أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

أجواء مغلقة وقواعد محضورة والحرب ليست حربنا: الإتحاد الأوروبي يتمرد ضد أمريكا رفضا لحرب ترمب “المتهورة” ضد إيران …

رغم مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حلفاءه الأوروبيين بالمشاركة في الحرب ضد إيران أو على الأقل توفير قواعد وممرات جوية، فإن معظم العواصم الأوروبية أعلنت أنها “ليست حربنا”، رافضة طلب واشنطن ومكتفية بإدانة العنف ودعوات التهدئة.

منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تزايد الشرخ بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة تهدد بانفصال حقيقي. ومن ضمن النتائج المترتبة عن هذا التوتر ارتفاع شعبية رؤساء الدول والحكومات الذين يواجهون حرب ترامب وإسرائيل ضد إيران، وانتقل الأمر إلى مواجهة شخصية كما يحدث بين ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون.

لعلّ من أبرز العناوين المثيرة في هذه الحرب أنّه، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، أقدمت واشنطن، إلى جانب إسرائيل، على شنّ هجوم ضد إيران دون إبلاغ حلفائها الأوروبيين، الذين علموا بالأمر عبر نشرات الأخبار. وهو أمر غير مسبوق تمامًا. وتؤكد مصادر عسكرية واستخباراتية أوروبية أنّه جرت العادة أن تُبلَّغ الدول الكبرى بأي عملية عسكرية أمريكية في أيّ مكان من العالم قبل ساعات من تنفيذها، بل أحيانًا قبل أيام. وتوضح هذه الجهات أنّ عملية الإخطار تخضع لاعتبارين رئيسيين:
أولهما أنّ البنتاغون يعتمد في عملياته على دعم لوجستي، مثل استخدام القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا أو في مناطق تابعة لدول أوروبية ما وراء البحار، كما هو الحال في قاعدة دييغو غارسيا البريطانية في المحيط الهندي. فعلى الرغم من رفض بعض الدول المشاركة في عمليات عسكرية معينة، كما حدث مع فرنسا وألمانيا خلال حرب العراق سنة 2003، فإنها غالبًا ما تقدّم تسهيلات، ولو في حدّها الأدنى، للجيش الأمريكي. ويبقى عدم إخبار الدول الحليفة هو تجاوز أعراف ملزمة بحكم انتماء كل الدول الغربية إلى منظمة شمال الحلف الأطلسي. أما الاعتبار الثاني، فيتمثل في أن أي حرب في الشرق الأوسط قد تفضي إلى عمليات إرهابية، نظرًا لحضور العامل الديني في هذه المواجهات، وهو ما قد يؤدي إلى ردود فعل انتقامية تندرج ضمن أعمال الإرهاب. ولذلك، عندما يعمل صناع القرار بحرب ما، تعطى الأوامر إلى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية إلى رفع مستوى اليقظة والاستعداد.
من جانب آخر، ترفض الدول الأوروبية الدخول في مغامرة عسكرية ضد دولة بحجم إيران، في وقت لم يُغلق فيه بعد ملف أوكرانيا. ولم تقبل الدول الأوروبية، وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بسياسة ترامب التي يُحابي فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لاسيما بعد محاولة دونالد ترامب فرض إيجاد حل للحرب من خلال إجبار كييف وأوروبا على قبول التنازل لموسكو عن المناطق الشرقية من أوكرانيا، وهي الأقاليم التي تدخل ضمن دونباس.
وترفض الدول الأوروبية دخول الحرب لأسباب عسكرية واقتصادية. وعلى الصعيد العسكري، تتخوف أوروبا من احتمال اندلاع حرب ضد روسيا بحلول سنة 2030، وترى أن ما ينبغي التركيز عليه حاليًا هو بناء أنظمة الدفاع على مستوى القارة، والتحول إلى قوة ردع حقيقية في مواجهة أي تهديد عسكري قادم من الكرملين. لقد فقدت أوروبا الكثير من صواريخ أنظمة الدفاع بسبب تزويد أوكرانيا بالسلاح طيلة الأربع سنوات الماضية، أي منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022 من جهة، ومن خلال المشاركة في الدفاع عن إسرائيل خلال حرب غزة وخاصة في حرب حزيران بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران من جهة أخرى. ويحدث هذا في وقت يهدد فيه الرئيس دونالد ترامب بمراجعة حقيقية لدور الولايات المتحدة في الحلف الأطلسي، وذلك بالانسحاب منه ويتحجج بأن الأوروبيين أعضاء غير أوفياء لواشنطن في هذه الحرب. وعلقت جريدة «الباييس» في افتتاحيتها يوم الجمعة من الأسبوع الجاري على هذا الموقف التهديدي بـ «هذا التعليق من ترامب بحد ذاته دليل على المدى الذي وصلت إليه الدولة التي بنت البنية الدبلوماسية والعسكرية والتجارية للغرب، لتصبح اليوم العامل الرئيسي المزعزع للاستقرار». وكان انتقاد الرئيس ماكرون لترامب بليغا الجمعة عند تعليقه على ما تصفه الصحافة بشطحات تصريحات الرئيس الأمريكي كل يوم أن «هذا ليس استعراضا. نحن نتحدث عن الحرب والسلام وحياة الرجال والنساء. يجب أن نتحلى بالجدية وألا نقول اليوم عكس ما قلناه بالأمس»، وتابع ماكرون «الكلام كثير، والأمور تتجه في كل اتجاه. نحن جميعًا بحاجة إلى الاستقرار والهدوء والعودة إلى السلام، فهذا ليس عرضًا مسرحيًا!». وكان أكثر قساوة عندما رد على سخرية ترامب من زوجة ماكرون، حيث قال الرئيس الفرنسي «كلام غير أنيق وليس في المستوى».
وترجمت بعض الدول الأوروبية موقفها الرافض للحرب ولعنجهية ترامب إلى إجراء عسكري واضح وهو منع الطائرات الأمريكية من المرور من أجوائها. وتزعمت إسبانيا هذه المبادرة حيث كان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز قاسيا في تصريحاته ضد الحرب ومنع استعمال القواعد الأمريكية-الإسبانية في الحرب، ولاحقا نهجت كل من فرنسا والنمسا وإيطاليا الموقف نفسه. ويعد الموقف الإيطالي مدهشا بحكم أن رئيسة الحكومة ميلوني من أنصار ترامب. ويرتكز الموقف الأوروبي على أن الولايات المتحدة ورطت أوروبا عسكريا في حرب العراق سنة 2003 على أسس كاذبة، وهو الادعاء بوجود أسلحة نووية لدى نظام صدام حسين، وتبين لاحقا الكذب المتعمد لشن الحرب. وصرح أكثر من زعيم أن الحرب تعني هجرة مئات الآلاف الذين على أوروبا استقبالهم.
وسياسيا، تجد الدول الأوروبية في هذه الحرب مناسبة لتقليل دور اليمين القومي المتطرف الذي تدعمه الإدارة الأمريكية الجديدة بمبرر أنه الوحيد القادرة على الحفاظ على نقاء «القارة الأوروبية أمام ما يتم وصفه بالغزو الإسلامي وغزو العالم الثالث». وجاء في وثيقة الأمن القومي الأمريكي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أن أوروبا قد تفقد صفتها الحضارية الغربية المسيحية في ظرف عشرين سنة إذا استمرت الهجرة من الجنوب على هذا الإيقاع. وتعتبر الأحزاب القومية المتطرفة ترامب المثال الذي يجب الاحتذاء به. غير أن هذه الحرب جعلت اليمين القومي الأوروبي في موقف حرج لأنه لا يستطيع دعم حرب يعتبرها الرأي العام الأوروبي غير قانونية.
ويعتبر الاقتصاد من العوامل الرئيسية التي دفعت بأوروبا إلى الابتعاد عن الولايات المتحدة في هذه الحرب، واستفادت من درس الحرب الروسية-الأوكرانية. فخلال الحرب الأخيرة، بدأ الأوروبيون يتخلون عن الغاز والنفط الروسي، وتفاجأوا أن الشركات الأمريكية رفعت أسعاره بشكل كبير، ما أثر على النمو الاقتصادي لاسيما في دولة مثل ألمانيا. والآن يتكرر السيناريو، فقد تسبب البيت الأبيض في جعل إيران تغلق مضيق هرمز، وبعدما عجز البنتاغون عن فتحه، كان الجواب «يمكن لأوروبا شراء الطاقة من الولايات المتحدة».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق