القارة الإفريقية تحت وقع المنافسة الإسرائيلية الإيرانية

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسو المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الامنية والعسكرية 23-04-2026
اسرائيل تخرج عن السيطرة الذاتية وتوسع دائرة التمدد
إضافةً إلى الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، بات موقفها العدواني في الشرق الأوسط خارجاً عن السيطرة بشكل متزايد، ما دفع حليفتها، الولايات المتحدة، إلى الحرب ضد إيران. وفي الوقت نفسه، قيّد نهجها التوسعي تجاه فلسطين وضرباتها على إيران إدارة تل أبيب، ما أجبرها على إعادة تقييم سياستها الخارجية وتكييفها. وفي هذا البحث عن مجالات نفوذ جديدة، برزت أفريقيا كمركز محتمل لتعويض مناطق الهيمنة وعملية تمدد وانتشار.
خلال الحرب الباردة، ركزت السياسة الخارجية الإسرائيلية على إقامة تحالفات مع جهات فاعلة غير عربية في الشرق الأوسط لتحييد التهديدات المحتملة، نظرًا لوجودها محاطة بدول عربية معادية في المنطقة. أما اليوم، فتعتبر إسرائيل إيران والحوثيين في اليمن أكبر تهديداتها في الشرق الأوسط. وتسعى تل أبيب إلى وضع استراتيجية احتواء جديدة لتحييد هذه التهديدات وضمان استمرار حركة التجارة البحرية العالمية بسلاسة، والتي تُعدّ حيوية لاقتصادها.
ولهذا الغرض، سعت إسرائيل في السنوات الأخيرة إلى ترسيخ نفوذها في أفريقيا، لا سيما في شرق أفريقيا ذات الموقع الاستراتيجي المهم بالنسبة لإقتصادها وحتى لوجودها.
فعلى سبيل المثال، سعت إسرائيل، من خلال اتفاقيات أبراهام الموقعة عام 2020 بدعم أمريكي، إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب والسودان، بالإضافة إلى الإمارات والبحرين،كما بُذلت جهود لتعزيز العلاقات مع تشاد وموريتانيا والنيجر وإثيوبيا وكينيا.
في السنوات الأخيرة، لفتت التحركات الاستراتيجية الإسرائيلية الجريئة في القرن الأفريقي، بالقرب من مضيق باب المندب، الأنظار. وقد طورت إسرائيل منذ زمن طويل تعاونًا مع العديد من دول شرق أفريقيا في الشؤون الدفاعية والعسكرية، حيث نفذت عمليات استخباراتية، ونفذت أنشطة مكافحة الإرهاب، ونقلت التكنولوجيا العسكرية.
إلا أنه منذ منتصف العقد الثاني من الألفية، أولت إسرائيل اهتمامًا أكبر بالسيطرة على القواعد العسكرية في المنطقة، وقد جعلت الاستثمارات الإسرائيلية في ميناء بربرة في أرض الصومال، وهي منطقة تابعة للصومال، منه موقعًا لوجستيًا بالغ الأهمية للاستراتيجيات العسكرية في المنطقة. لذا، يمكن تفسير قرار إسرائيل بالاعتراف بأرض الصومال في 26 ديسمبر2025، والذي قوبل بإدانة دولية واسعة، كجزء من هذه الاستراتيجية ولكن اسرائيل هي من دعمت هذا الانفصال ليس بالإعتراف به فقط بل وبحسب العديد من التقارير بوضع الخطة المحكمة وزرع رجالها لتنفيذ الانفصال وبعدها الاعتراف بأرض الصومال كدويلة مركزية واستراتجية لتحركاتها في المنطقة الاقليمية.
علاوة على ذلك، فبينما كانت التوترات بين إثيوبيا والصومال تُحل بوساطة تركيا عبر إعلان أنقرة، قامت إسرائيل، مدفوعةً بمصالحها الخاصة، بتصعيد التوترات في المنطقة من خلال أرض الصومال وإثيوبيا. ومن الضروري أيضًا الإشارة إلى أن التواجد التركي المتزايد في القرن الأفريقي يُثير قلق تل أبيب ويجعلها تفكر في السيطرة على الدول الاستراتجية للحد من التمدد التركي هناك، ولذلك، أولت إسرائيل في السنوات الأخيرة أهميةً بالغةً للحد من نفوذ تركيا في المنطقة، ويُعدّ ازدياد زيارات المسؤولين الإسرائيليين إلى إثيوبيا في الأشهر الأخيرة، وهي دولة تُفضّل إسرائيل اعتبارها شريكًا استراتيجيًا وتربطها بتركيا علاقات متنامية، دليلًا على ذلك.
إلى جانب أرض الصومال، تُعدّ السودان أيضاً من الدول التي تعتبرها إسرائيل ذات أهمية لوجودها العسكري في القارة وهي تحرك ذراعها الاماراتي هناك. وكان ساحل البحر الأحمر السوداني، الذي سعت إسرائيل إلى تطبيع العلاقات معه عبر اتفاقيات أبراهام، موضع اهتمام تل أبيب. إلا أن الحرب الأهلية التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023 حالت دون تحقيق إسرائيل لهذا الهدف ولكنها تحاول مجارات هذه الحرب بدفع حليفها الاماراتي ليراكم الوضع وبعدها يتم تقسيم السودان لصالح مصالحها وللشق التي تدعمه. كما تُبدي إسرائيل اهتماماً بإنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي، حيث تتواجد قواعد عسكرية للعديد من الدول، إلا أن قرار تل أبيب بالاعتراف بأرض الصومال قوبل بإدانة شديدة من جيبوتي وقطع عليها طريق انشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي ولكنها لا تزال تحاول وتضغط هناك وخاصة وفي حال عجزها يأتي الأمريكي ويضغط وسوف تستسلم جيبوتي للرغبة الصهيوامريكية وانشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي وخصوصا بتواجد قاعدة عسكرية صينية فيها.
التنافس الإسرائيلي الإيراني في أفريقيا
قد تتصاعد جهود إسرائيل لتعزيز وجودها في أفريقيا في أعقاب الحرب مع إيران، كما أن المنافسة مع إيران في القارة واردة كذلك ففي السنوات السابقة، استفادت إسرائيل من مناخ التطبيع الذي أرسته اتفاقيات إبراهيم، فزادت من اتصالاتها الدبلوماسية والاستراتيجية في أفريقيا.
بالتوازي مع ذلك، كثّفت إيران جهودها للتواصل مع القارة، وفي هذا السياق، مثّلت زيارات الرئيس آنذاك إبراهيم رئيسي إلى كينيا وأوغندا وزيمبابوي في يوليو 2023 دليلاً ملموساً على مساعي إيران لبناء نفوذها الخاص في مواجهة التواجد الإسرائيلي المتنامي في المنطقة، وقد مثّلت هذه الزيارة أول اتصال رسمي لرئيس إيراني مع أفريقيا منذ 11 عاماً.
يُسهم تزايد التنافس بين القوى الإقليمية في أفريقيا في خلق بيئة إيجابية للقارة، مما قد يُعزز القدرة التفاوضية للدول الأفريقية في مجالات السياسة الخارجية والتعاون العسكري والتجاري. مع ذلك، يُشكل تزايد التنافس والتواجد العسكري لإسرائيل وإيران، وهما طرفان متنازعان، في أفريقيا، وهي قارة ذات بنية هشة ودول ينخرها الفساد والارهاب والعصابات، مخاطرَ على الأمن الإقليمي.
تركز سياسة تل أبيب تجاه أفريقيا بشكل أساسي على التعاون في المجالات العسكرية والاستخباراتية ونقل التكنولوجيا الدفاعية لهذه الدول الغير مستقرة. في المقابل، قد تُنشئ إيران مناطق نفوذ في القارة باستخدام جهات فاعلة بالوكالة، مثل “الحركة الإسلامية في نيجيريا”، وهي جماعة شيعية يقودها إبراهيم زكزاكي في نيجيريا والتعاون الايراني مع الدول الافريقية يعتمد على المدارس والمستشفيات والمساجد والدعوة الاسلامية.
ويمكن استغلال مناطق النفوذ هذه التي تُنشئها إيران من خلال خطاب أيديولوجي ودوافع معادية لإسرائيل، مما يُؤدي إلى ضغوط جديدة على الأمن الإقليمي. ومن المرجح أن يُفضي التنافس بين إيران وإسرائيل على أفريقيا إلى تبني إسرائيل نهجًا أكثر عسكرة في سياستها تجاه القارة. وقد يُؤدي ذلك، بشكل غير مباشر، إلى تداعيات سلبية، لا سيما في شرق أفريقيا، على صعيد الديناميات الأمنية.
ستؤدي المنافسة المتزايدة والمخاطر الأمنية في أفريقيا إلى تعطيل الاستثمارات وتحويل الأموال في المنطقة الى التسلح بشتى الانواع. وعلى وجه الخصوص، يشكل احتمال امتداد الصراع الإيراني الإسرائيلي إلى دول الخليج وانخراطها المحتمل في حرب إقليمية خطراً كبيراً على المساعدات والاستثمارات القادمة من دول الخليج إلى أفريقيا في السنوات الأخيرة، وكذلك لا ننسى بأن دول الخليج كذلك تسعى للتمدد في افريقيا على حساب قوى كانت موجودة على الارض مثل فرنسا وبريطانيا وبلجيكا…
في أفريقيا، حيث يتشابك الأمن والتنمية تشابكاً وثيقاً، قد يُفضي هذا الوضع إلى مخاطر امنية جسيمة وربما ينتقل الصراع من الشرق الأوسط الى الدول الافريقية الاكثر هشاشة والذي زرع فيها الارهاب والمافيا الدولية مثل نيجيريا. لذا، قد تنظر دول أفريقية عديدة إلى إسرائيل على أنها مسؤولة عن هذا المناخ الذي تتعطل فيه سياسات التنمية، ويتعرض فيه الأمن الإقليمي للخطر ولهذا هناك نوجات تحريرية جديدة شبابية ترفض التدخل الغربي والاسرائيلي وتنادي بطردهم من دولهم كما هو الحال اليوم في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد وافريقيا الوسطى وغيرها من الدول في الشرق الافريقي.
وقد يؤدي تعزيز هذا التصور إلى التشكيك في العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية التي تسعى إسرائيل مؤخراً إلى إقامتها وتعزيزها مستقبلاً، وإلى ردود فعل شعبية سلبية تجاهها. وفي الدول الأفريقية ذات الأغلبية المسلمة، والتي تحظى سياستها الخارجية بمتابعة دقيقة من الرأي العام، قد تُثير العلاقات مع إسرائيل ردود فعل سلبية.
في هذه المرحلة، إذا أحسنت إيران استغلال هذه الردود ووضعت الاستراتيجيات المناسبة، فقد يزداد نفوذها في أفريقيا بشكل كبير الى جانب التواجد الصيني والروسي والتركي. ومع ذلك، يبرز التساؤل حول كيفية جعل هذا النفوذ دائمًا، نظرًا لعدم امتلاكها الإمكانيات الكافية لتوفير الاستثمارات والمساعدات التنموية والدعم الدبلوماسي الذي تحتاجه الدول الأفريقية وهذا ما تدركه تماما اسرائيل وامريكا ولذلك من بين الأسباب التي جعلتهما يشنان الحرب على ايران ويضغطان من خلال العقوبات الاقتصادية والحصار المستمر على ايران حتى لا تتمدد أكثر في القارة الافريقية.
خلاصة
في الختام، مع ازدياد حدة التنافس الإسرائيلي الإيراني وانخراط دول الخليج في أجواء الصراع الإقليمي، ستضطلع الدول الأفريقية بدور أكثر فاعلية في السياسة الخارجية. وستسعى هذه الدول جاهدةً لتحقيق التوازن بين مختلف الأطراف الفاعلة وتعظيم مصالحها، لا سيما خلال هذه الفترات الحرجة التي تشهد اضطرابًا في التجارة البحرية العالمية وإمدادات الطاقة.
مع ذلك، في المناطق التي تشتد فيها المنافسة العالمية والإقليمية، قد تصبح مشاريع التنمية أكثر عرضةً للتهديدات الأمنية، وقد تُتيح هذه الظروف العصيبة للعديد من المنظمات المتطرفة توسيع نطاق نفوذها. وهذا بدوره قد يُؤدي بشكل دوري إلى تفاقم خطر تحول المشكلات الأمنية والتنموية في أفريقيا إلى مشكلات مزمنة.



