سورية: حين تتحول الفاشية إلى طريقة حياة… كيف نواجهها؟

اعداد الدكتور بسام أبو عبد الله قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 30-04-2026
ليست المشكلة في أن السوريين خائفون، بل في أن الخوف بدأ يتحول إلى قناعة، والقناعة إلى خطاب، والخطاب إلى تبرير مفتوح لانهيار ما تبقى من فكرة الوطن. أخطر ما نسمعه اليوم ليس صوت الرصاص، بل الجملة التي تتردد همساً وعلناً: “لم نعد نريد هذا البلد”.
مدخلي إلى هذا المقال كان تعليقاً صريحاً وصادماً كتبه لي أحد الأصدقاء، لخّص فيه شعوراً متنامياً لدى شريحة من السوريين، مفاده أن “سورية التي عرفناها انتهت”، وأن ما يجري اليوم هو حالة عداء وجودي بين مكونات المجتمع، لدرجة أن البعض لم يعد يرى حلاً سوى الانكفاء إلى “بقعة آمنة” مهما كانت صغيرة. هذا الكلام، رغم قسوته وتعميمه، لا يمكن التعامل معه باستخفاف، لأنه يعكس حالة نفسية واجتماعية تتشكل تحت ضغط الخوف وفقدان الثقة.
أولا”- لا يمكن فهم هذا المزاج دون الاعتراف بحجم الألم الحقيقي. ما جرى في الساحل والسويداء، وما يُروى عن اقتحام البيوت، والقتل على الهوية، وحالات القتل الفردي في الشوارع، ليس مجرد أحداث عابرة، بل تجارب صادمة تركت أثراً نفسياً عميقاً لدى فئات واسعة من السوريين. هذه التجارب خلقت شعوراً بأن الخطر ليس سياسياً فقط، بل وجودي، وأن الإنسان قد يُقتل فقط لأنه ينتمي لهوية معينة. هنا تبدأ العقدة: حين يتحول الجار المحتمل إلى تهديد محتمل.
ثانيا” – هذا الخوف لم يبقَ محصوراً في فئات بعينها. حتى بين السنّة الذين لا ينتمون لأي خطاب متطرف، ولم يشاركوا في العنف، يتزايد الشعور بأنهم أيضاً مستهدفون—ليس بالذبح الجماعي، بل بالاعتداء على الممتلكات، والضغط، وتآكل الشعور بالأمان. هذا التمدد في دائرة القلق يعكس حقيقة أن العنف، عندما يُشرعن، لا يبقى محصوراً في اتجاه واحد، بل يتحول إلى حالة عامة تلتهم الجميع تدريجياً.
ثالثا” – العتب الأكبر لا يتعلق فقط بمن ارتكب الجرائم، بل بمن صمت عنها. الصمت في لحظات المجازر ليس حياداً، بل يُقرأ كنوع من القبول أو التواطؤ. كثيرون ممن لم يشاركوا في العنف، لم يرفعوا صوتهم ضده أيضاً، إما خوفاً، أو تبريراً، أو انحيازاً ضمنياً. هذا الصمت هو ما عمّق الشعور لدى الضحايا بأنهم تُركوا وحدهم، وأن العدالة ليست فقط غائبة، بل غير مرغوب بها من قبل جزء من المجتمع.
رابعا” – يبرز هنا خطاب التبرير، وهو أخطر من الجريمة نفسها على المدى الطويل. بعض مؤيدي السلطة الحالية يبررون ما يحدث بالعودة إلى ما تعرضت له فئات من السوريين خلال سنوات النظام السابق، خاصة تحت عنوان “المظلومية السنية”.
هذا الطرح يتجاهل حقيقتين أساسيتين:
الأولى، أن ضحايا الماضي لا يتحولون تلقائياً إلى جلادين شرعيين في الحاضر.
والثانية، أن الجرائم التي ارتُكبت تحت أي عنوان—بما فيها المظلومية—تبقى جرائم، ولا يمكن استخدامها كرصيد أخلاقي لتبرير انتهاكات جديدة.
خامسا” – لا يمكن إغفال الدور المباشر الذي تلعبه السلطة القائمة في تعميق هذا الشعور. فبدلاً من أن تكون الدولة مظلة جامعة، تحوّلت ممارساتها—في نظر كثيرين—إلى عامل تغذية للخوف والانقسام. من خلال سياسات يُنظر إليها على أنها ذات طابع تمييزي، واستخدام اسم الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية في عمليات قمع أو قتل، وغياب العدالة والمساءلة، يتعزز الاعتقاد بأن الدولة لم تعد حكماً بين مواطنيها، بل طرفاً في الصراع.
كما أن ابتلاع الجماعات الجهادية لمؤسسات الدولة، بدلاً من العكس، خلق حالة التباس خطيرة بين “الدولة” و”الجماعة”، حيث تغلب معايير الولاء على الكفاءة، وتُفكك مؤسسات قائمة تحت عنوان “محاربة الفلول”، ليُعاد تشكيلها وفق اعتبارات أيديولوجية. يضاف إلى ذلك ازدواجية الخطاب: لغة منمقة تُقدَّم للخارج حول الاستقرار والانفتاح، مقابل ممارسات داخلية تناقضها، الأمر الذي يفاقم فقدان الثقة، داخلياً وخارجياً.
سادسا” – المفارقة أن هذه البنية تحمل في داخلها بذور تناقضها. فالجماعات التي تُبنى على الإقصاء والتشدد غالباً ما تعاني من صراعات داخلية، واختلافات في الرؤى والمصالح، ما يجعلها غير مستقرة بطبيعتها. هذه التناقضات لا تعني بالضرورة نهاية قريبة، لكنها تشير إلى أن النموذج القائم ليس قابلاً للاستمرار دون كلفة متزايدة على المجتمع والدولة معاً.
سابعا” – تكمن الخطورة في أن هذا التراكم من الألم، والصمت، والتبرير، والممارسات الرسمية، بدأ يدفع بعض السوريين إلى القبول بأفكار كانت مرفوضة تماماً في السابق : التقسيم، الانعزال، البحث عن “10% من الأرض نعيش فيها بأمان”. هذه ليست حلولاً، بل تعبير عن انهيار الثقة الكامل. حين يصل الإنسان إلى هذه النقطة، فهو لا يبحث عن وطن، بل عن ملاذ .
ثامناً – هنا لا يعود الحديث نظرياً أو تحليلياً فقط، بل يتجسد في أصوات حقيقية تعبّر عن هذا الانكسار. تكتب إحدى السوريات، في تعبير صادم عن هذا التحول:
“لم أعد أستطيع سماع أغنية سورية، ولا مشاهدة مسلسل سوري، ولا احتمال تلك العاطفة التي تُباع باسم الوطن”.
سوريا لم تسقط فقط كدولة، بل سقطت في داخلي كفكرة، كخيال، كحنين. لم يعد الانفصال الوجداني ترفاً، بل صار دفاعاً نفسياً… أريد فقط أن أسحب قلبي من خرائطها، وأن أستعيد نفسي من هذا الاسم: سوريا.”
هذه الشهادة، على قسوتها، لا يمكن اختزالها بوصفها موقفاً فردياً أو مبالغة عاطفية. إنها تعبير مكثف عن حالة “انسحاب نفسي جماعي” تتشكل بصمت، حيث يتحول الوطن من مساحة انتماء إلى مصدر تهديد، ومن ذاكرة جامعة إلى عبء نفسي. الأخطر في هذا التحول أنه لا يُنتج فقط كراهية للآخر، بل قطيعة مع فكرة “النحن” نفسها.
تاسعا” – رغم كل ذلك، فإن اختزال المجتمع السوري في صورة “أغلبية تريد ذبح أقلية” هو انزلاق خطير نحو نفس المنطق الذي غذّى العنف أصلاً. هذا التعميم لا يصف الواقع بقدر ما يعيد إنتاجه، لأنه يبرر بدوره الخوف، والانغلاق، وربما العنف المضاد. الحقيقة الأكثر تعقيداً هي أن هناك قلة فاشية تمارس العنف أو تبرره، وأغلبية صامتة، وخائفة، وممزقة، لا تعرف كيف تعبر عن رفضها أو تدافع عن نفسها.
عاشرا” – في هذا السياق، لا تبدو سورية مغدورة فقط بوصفها ساحة صراع، بل بوصفها نمط حياة يُعاد تفكيكه بشكل منهجي. فالمسألة لم تعد تتعلق بجغرافيا تتنازعها القوى، بل بمجتمع يُعاد تشكيله وفق قواعد الخوف، والعزل، وانعدام الثقة.
ما يُمارَس اليوم من استفراد بكل مكوّن على حدة—عبر استهدافات متفرقة، وخطابات متمايزة، وتغذية هواجس متبادلة—ليس صدفة، بل ينسجم مع إحدى الآليات المعروفة في بنى الفاشية: تفكيك الكتلة الاجتماعية إلى وحدات خائفة، يسهل التحكم بها، وتُمنع من بناء تضامن عابر للهويات الضيقة.
بهذا المعنى، لا يكون تدمير سورية حدثاً آنياً، بل مساراً يطال بنيتها العميقة كفضاء عيش مشترك. فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في العنف المباشر، بل في إعادة تعريف العلاقات بين السوريين على أساس الشك والقطيعة، بدلاً من التاريخ الطويل الذي—رغم كل عثراته—لم يعرف هذا النمط الشامل من التنظيم القائم على القتل، والإقصاء المنهجي.
حادي عشر – من هنا، فإن الرد على هذا المسار لا يمكن أن يكون بالانعزال أو البحث عن “جزر آمنة”، لأن ذلك ينسجم موضوعياً مع منطق التفكيك نفسه. المواجهة الفعلية تبدأ بإعادة الاعتبار لسورية كفكرة حياة مشتركة، لا كشعار عاطفي، بل كضرورة اجتماعية وسياسية: عبر استعادة الروابط بين المكونات، وبناء مساحات ثقة تدريجية، والتمسك بمعايير جامعة تتجاوز الانتماءات الضيقة. فالحلول العاطفية، رغم صدقها الإنساني، لا توقف هذا المسار؛ وحدها المقاربات العقلانية، القائمة على فهم آليات التفكيك ومواجهتها، يمكن أن تفتح أفقاً مختلفاً.
ثاني عشر – إذا كانت “الفاشية الجديدة” لا تُعرَّف بأسماء أو أنظمة بقدر ما تُعرَّف بالممارسات، فإن أخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط من يمارسها، بل القابلية المجتمعية لاعتيادها ، حين يصبح الخوف قاعدة، والانقسام أمراً طبيعياً، وتبرير العنف لغة مقبولة، نكون قد دخلنا فعلياً في طور إعادة تشكيل الإنسان ما قبل الدولة.
ثالث عشر – في هذا السياق، يكتسب تحليل أمبرتو إيكو (1932–2016) أهمية خاصة . فقد عايش في طفولته صعود الفاشية في إيطاليا، وكرّس جزءاً مهماً من عمله لتحليل بنيتها الفكرية. وفي عام 1995، ألقى محاضرة في جامعة كولومبيا نُشرت لاحقاً تحت عنوان Ur-Fascism (الفاشية الأزلية)، قدّم فيها تصوراً للفاشية بوصفها “قالباً مفتوحاً” يمكن أن يتخذ أشكالاً متعددة، بما فيها الأشكال التي تتخفى خلف خطاب ديني.
يبيّن إيكو أن الفاشية لا تبدأ كعنف شامل فقط، بل كتحول تدريجي في الوعي: تقديس للهوية، خوف من الاختلاف، تحويل الإحباط إلى كراهية منظمة، واستخدام الدين أو التراث كأداة تعبئة وإقصاء ، و بهذا المعنى، فإن ما نواجهه اليوم لا يخرج عن هذا النموذج، بل يعكس أحد أكثر تجلياته قسوة، حيث يُعاد تعريف العنف كفعل مشروع، ويُقدَّم الإقصاء باعتباره ضرورة.
والأهم أن إيكو يقدّم مفاتيح واضحة للمواجهة، يمكن قراءتها في سياقنا الراهن:
أولها: رفض اللغة التي تبرر العنف، وكشف خطاب الكراهية بوصفه مدخلاً للفعل لا مجرد رأي.
ثانيها: الدفاع الصارم عن التعددية، باعتبارها شرط بقاء المجتمع .
ثالثها: إعادة الاعتبار للعقل النقدي، في مواجهة دعوات الطاعة العمياء التي تُفرغ الإنسان من مسؤوليته الأخلاقية.
رابعها: الفصل بين الدين بوصفه منظومة قيم روحية وأخلاقية، وبين استخدامه كأداة للهيمنة والإقصاء، وهو ما يشكل جوهر مواجهة الفاشية حين تتخذ شكلاً دينياً.
ما شهده السوريون من خوف متراكم، وصمت، وخطابات تبرير، ليس مجرد نتائج للصراع، بل هو التربة التي تنمو فيها هذه الفاشية الجديدة كممارسة يومية. إنها لا تفرض نفسها بالقوة فقط، بل تتسلل عبر اعتيادها، وعبر قبولها الضمني، وعبر تآكل الحس الأخلاقي الجمعي.
سورية، في هذه اللحظة، لا تُختبر فقط كدولة، بل كفكرة حياة ، فإما أن تختزل إلى جغرافيا مفككة يحكمها الخوف ، أو يعاد بناؤها كفضاء إنساني قائم على العدالة والثقة . هذه ليست معركة شعارات، ولامجال لحلول عاطفية، بل اختبار لقدرة المجتمع على استعادة المعنى الأخلاقي للعيش معا”.
المعركة الحقيقية ليست بين مكونات، بل بين نموذجين:
نموذج يُطبع الشر ويجعله عادياً، وآخر يقاوم هذا التطبيع بإعادة الاعتبار للإنسان كقيمة عليا. وبين هذين الخيارين، لا يُحسم فقط شكل الدولة، بل معنى أن تبقى سورية وطناً، هذه هي المعركة الحقيقية، وهي مفتوحة لكل السوريين حتى إسقاط هذه الفاشية.



