أخبار العالمبحوث ودراسات

المطلوبون لدى العدالة الدولية بين مطرقة القانون وسندان العدالة

إعداد فاتن جباري باحثة في قسم البحوث والدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية

مراجعة واشراف الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية

يحظىالقضاء الدولي الدائم والعدالة الدولية باهتمام كبير من الباحثين والخبراء المختصين في الشأن الدولي على اختلاف توجهاتهم ومواقفهم، حيث يمثل العنصر الديناميكي السمة البارزة التي تميز الساحة الدولية نظرا لشدة تقلب المناخ السياسي والذي يلعب دورا هاما في صنع المواقف وتوجيه العلاقات الدولية بحسب متغيرات النظام العالمي.

فلقد شكلت التغييرات الجذرية التي عرفها المجتمع الدولي بعد انتهاء الحرب الباردة وتغيير موازين القوى حافزا مهما لتطوير مفهوم العدالة الجنائية الدولية من خلال استحداث آليات جديدة لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان وكذاك الجرائم التي أسفرت عن كوارث ومآس لازالت مستمرة بل أصبحت سمة بارزة من سمات المشهد الإنساني، على اختلاف الشعوب وتنوع الثقافات والأديان في وقت زادت في العولمة من تعميق الفوارق و تشابك المصالح بين الدول.

ولقد حاول المجتمع الدولي تدارك هذه الجرائم البشعة ومنع تكرارها من خلال البحث في كيفية إنشاء هيئات دستورية ومنظمات تتعاون على صياغة مبادئ مشتركة وأجهزة محايدة يجد فيها الضحايا عدالتهم والمجرمون عقوبتهم،فبعد عصبة الأمم والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقع إنشاء مشروع اتفاقية جونيف لسنة 1948 تهدف إلى بعث هيئة قضائية دولية مهمتها تحقيق السلم والأمن الدوليين، إلا أن هذه الأمم قد نجحت حينا وفشلت أحيانا كثيرة،  ذلك أن  المحاكم المؤقتة التي أقيمت عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت جميعها مؤقتة وظرفية أقيمت في أعقاب تلك النزاعات فلم تفلح التجربة الأولى للقضاء المؤقت في معالجة داء الحرب لأنها نشأت لترضي غرور الدول المنتصرة فقط  حيث كان قرار إنشائها قرارا سياسيا لم يستند إلى معايير الاستقلالية والنزاهة في إجراء المحاكمة كما أن جل الانتقادات الموجهة إليه ارتكزت على الفشل في تقديم المجرمين إلى العدالة الأمر الذي تسبب في دورة لا متناهية من العنف والإفلات من الجزاء سواء كانوا سياسيين أو عسكريين أو رؤساء حيث ينعم هؤلاء المجرمون بالحصانة و العفو[1].

وعلى الرغم من نشأة أجهزة حديثة وأهمها محكمة العدل الدولية، لم توجد بعد ردة فعل ناجعة لتعالج بقايا الحرب وتسوية النزاعات من خلال حفظ السلام وتجريم استخدام القوة والكف عن امتلاك الأسلحة المحظورة فضلا عن الحروب الاقتصادية ونزع السلاح وحماية اللاجئين وحقوق الأقليات وعمليات الإغاثة في حالات الكوارث وحماية البيئة وتغيير المناخ والتعاون الدولي زمن انتشار الأوبئة والفيروسات وغيرها من الأزمات التي تنهك العالم الآن.[2]

لقد اجتمع العالم منذ سنة 1998 في مؤتمر الأمم المتحدة المنعقد بروما أين نشأة فكرة جديدة راودت المجتمع الدولي، وهي فكرة إنشاء قضاء دولي جنائي دائم،فكرة ضلت محل خلاف فقهي وسياسي حيث رافق إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة صعوبات.

ورغم المخاوف التي أحاطت ببعض الدول من تشكيل أي مؤسسة دولية جديدة عمل المجتمع الدولي على بذل جهود حثيثة من اللجنة القانونية للأمم المتحدة ولاحقا من اللجنة التحضيرية المكلفة بإنشاء قضاء دولي دائم توج بصدور نظام روما الأساسي.[3]

في الحقيقة لم يكن من الهين ولادة جهاز قضائي دائم طمح العالم إليه سنين عديدة حيث اصطدمت الجهود المبذولة بالعديد من العقبات ومن أهمها وجود اتجاهات عارضت وبشدة فكرة إنشائه فقررت الإحجام عن التصديق على نظامه ومن بينها روسيا والصين وقطر وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل اللتان سارعتا إلى سحب توقيعهما على نظام روما الأساسي وقررتا الانسحاب لتورطها في جرائم  بشعة يعاقب عليها القانون الجزائي الدولي .[4]

نكاد نبلغ عقدين من الزمن قد مضت على نشأة جهاز قضائي دولي دائم لذلك حان الوقت لتقييم عمل هذا الجهاز، لأنه من المواضيع الهامة التي تصح ان تكون محل الكثير من الأبحاث والدراسات العلمية من زوايا ووجهات نظر متنوعة ومختلفة نظرا للتطور المستمر، لذلك فإن البحث في الموضوع لا يمكن أن يكون بالأهمية التي يحظى بها حقيقة إلا متى وقع التعامل معه من وجهة نظر عملية تأخذ بعين الاعتبار مختلف أبعاده القانونية وخصوصياته السياسية وحتى الإعلامية الراهنة بشكل منسجم ذلك أن اغلب الأبحاث التي تناولت الموضوع ركزت على الجانب الموضوعي للنظام الأساسي للمحكمة الدولية واختصاصه وعلاقته بالقضاء الوطني في حين لم تتطرق الى التحديات والعوائق التي تقف أمام نجاعة هذا الجهاز المهدد “بالتسييس” فكان من الضروري الوقوف على ابرز الصعوبات والعوائق التي وقفت بين الجهاز القضائي الدولي والعدالة التي نشأ لأجلها وسبل أو آليات حل النزاعات سواء على مستوى التعاون في المجالات القضائية والأمنية والدبلوماسية في علاقتها بالأجهزة والمؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن الدولي ومدى قدرته على فض النزاعات وفرض السلام أو منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الشرطة الدولية وتعامل الدول فيما بينها في قضايا عديدة كقضايا الشرق الأوسط والنزاعات الإقليمية حول الثروات الإستراتيجية الحروب الاقتصادية نجمت عنها أزمات جعلت العالم يعيش في زمن الأوبئة.[5]

إن أهم ما يميز النظم القضائية الدولية الدائمة عن غيرها من النظم، هو ضبط الكيفية والآلية التي يتم بها الوصول إلى تحقيق الشرعية الدولية في شتى القضايا المعروضة عليها  بما يضمن تحقيق الأمن والسلم،فمن المتعارف عليه أن قواعد القانون الدولي التقليدية كانت تعترف بالحرب كوسيلة مشروعة لفض المنازعات التي تنشأ بين الدول، وقد بذلت المجموعة الدولية جهودا كبيرة لتجريم الحرب الدولية ونبذها كوسيلة لتسوية النزاعات الدولية التي تنشأ بين الدول ولعل أهمّها ماورد بميثاق الأمم المتحدة فيما يتعلق بالأمن الجماعي كوسيلة لحفظ الأمن والسلم الدوليين .[6]

إن لفكرة الأمن الجماعي مظهران يتمثل الأول في تجريم الحرب وحظر الاتجاه إليها كخطر التسلح والصراعات الإقليمية اضطهاد الأقليات والتشرد وغيره، أما المظهر الثاني فيتعلق باتخاذ الإجراءات الجماعية للتصدي للعدوان وعقاب المعتدي من خلال اعتبار أن كل اعتداء على إحدى الدول هو بمثابة الاعتداء على الجماعة الدولية بأسرها حيث أصبحت بعض الدول تعطي لنفسها الحق في تقنين أفعالها وشرعتنها على حساب حقوق الدول الأخرى كالصراع حول الثروات الطبيعية وترسيم الحدود واحتكار النفوذ الاقتصادي .[7]

ولقد اقتضى هذا الأمر ضرورة وجود هيئة قضائية دولية دائمة تتمتع بالسلطة النافذة على جميع الدول،الأفراد والجماعات حول العالم لفض النزاعات وتسويتها، ونتيجة لما سبق يمكننا القول بأن تواصل نزيف الانتهاكات وتصاعد منسوب الجرائم والاعتداءات خصوصا وقد طرأت على العلاقات الدولية تحولات بارزة أمام تسارع الأحداث وتفاقم أثارها هي وجه من وجوه الأزمات التي تعيشها الأنظمة القضائية المعاصرة، وهو ما يدعو إلى صياغة إشكالية البحث على النحو التالي:

إلىأي مدى يمكن للقضاء الجنائي الدولي الدائم تحقيق العدالة في العالم  ؟

  1. اجهزة العدالة الدولية ومحاكمة الضعفاء

كثيرة هي القضايا التي شهدت اختلافا في تعامل مجلس الأمن الدولي أو المحكمة الجنائية الدولية في تعاملاتها خصوصا إزاء الدول الإفريقية التي اعتبرت أن المحكمة لم تعد ملجأ أمنا للضعفاء بقدر ما أصبحت عصا غليظة بيد الدول القوية من خلال التدخل في الشؤون الداخلية للدول بدعوى مكافحة الإرهاب وصيانة الأمن والسلم الدوليين.وغالبا ما تكون غايتها كامنة في تصفية حسابات مع الدول المارقة عن السياسة الأمريكية كنتيجة متوقعة للتأثير السياسي على عمل المحكمة ومجلس الأمن، نتيجة كشفت عن مدى تداخل القضايا القانونية بالمعادلات السياسية .[8]

كشف تاريخ القانون الدولي الجنائي على انه نظام يحاول أن ينظم علاقات بين دول مختلفة في مجالات متنوعة مع استخدام هياكل متباينة وسياسات مختلفة، إلا وان الحماية الدولية الجنائية لحقوق الإنسان في ضل الوضع الدولي الراهن لم تعد مسألة قانونية وإنسانية يجب تطبيقها في كل مكان وزمان على كل مرتكبي الجرائم الدولية، بل أصبح الحديث عن حقوق الإنسان والتدخل الإنساني وجرائم الحرب وملاحقة المجرمين نوعا من التوظيف المصلحي، فالقواعد الدولية تطبق بشكل انتقائي على دول وافراد دون أخرى، وذلك من خلال سعي بعض الدول إلى تعطيل تطبيق هذه القواعد بشكل متساوي، وبالتالي أدى تأثير الاعتبارات السياسية في أداء مهام المحكمة إلى تناول القضايا الدولية وتقديمها تقديما مسيسا كملف العدالة وظلم النظام القضائي الجنائي .[9]

من الناحية الزمنية يتحدد إطار هذه الدراسة في الأنظمة القضائية الدولية الدائمة، وبالتحديد الولاية القضائية العالمية، التي وقع إسنادها بالأساس إلى أجهزة القضاء الدائم وبذلك فهي تتجاوز المحاكم الدولية الجنائية المؤقتة كمحكمة نورمبرغ ومحكمة طوكيو(بمقتضى اتفاق دولي بين الدول الحلفاء الأربعة في خلال الحرب العالمية الثانية)،ومحكمتي رواندا ويوغسلافيا (بمقتضى قرار من مجلس الأمن الدولي) التي تؤرخ معها نشأة القضاء الدولي وهذه المحاكم رغم كونها نشأة ظرفية عقب النزاعات إلا وإنها شكلت حجر الأساس في تشكيل المبادئ الأساسية لنشأة القضاء الدولي الدائم كما هو عليه اليوم .

لفترة ليست بالقصيرة حاول المجتمع الدولي تدارك الجرائم البشعة التي خلفتها الحروب المنتهية اثر الحربين العالميتين ومنع تكرارها،فالشرائع التي وضعتها الأمم كان الغرض منها حماية الإنسان بمنحه قدرا من الأمن والعدل ومعاقبة كل من يخل بهما حيث سعت الدول إلى البحث في كيفية إنشاء هيئات دستورية ومنظمات وطنية ودولية تتعاون على صياغة مبادئ مشتركة وأجهزة محايدة فبعد عصبة الأمم والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقع إنشاء مشروع اتفاقية دولية تهدف إلى بعث هيئة قضائية دولية لملاحقة ومعاقبة كل من يخالف اتفاقية جونيف لسنة1948 إلا أن هذه الأمم قد نجحت حينا وفشلت أحيانا كثيرة.

من هنا مثل القضاء المؤقت النواة الأولى حيث نشأت محاكم دولية مؤقتة وأخرى خاصة في وقت شهد فيه العالم صراعات ونزاعات أريقت فيها الدماء مخلفة عددا كبيرا من القتلى والجرحى وضمن ذلك النساء والشيوخ والأطفال بشكل يصور العالم في أبشع صوره نشأة محاكم جنائية مؤقتة كانت بالنسبة للعالم ضرورة ملحة تمليها حالة الحرب والدمار منها ما أحدث بموجب معاهدات، ومنها ما أحدث بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، فنشأت محاكم ليزبيغ بعد الحرب العالمية الأولى وطوكيو بعد الحرب العالمية الثانية، على أساس اتفاقية موسكو لسنة 1943 ورغم الانتقادات الشديدة كان لهذه المحاكم دورا في وضع مسودة للجرائم المخلة بسلم الإنسانية.

بالرغم من إنشاء عدد من المحاكم الجنائية الدولية خلال فترة ما بعد الحربين العالميتين الأولىوالثانية والتي بلغ عددها 4، إلا أنها كانت جميعها مؤقتة أقيمت في أعقاب النزاعات مما يعكس عدم نجاعتها بالشكل الذي كان مطلوبا، لأنها جسدت عدالة المنتصر فلم تفلح التجربة الأولى للقضاء المؤقت في معالجة الأزمات التي خلفتها الصراعات والنزاعات حيث كان قرار إنشائها قرارا سياسيا اعتمد سياسة الكيل بمكيالين .[10]

وحتى في ضل نشأة أجهزة حديثة لم توجد ردة فعل ناجعة لتعالج بقايا الحرب ذلك أن محكمة العدل الدولية تعالج فقط العلاقات بين الدول وليس الإفراد بما يفتح الباب لهؤلاء إفلاتا من العقاب في عدة أنحاء من العالم كما الأمر في كل من سوريا وفلسطين والعراق وليبيا ولبنان والسودان، واغلب دول القارة الإفريقية والقائمة مازالت تطول.

ولقد اجتمع العالم منذ سنة 1998 في مؤتمر الأمم المتحدة المنعقد بروما أين نشأة فكرة جديدة راودت المجتمع الدولي وهي فكرة إنشاء قضاء جنائي دولي دائم، فكرة ضلت محلّ خلاف فقهي سياسي حيث رافق فكرة إنشائه صعوبات وشيكة ورغم المخاوف التي أحاطت ببعض الدول من تشكيل أي مؤسسة دولية جديدة عمل المجتمع الدولي على بذل جهود حثيثة من اللجنة القانونية للأمم المتحدة ولاحقا من اللجنة التحضيرية المكلفة بإنشاء قضاء جنائي دولي دائم توج بصدور نظام روما الأساسي .

إن في عرض هذا الموضوع وانتشاره ومناقشته يجب ضبطه، كل حين حتى ينتبه العالم إلى ما وصفه الأمين العام للأمم المتحدة سابقا كوفي عنان قائلا :”منحة أمل للأجيال القادمة وخطوة عملاقة باتجاه التقدم في مسيرة حقوق الإنسان العالمية وحكم القانون”.[11]

إن المتأمل في مضمار العدالة في العالم سيكتشف وان أجهزة القضاء الدولي الدائمة تفتقر إلى الاستقلالية مادامت تعمل تحت  قوى ضغط  تتدخل في قراراتها وتؤثر على مواقفها ومنها مجلس الأمن الدولي  بدوله دائمة العضوية ومنظمة الأمم المتحدة وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها نظرا لما تملكه من تفرد سياسي ونفوذ اقتصادي وعسكري يجعلها تحتكم إلى  فرض القوة والهيمنة على الدول التي هي اقل منها.

ولعل من بين أهم الأسانيد التي ترتكز عليها أسباب الرفض:

  1. التضارب الحاصل بين المبادئ التي تعتمدها أجهزة القضاء الدولي الدائم مع المنظومات الداخلية ومصالح الدول بل الأكثر من ذلك التخوف من انتهاك سيادتها الداخلية واختصاصها الجزائي الإقليمي وتهديد مواطنيها وسبب امتيازاتها والتحكم في سياستها واقتصادها والعبث بأمنها وثرواتها الإستراتيجية حتى تكون تحت إمرة من له مصلحة في ذلك.
  2. تعارض إنشاء القضاء الدولي الدائم مع مبدأ سيادة الدول على إقليمها ومواطنيها نظرا لتعارضه مع الاختصاص الإقليمي لهذه الدول المعارضة خصوصا وان بإمكان القضاء الوطني من وجهة نظرهم، القيام بأعباء المحاكم الدولية الدائمة ولم يكن من الممكن في الحقيقة قبول هذا الاعتراض لأنه لم يعد هناك وجود لمفهوم السيادة المطلقة بعد أن أضحت مقيدة بقواعد القانون الدولي العام . [12]
  3. ندد المعارضون لإنشاء القضاء الدائم على غرار المحكمة الجنائية الدولية بأنه مع هيمنة الدول الكبرى على مقاليد الأمور في العالم يكون من غير المعقول أن تؤيد هذه الدول الكبرى فكرة إنشاء المحاكم الدولية الدائمة التي ستجعلها سواء بسواء مع الدول الضعيفة .

ونتيجة لذلك أبدت عدة منظمات كمنظمة الاتحاد الإفريقي موقفا بالانسحاب كرد على السياسة المنتهجة ضد الدول الإفريقية الضعيفة، تبعتها ردود فعل أخرى كشن حملات تدعو إلى الانسحاب وعدم التعاون مع المحاكم الدولية ووجود توصيات غلبت عليها التحفظات من جانب الدول و يعزى ذلك إلى الضغوط التي تمارسها القوى الكبرى بغية حماية مصالحها السياسية والعسكرية والدفاع عن مواطنيها أو جنودها أو مسؤوليها من الملاحقة القضائية نتيجة التورط في جرائم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية وهذه الدول هي دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي (الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والصين و فرنسا وروسيا ) وجميعها تمتلك حق الفيتو أو الرفض .[13]

وعلى الرغم من موجات المعارضة نجح المجتمع الدولي في تأسيس قضاء دائم أحرز على مصادقة الأغلبية ونشأت عقب ذلك مؤتمرات استعراضية تهدف إلى الظفر بإصلاحات فحصل لدى البعض وهم بالعدالة بان هناك وهم في العقول بالإصلاح .

 ومما لا شك فيه ان هذا الأمر أضحى تهديدا جديا لأجهزة القضاء الجنائي الدولي  الذي يضمن حسن تطبيق العدالة في النظم الدولية كما ترى وجهات نظر عديدة من المهتمين بالشأن الدولي أن القضاء الجنائي الدولي في علاقته مع العدالة قد يتحول بالفعل إلى وسيلة للتدخل الأجنبي إذا ما كانت الدول الكبرى هي التي تسيطر على مقاليد الحكم في العالم كالتدخل السياسي في القرارات الأممية والتدخل العسكري بمناطق نفوذ جيوإستراتيجي، وهذا الأمر يتضارب بما لا يترك شك مع مبدأ أساسي كرسته المواثيق الدولية وهو” حق الشعوب في تقرير مصيرها  بعيدا عن كل تدخل خارجي”وبعيدا عن احتكار السلطة بشكل تعسفي وعليه كان من الضروري النهوض بمؤسسات القضاء الدولي بما تحتاجه من إرادة دولية حقيقية لموائمة التنظير بالتطبيق…

  • القضاء الدولي الدائم وسياسة الكيل بمكيالين
  • القضاء الدولي الدائم:

إن معنى كلمة القضاء هو الحكم أو تطبيق القانون أو الحق بالفصل بين المتخاصمين من الناس أو الجماعات أو الدول.وعندما نقول قضاء دولي فهو الحكم أو التحكيم بين المتخاصمين بواسطة طرف دولي مستقل أو هيئات قانونية محايدة تعتمد في حكمها على قانون دولي تعترف به معظم دول العالم ويلتزم به أصحاب السيادة أو القرار أينما كانوا ويحتكمون إليه حال وجود مشكلة مع بلد آخر مثلا كما تختص بمحاكمة المجرمين الكبار والنظر في حالات انتهاك حقوق الإنسان أو مخالفة الاتفاقيات الدولية المنبثقة عنها .

والقضاء الدولي هيئات تمثله بعضها يجتمع تحت لواء الأمم المتحدة وتعمل على تطبيق القانون وفض النزاعات والبت فيها ونذكر منها محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان الذي يظم 47 دولة عضو في الأمم المتحدة.وهو كذلك  تعبير واسع تنضوي تحت لوائه المحاكم الجنائية الدولية،منها ما اتسم بطابع التأقيت ومحدودية الغرض الذي أنشئت من اجله، ومنها ما اخذ صفة الاستمرارية، والنموذج الوحيد للأخيرة هو المحكمة الجنائية الدولية الدائمة.

وعليه فإن إطار هذه الدراسة القضاء الدولي الدائم (I. C.C) بما يمثله من قضاء تجريم للأفراد أي المحكمة الجنائية الدولية وقضاء لتسوية النزاعات أي محكمة العدل الدولية  وأهميتهما في تحقيق وحفظ العدالة الدولية التي كانت ومازالت حلم المجتمع الدولي بأسره بعيدا عن الازدواجية التي يتمتع بها مجلس الأمن الدولي نظرا لسيطرة الدول دائمة العضوية على توجيه قراراته وبعيدا عن انعدام الشفافية التي تتسم بها المحاكم الجنائية الدولية الخاصة، إضافة إلى موقف الدول تجاه عديد المساءل التي تخص المحاكم وتحدد نطاق عملها،وعرض المعضلات القانونية التي تقف أمام القضاء الجنائي الدائم في أداء مهمته ولا تقف هذه الدراسة عند النصوص القانونية فحسب بل تتعداها إلى تحليل القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي و التي تعكس هذه الصعوبات من الناحية العملية والواقعية.

  • العدالة الدولية:

 العدالة في تعريفها الشاسع مفهوم يقصد به عدم الانحياز في محاكمة أي إنسان لأي أمر وهي رؤية إنسانية للمحيط الذي يعيش فيه كل فرد شرط أن ينظم هذه الرؤية قانون وضعي يشارك في صياغتها الكل بعيدا عن التحكم فالعدالة عكس الجور والظلم والتطرف إذ تهدف إلى تحقيق العدالة والإنصاف والمساواة والتوازن وعدم التعدي وحماية المصالح الفردية والعامة وهي كذلك مفهوم أخلاقي يقوم على الحق والأخلاق والعقلانية.كما لا تختلف نظريات العدالة اختلافا كبيرا من مجتمع إلى أخر ولكن تطبيق مفاهيمها يختلف وعند اختلاف مفاهيمها لا يمكن أن تتواجد العدالة.

والعدالة من منظور آخر هي العمل وفق لمتطلبات القانون سواء ارتكزت هذه القواعد على الإجماع البشري أو على المعايير الاجتماعية وهي مفهوم واسع تنادي به جميع الشعوب وتطمح لتحقيقه نظرا لأهميته في خلق التوازن بين جميع أفراد المجتمع الدولي، إذ يحكم هذا التصور أنظمة وقوانين تتفق جلها على مبدأ واحد وهو ضرورة التحقيق في جميع الجرائم ومقاضاة جميع المتهمين ضمن محاكمة عادلة وبعيدا عن كل تسييس أو انحياز أو ازدواجية في اعتماد معايير المحاكمة خصوصا على حالات تبدو وضعيتها القانونية متشابهة  .[14]

ومتى سعت المنضمات المدافعة عن حقوق الإنسان إلى تكريس هذا المبدأ إلا وان الواقع الدولي يسير تماما بعكس المبادئ الأصولية لمجال القانون الجنائي الدولي، فهذه الدول تأبى محاكمة ومحاسبة رعاياها انتصارا لعنصري السيادة والجنسية و الاعتداد بالحصانة إذ تمتنع عن تقديم اللاجئين المتحصنين لديها، ولو تعلقت بهم جرائم دولية شديدة الخطورة يغض النظر عن صفتهم.وتكمن خطورة الازدواجية في عدم اعتماد معايير متساوية ومحايدة في التعامل مع قضايا دولية فلقد أدى التحكم إلى بروز ازدواجية المعايير في عمل مجلس الأمن الدولي من خلال إتباعه لسلوكيات متغايرة تجاه أوضاع متماثلة حيث يلاحظ أحيانا كثيرة تطبيق قواعد قانونية على أشخاص ووقائع توجد في أوضاع متماثلة وهذه الازدواجية ما هي إلا نتيجة لاختلاف وجهات نظر الدول المسيطرة تجاه القضية الواحدة في ضوء علاقاتها الايجابية أو السلبية بالدول الإطراف.[15]

ان أهمية عمل القضاء الجزائي الدولي ودوره في تحقيق العدل ونشر السلم والأمن في العالم وهذا يقاس بمدى قدرة القضاء الدولي على مواجهة التحديات القانونية والسياسية خصوصا وان الساحة الدولية تتسم بشدة تقلب المناخ السياسي والاقتصادي وبروز أزمات لم يشهد لها العالم مثيلا من قبل.

أما الدوافع الموضوعية فتدخل ضمن الكثير من التساؤلات والإشكالات والتي تتطلب الدراسة والتثبت والتدقيق والتفحص حتى يمكن الوصول إلى فهمها وبالتالي الكشف عن حقيقية الأزمة بما لها من تأثير مباشر على سير النظم القضائية الدولية القائمة والمنطق الذي يحكمها والآليات التي تعتمدها للحفاظ على ديمومتها استقلاليتها بعيدا عن كل تبعية او تسييسوازدواجية في المعايير المعتمدة  في سبيل تحقق العدالة المنشودة.


-زياد عنتاني ،المحكمة الجنائية الدولية و تطور القانون الجنائي الدولي ، منشورات الحلبي الحقوقية ،طبعة أولى 2009، ص 7.[1]

2-حيدر عبد الرزاق حميدة ،تطور القضاء الدولي الجنائي من المحاكم الدولية المؤقتة الى المحكمة الجنائية الدولية الدائمة ،دار شتات للنشر و البرمجيات ،الطبعة الأولى 2009 ،ص 16.

[3]3- عقب صدور نظام روما الأساسي تواصلت الحملة من اجل دعوة الدول للمصادقة عليه وأقر المؤتمر الدبلوماسي للمفوضين سنة1998 النظام الذي سمي فيما بعد نظام روما الأساسي و شهد حضور وفود عن 160 دولة و31 منظمة دولية و 36 منظمة غير حكومية بصفة مراقبين ووصفت هذه المفاوضات بصراع الحق و القوة .

4–فرج علواني بن هليل ،المحكمة الجنائية الدولية نشأتها و تشكيلها والدول الموقعة عليها ،دار المطبوعات الجامعية بكلية الحقوق بالإسكندرية،2009، ص 52.

– حسين خليل ،قضايا دولية معاصرة ، دراسة موضوعات في النظام العالمي الجديد ،دار المنهل اللبناني ،الطبعة الأولى 2008 ص 101.[5]

[6]– محمد الفاضل ، التعاون الدولي في مكافحة الإجرام ، لجنة انجاز الكتاب الجامعي ، جامعة حلب ، الطبعة الأولى 1990 ص 86.

[7]– مختار مرزاق ،حركة عدم الانحياز في العلاقات الدولية ،الدار العالمية للطباعة و النشر ، الطبعة الأولى 1982-1984 ص 9.

– عبد المجيد الخذاري ، علاقة مجلس الأمن بالمحكمة الجنائية الدولية (تحريك الدعوى وتوقيفها)عن مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية، جامعة خنشلة [8]الجزائر العدد السابع 2015 ص 34.

[9] عثمان علي الرونداوزي ،مبدا عدم التدخل و التدخل في الشؤون الداخلية للدول في ضل القانون الدولي العام،دارالكتب القانونية ،شتات للنشر و البرمجيات ،الطبعة الاولى 2010، ص 123.

– حمودة منتصر سعيد ، المحكمة الجنائية الدولية النظرية العامة للجريمة الدولية ،أحكام القانون الدولي الجنائي ، الاسكندرية ، دالر الجامعة الجديدة ، [10]الطبعة الاولى 2000.

– حسان بو قنطار ، العلاقات الدولية ،دار توبقار للنشر ، الرباط الطبعة الاولى 1985، صفحة 69.[11]

5-  يعتبر قبول الدول الانضمام إلى الأمم المتحدة اعترافا ضمنيا من جانبها بالتنازل عن جزء من سيادتها إذ بهذا التنازل ستقدم الدولة الطرف في النظام صلاحية محاكمة مواطنيها و هذا لا يوكد إلا إلى  السلط القضائية الوطنية التي تمتلك لوحدها السلطة على شعبها و التدخل في شؤونها .

[13]– Sykviekeller  ,la cour pénale internationale ses ambitions ses faiblesse ,paris 2003 tonel, collection dirigée par jaque bourrine.

– وردة الطيب مقتضيات العدالة أمام المحكمة الجنائية الدولية ، المركز القومي للإصدارات القانونية ، الطبعة الأولى ،2015 ص 24.[14]

-ايناس محمد البهجي ، الشرعية الدولية في المواثيق والقوانين الدولية ،المركز القومي للإصدارات القانونية ،الطبعة الأولى 2013،ص 295.[15]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق