أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

تطوير التصنيع العسكري الخليجي كضرورة استراتيجية

      تقاس قوة الجيوش ليس فقط بما تمتلكه من حجم أسلحة ومدى تقدمها أو تطورها، بل بحجم إنتاجها من السلاح، لذا يتصدر الجيش الأمريكي القائمة العالمية بسبب حجم الإنفاق على التسليح الذي يناهز التريليون دولار سنويا، والجيش الروسي في المركز الثاني بفضل الإنفاق الضخم على التسليح، متفوق على الجيش الصيني (المركز الثالث) الذي يملك أسلحة أكثر تطوراً. ويتبدى ذلك بصورة أكثر وضوحاً من القوة العسكرية الأوروبية الضعيفة بسبب افتقارها لمقومات التصنيع العسكري، وتعتمد بصورة كبيرة على السلاح الخارجي خاصة الأمريكي، ومتعثرة تماما في حلم تأسيس الجيش الأوروبي الموحد والاستقلالية الاستراتيجية عن الناتو.

          على الرغم من افتقار دول مجلس التعاون لبنية تصنيع عسكري كبيرة، بيد أن السعودية والإمارات تحديداً قد بدأت منذ عقد في مشاريع وطنية خالصة للتصنيع العسكري تتركز في المسيرات ومكونات الدفاع المتطورة والمنصات والرادارات، والمركبات أيضا. وقد أسهم ذلك جزئياً في نجاح الدولتين في التصدي لهجمات إيران السافرة المكثفة عليهما؛ لكن في ذات قد كشفت الحرب في مجملها أن تدشين برنامج ضخم لإنتاج الأسلحة لا سيما الاستراتيجية المتطورة أمسى ضرورة استراتيجية لأمن الخليج.

لماذا ضرورة استراتيجية ملحة، وما هي مقومات دول الخليج وفرص نجاحها في ذلك؟

       تتعرض دول المجلس جميعا منذ استقلالها لأعنف وأطول هجمات مسلحة والتي بلغت حتى تاريخه نحو 7 ألاف هجوم مسلح غادر، رغم اعتراض دول المجلس على الحرب وعدم تورطها تماما فيها، لكن يشي ذلك لأمرين أساسيين، أولهما أن أمن دول المجلس تحت تهديد خطير مزمن من جيرانه، والثاني أن تحالفات وأصدقاء دول المجلس-رغم أهميتهم بالقطع- إلا أنهم ليس بمقدورهم تأمين دول المجلس بصورة تامة لا سيما عندما تحاط بجيران مُدلجون، أو استبداديون متهورين لا يعرفون سوى سياسة الأرض المحروقة.

        والشاهد من ذلك، هو حتمية الجاهزية القوية المستمرة لدول المجلس للحروب ومؤمرات المنطقة عامة، والأهم من ذلك هو حتمية الاعتماد على النفس، أو تهيئة الخليج بصورة تدريجية للاعتماد على النفس للوصول إلى الاعتماد التام في المستقبل المنظور، وشريطة تحقيق ذلك هو التصنيع العسكري الضخم المتطور.

          التصنيع العسكري هو خط الدفاع الأول للقوة العسكرية، والجاهزية المستمرة، واستقلالية القرار وعدم رهن القرار السياسي قبل الدفاعي بيد القوى الخارجية الموردة للسلاح، فضلا عن تخفيض نفقات شراء التسليح الباهظة، بل وتحقيق أرباح طائلة من بيع السلاح الوطني. قدمت جيوش دول المجلس ملحمة أسطورية أيهرت وفاجأت بها العالم بعد تصديها لقرابة 98% من هجمات إيران السافرة لمدة ناهزت ال40 يوماً؛ بيد أن معظم الدفاعات الجوية والصواريخ الاعتراضية التي أسقطت تلك الهجمات ليس محلية الصنع ولا عيب في ذلك بالطبع، لكن هذا بالقطع جرس إنذار لدول المجلس بضرورة الإسراع في تصنيع نماذج أكثر تطورا لتلك الدفاعات، والاستباق عشر خطوات للأمام بتصنيع أسلحة دفاعية وهجومية أكثر تطوراً لتقويض ما لدى إيران من صواريخ ومسيرات متقدمة لا سيما الصواريخ الباليستية.

         لكن ما يعزز ذلك هو ما حدث أثناء مدة الهجوم الطويلة، حيث طلبت دول المجلس من عدة دول تزويدها بدفاعات وصواريخ اعتراضية، وما حدث كان صادما، إذ بحسب تقارير وتسريبات، هناك من استجاب على الفور، وهناك من رفض، وهناك من حاول استغلال الفرصة-ومنهم دول تصنف صديقة- لبيع تلك الدفاعات بأسعار مضاعفة.

        في ظل تغير أنماط الحروب والسلاح والتكتيكات العسكرية، أمسى أمام دول المجلس فرصة عظيمة لتصنيع عسكري ضخم وبشكل سريع، إذ باتت التكنولوجيا المتطورة لا سيما الذكاء الاصطناعي تمثل عصب التصنيع العسكري، وكذلك أمست الأسلحة الذكية الخفيفة مثل المسيرات والروبوتات القتالية في صدارة القوة العسكرية للدول، وأولوية الدفاع والهجوم.

               وتمتلك دول المجلس المقومات الأساسية لذلك التصنيع العسكري الحديث الذي يحتاج لأموال ضخمة، وبنية تحتية تكنولوجية فائقة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، إلى جانب قيادات طموحة لديها رؤى تطلعية واسعة، ونجزم أن تلك المقومات ربما تتوفر فقط لدول المجلس والولايات المتحدة والصين في العالم أجمع.

          وبالتالي، نجزم أيضا أن ذلك التصنيع الحديث لا يوفر لدول المجلس الاستقلالية والجاهزية القوة فقط، بل يجلب لها أيضا تريليونات الدولارات سنويا مبيعات تلك الأسلحة المتطورة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق