أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

الخليج يدفع ثمن الوجود الأميركي

لم تعد الحرب حدثًا يُشاهد على الشاشات من مسافة آمنة. منذ العدوان الأميركي الإسرائيلي الذي استهدف إيران، وما تلاه من ردّ إيراني طال المصالح والقواعد الأميركية في الخليج، دخلت دول الخليج مرحلة جديدة تختبر فيها بشكل مباشر أن تكون ساحة تصعيد، لا مجرد مراقب له.

لسنوات طويلة، بُنيت معادلة الأمن في الخليج على فرضية واضحة: الوجود العسكري الأميركي هو صمام الأمان. فالقواعد، الأساطيل، وأنظمة الدفاع الجوي، كلها عناصر قيل إنها تردع أي تهديد وتحمي الاستقرار. لكن ما جرى أخيرًا كشف جانبًا آخر من المعادلة. فمع أول موجة ردّ إيراني استهدفت المصالح الأميركية في المنطقة، باتت التهديدات التي أطلقتها الجمهورية الإسلامية مراراً للتحذير من المساس بها أمراً واقعًا.

الولايات المتحدة، وفق مؤشرات عديدة، لم تتوقع أن يمتد الرد الإيراني بهذا الشكل إلى الخليج. حيث كانت التقديرات تراهن على احتواء الرد ضمن حدود جغرافية أضيق. لكن طهران، التي اعتبرت نفسها أمام عدوان واسع، نقلت المعركة إلى حيث الوجود الأميركي المباشر. وهنا تحقق السيناريو الذي كانت واشنطن تخشاه؛ استهداف مصالحها في بيئة يفترض أنها الأكثر استقرارًا.

بالنسبة لسكان الخليج، وخصوصًا جيل الشباب، هذه التجربة غير مسبوقة. معظمهم نشأ في بيئة تُسوَّق باعتبارها نموذجًا للاستقرار والرفاه والانفتاح الاقتصادي. الحروب كانت تدور في العراق أو اليمن أو سوريا، بينما بقيت مدن الخليج واجهات استثمارية عالمية. اليوم، يتغير هذا الإحساس بسرعة. فالقلق أصبح جزءًا من الحياة اليومية وبات السؤال هل تتوسع الضربات؟ هل تتأثر البنية التحتية؟ هل تستمر المدارس والشركات بالعمل؟ هذه الأسئلة لم تكن يومًا جزءًا من الوعي الجمعي الخليجي بهذا الشكل المباشر.

هذا التحول النفسي مهم. لأن الخوف، حين يصبح عامًا، يتحول إلى ضغط سياسي. مع كل تصعيد، ترتفع أصوات – ولو قليلة – تتساءل عن جدوى استضافة قواعد عسكرية أجنبية تجعل البلد هدفًا في أي مواجهة إقليمية.

إلى جانب البعد الأمني، برزت هشاشة النموذج الاقتصادي الخليجي في مواجهة الصدمات العسكرية. خلال أيام قليلة، اهتزت الأسواق، تراجعت الاستثمارات، وتبددت مليارات الدولارات في لحظات. فالمنطقة التي بنت صورتها على أنها “واحة استقرار” اكتشفت أن سمعتها الاستثمارية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بصورة الأمن -الذي لم يؤمنه الأميركي-. وأي خلل في هذه الصورة ينعكس فورًا على حركة الأموال، وأسعار التأمين، وثقة المستثمرين.

الأرض التي بدت لسنوات بعيدة عن النيران، ظهرت هشاشتها حين اقتربت الضربات من محيط القواعد والمنشآت الحيوية.

في المقابل، تتصاعد داخل الولايات المتحدة نفسها دعوات لإعادة تقييم الانخراط العسكري. مع كل ضربة تستهدف قواعدها في الخليج وما يحمله ذلك من كلفة بشرية ومالية وسياسية. وهنا يتقاطع الضغط الداخلي الأميركي مع القلق الخليجي.

الحرب ما زالت في بدايتها، ومسارها لا يزال مفتوحًا على احتمالات عدة. لكن ما تغير بالفعل هو شعور سكان الخليج ونمط الحرب غير المعتاد. فهل فعلاً كانت الولايات المتحدة تؤمن الحماية لدول الخليج أم أنها أوراق كانت مؤجلة وحان الآن وقت استخدامها.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق