياب موقف عربي موحد وفاعل، أصبحت القضية أكثر عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية، ما زاد من تعقيد مسارها وأضعف أدوات التأثير عليها.
وفي هذا السياق، يُعد دعم إيران لفصائل المقاومة الفلسطينية أحد عناصر المشهد الإقليمي ضمن مقاربة سياسية واستراتيجية أوسع.
لبنان: أزمة بنيوية مستمرة
يمثل لبنان نموذجًا لدولة تعيش أزمة مركبة، تتداخل فيها الانقسامات السياسية مع التحديات الاقتصادية والمالية، في ظل نظام سياسي يعاني من هشاشة مزمنة تؤثر على استقرار الدولة وقدرتها على إدارة أزماتها.
امتداد الأزمات وتباين المواقف العربية
ولا يعني تركز الأزمات في عدد من الدول أن بقية الدول العربية في منأى عن تداعيات المشهد الإقليمي. فـالعراق لا يزال غارقًا في تعقيداته الداخلية، بينما تبقى مصر دولة محورية في التوازنات الإقليمية، تواجه تحديات متعددة وتلعب دورًا مهمًا في محيطها العربي.
وفي شمال إفريقيا، تعيش الجزائر وليبيا وتونس أوضاعًا داخلية متفاوتة بين الاستقرار والتحديات الاقتصادية والسياسية. أما المغرب، فيتبنى مقاربة خاصة في سياسته الخارجية تقوم على تنويع الشراكات وتوازن العلاقات الدولية.
وفي المقابل، تعتمد دول الخليج مقاربات ترتبط بالتحالفات الدولية، خصوصًا مع الولايات المتحدة، إلى جانب إدراكها لمجموعة من التحديات الإقليمية المتداخلة.
بين إسرائيل وإيران: صراع نفوذ في إقليم متغير
في قلب المشهد الإقليمي، يتجلى صراع النفوذ بين إسرائيل وإيران كأحد أبرز عناصر إعادة تشكيل التوازنات. فإسرائيل تتحرك ضمن مقاربة تهدف إلى تثبيت وقائع سياسية وأمنية جديدة، مستفيدة من حالة الانقسام العربي وتراجع الفعل الجماعي.
في المقابل، تتحرك إيران ضمن مقاربة تقوم على توسيع النفوذ الإقليمي وتعزيز حضورها في عدد من الساحات، ما يجعلها طرفًا مؤثرًا في توازنات المنطقة، ضمن قراءات متعددة لدورها وأثره على الإقليم.
غير أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن فقط في طبيعة هذه الأدوار، بل في غياب مشروع عربي موحد قادر على صياغة بديل استراتيجي مستقل يمنع تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ.
النظام الإقليمي الجديد: من وحدة الفعل إلى تشظي القرار
يعكس المشهد الإقليمي تحولات عميقة في بنية النظام نفسه، حيث:
تعددت مراكز القوة
وتراجع الفعل العربي الجماعي
وصعدت التفاعلات الثنائية
وتداخلت الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية
وفي هذا الإطار، لم تعد المنطقة تُدار بمنطق مشروع عربي موحد، بل بمنطق إدارة أزمات متفرقة داخل نظام إقليمي شديد التشظي.
الخلاصة
إن غياب موقف عربي موحد لا يعني نهاية الفكرة، لكنه يعكس تراجع فاعليتها الجماعية في ظل نظام دولي وإقليمي أكثر تعقيدًا وتشظيًا، يجعل الفعل العربي رهينًا لتوازنات متغيرة أكثر من كونه قوة مبادرة.
وفي ظل استمرار التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، تبقى الدول العربية في موقع المتأثر أكثر من الفاعل، ما يطرح سؤالًا مفتوحًا حول مستقبل قدرتها على التحول من حالة “الرهينة” إلى حالة “صناعة القرار” في الإقليم.



