أخبار العالمأوروبا

“البديل من أجل ألمانيا” يحقق فوزا تاريخيا في ساكسونيا أنهالت ويقترب من السلطة

حقق حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف نتيجة انتخابية تاريخية في ولاية ساكسونيا أنهالت شرقي ألمانيا خلال الانتخابات المحلية التي جرت يوم الأحد السادس من سبتمبر 2026 متقدما بفارق كبير على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي يقوده المستشار الألماني فريدريش ميرتس وحصل حزب البديل من أجل ألمانيا على نحو 43.8 بالمئة من الأصوات وفق النتائج النهائية فيما حصل الاتحاد الديمقراطي المسيحي على نحو 17.2 بالمئة فقط وهو ما يمثل تحولا انتخابيا كبيرا في الولاية التي ظل الحزب المحافظ يهيمن عليها لعقود وفق ما أوردته وكالة أسوشيتد برس ويورونيوز

وتكتسب النتيجة أهمية تتجاوز حدود ساكسونيا أنهالت لأنها تمثل أقوى أداء انتخابي في تاريخ حزب البديل من أجل ألمانيا وتضعه للمرة الأولى أمام إمكانية الوصول إلى قيادة حكومة إقليمية في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية رغم عدم امتلاكه الأغلبية المطلقة التي تسمح له بالحكم منفردا

 

تمكن حزب البديل من أجل ألمانيا من مضاعفة تقريبا نتيجته مقارنة بانتخابات عام 2021 عندما حصل على نحو 20.8 بالمئة من الأصوات فيما تراجع الاتحاد الديمقراطي المسيحي بصورة حادة من نحو 37.1 بالمئة في الانتخابات السابقة إلى نحو 17 بالمئة في الانتخابات الحالية وحصل الحزب اليميني المتطرف على 39 مقعدا في البرلمان المحلي المؤلف من 83 مقعدا بينما يحتاج إلى 42 مقعدا لتحقيق الأغلبية المطلقة وتشكيل حكومة بمفرده وهو ما يعني أن النتيجة التاريخية لم تتحول بعد إلى سيطرة حكومية فعلية وقال المرشح الرئيسي للحزب أولريش زيغموند إن الحزب صنع التاريخ في الولاية مؤكدا أن النتيجة تعكس رغبة الناخبين في تغيير سياسي عميق وتشير هذه النتيجة إلى انتقال حزب البديل من ألمانيا من موقع القوة الاحتجاجية إلى موقع أكثر تأثيرا داخل المؤسسات الإقليمية وهو تطور قد تكون له انعكاسات على مستقبل النظام الحزبي الألماني

 

في المقابل شكلت النتائج ضربة قوية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وللمستشار فريدريش ميرتس الذي يواجه منذ وصوله إلى السلطة ضغوطا متزايدة مرتبطة بالاقتصاد والهجرة وتراجع الثقة في الحكومة الاتحادية وكان الاتحاد الديمقراطي المسيحي يحكم ساكسونيا أنهالت منذ سنوات طويلة غير أن الانتخابات الأخيرة أظهرت تراجعا غير مسبوق في موقعه الانتخابي وبحسب رويترز فإن الحزب المحافظ تراجع من 37.1 بالمئة في انتخابات 2021 إلى نحو 18.5 بالمئة في التقديرات الأولية قبل أن تستقر النتائج النهائية عند مستوى يقارب 17 بالمئة وهو ما يعكس حجم الخسارة السياسية التي تعرض لها

وتضع هذه النتيجة ميرتس أمام مشكلة سياسية تتجاوز الولاية نفسها لأن حزب البديل من أجل ألمانيا أصبح بالفعل قوة انتخابية رئيسية على المستوى الوطني ويواصل استقطاب الناخبين الذين يشعرون بعدم الرضا عن أداء الأحزاب التقليدية

 

رغم الانتصار الكبير فإن الطريق أمام حزب البديل من أجل ألمانيا نحو تشكيل حكومة في ساكسونيا أنهالت لا يزال معقدا فالأحزاب الرئيسية في ألمانيا تتمسك بما يعرف بجدار العزل السياسي أو براندماور الذي يقوم على رفض الدخول في تحالفات حكومية مع حزب البديل من أجل ألمانيا وتؤكد النتائج الانتخابية أن الحزب أصبح القوة الأكبر داخل البرلمان المحلي لكنه يواجه في الوقت نفسه عزلة سياسية تجعل تحويل تفوقه الانتخابي إلى سلطة تنفيذية أمرا بالغ الصعوبة وقد أعلن رئيس حكومة الولاية المنتهية ولايته ومرشح الاتحاد الديمقراطي المسيحي سفن شولزه أنه لا ينوي التعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا وهو ما يفتح الباب أمام مفاوضات سياسية معقدة لتشكيل حكومة ائتلافية قادرة على تأمين الأغلبية وتكمن المفارقة في أن الحزب أصبح القوة السياسية الأولى في الولاية لكنه لا يستطيع الوصول إلى الحكم منفردا ولا يجد حتى الآن شريكا تقليديا مستعدا للتحالف معه

استفاد حزب البديل من أجل ألمانيا خلال حملته الانتخابية من القضايا التي أصبحت أكثر حساسية داخل المجتمع الألماني وعلى رأسها الهجرة والأمن والهوية الوطنية والأوضاع الاقتصادية كما استفاد الحزب من حالة الاستياء المتزايدة في أجزاء من ألمانيا الشرقية السابقة حيث لا تزال الفوارق الاقتصادية والاجتماعية مع المناطق الغربية حاضرة في الوعي السياسي للناخبين وأشارت تقارير صحفية إلى أن الحزب نجح في استثمار مشاعر الحنين إلى فترة ألمانيا الشرقية لدى بعض الناخبين إضافة إلى حالة عدم الرضا عن الأوضاع الاقتصادية وعن سياسات الحكومة الاتحادية وتكشف هذه المعطيات أن صعود اليمين المتطرف في ألمانيا لا يمكن تفسيره بعامل واحد وإنما يرتبط بتداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية أعادت تشكيل سلوك الناخبين في عدد من المناطق

يمثل تطور حزب البديل من أجل ألمانيا تحولا مهما في المشهد السياسي الألماني فعندما تأسس الحزب عام 2013 كان حضوره السياسي مرتبطا أساسا بالاحتجاج على سياسات منطقة اليورو ثم توسع خطابه تدريجيا ليشمل الهجرة والهوية والسيادة الوطنية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي أما اليوم فقد أصبح الحزب قادرا على تحقيق نتائج انتخابية تتجاوز 40 بالمئة في إحدى الولايات الألمانية وهو ما يضعه أمام مرحلة جديدة تتمثل في الانتقال من المعارضة والاحتجاج إلى محاولة ممارسة السلطة وتكتسب هذه النقلة أهمية خاصة لأن الحزب يدعو إلى سياسات أكثر تشددا تجاه الهجرة كما يتبنى مواقف أكثر قربا من روسيا ويدعو إلى تغيير مسار السياسة الألمانية تجاه الحرب في أوكرانيا وفق ما أوردته رويترز

وبذلك فإن صعوده لا يرتبط فقط بالسياسة الداخلية الألمانية بل يمكن أن ينعكس أيضا على السياسة الخارجية والأمنية لألمانيا في حال تمكن الحزب مستقبلا من المشاركة في الحكم

 

تكشف انتخابات ساكسونيا أنهالت عن مفارقة سياسية واضحة تتمثل في أن النظام الحزبي الألماني لا يزال قادرا على منع حزب البديل من أجل ألمانيا من الوصول المباشر إلى السلطة لكنه في الوقت نفسه يواجه صعوبة متزايدة في منع الحزب من التوسع انتخابيا وهنا تظهر المعضلة الأساسية أمام الأحزاب التقليدية فاستمرار عزل حزب البديل من أجل ألمانيا سيبقيه خارج الحكومات لكنه قد لا يمنع الناخبين من منحه مزيدا من الأصوات والمقاعد  أما الدخول في تحالف معه فقد يعني بالنسبة إلى الأحزاب التقليدية كسر أحد أهم الحواجز السياسية التي قامت عليها الاستراتيجية الألمانية تجاه اليمين المتطرف منذ سنوات لذلك فإن نتائج ساكسونيا أنهالت لا تمثل فقط انتصارا انتخابيا لحزب معين وإنما تعكس أزمة أعمق داخل النظام الحزبي الألماني تتمثل في تراجع الأحزاب التقليدية وصعود قوى سياسية راديكالية تستفيد من الاستياء الشعبي

 

قد تتحول هذه الانتخابات إلى مؤشر مهم على اتجاهات السياسة الألمانية خلال السنوات المقبلة خصوصا مع اقتراب استحقاقات إقليمية أخرى وتكتسب المسألة أهمية أكبر بالنسبة إلى ميرتس الذي كان يواجه بالفعل تراجعا في شعبية حكومته وضغوطا من اليمين بشأن الهجرة ومن قطاعات واسعة بشأن الأداء الاقتصادي كما أن تقدم حزب البديل من أجل ألمانيا قد يشجع الحزب على رفع سقف طموحاته السياسية استعدادا للانتخابات الاتحادية المقبلة وقد أعلن قادة الحزب أن نتيجة ساكسونيا أنهالت تمثل خطوة مهمة نحو تغيير سياسي أوسع في ألمانيا وهو ما يجعل الولاية الشرقية مختبرا سياسيا لما يمكن أن يحدث على المستوى الوطني في السنوات المقبلة

 

إن الفوز الكبير الذي حققه حزب البديل من أجل ألمانيا في ساكسونيا أنهالت لا يعني حتى الآن أنه تمكن من تشكيل أول حكومة إقليمية له لكنه يمثل دون شك نقطة تحول في تاريخ الحزب وفي السياسة الألمانية المعاصرة فالحزب أصبح القوة الأولى في برلمان الولاية وحقق نتيجة تفوق أربعين بالمئة بينما تعرض الحزب الحاكم لخسارة قاسية وأصبح تشكيل الحكومة مرتبطا بمفاوضات معقدة في ظل استمرار رفض الأحزاب الرئيسية التعاون مع اليمين المتطرف وبالتالي فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بقدرة حزب البديل من أجل ألمانيا على تحقيق الانتصارات الانتخابية وإنما بمدى قدرة النظام السياسي الألماني على التعامل مع صعود قوة سياسية أصبحت تقترب تدريجيا من مركز السلطة وتكشف انتخابات ساكسونيا أنهالت أن اليمين المتطرف لم يعد ظاهرة هامشية في السياسة الألمانية بل أصبح لاعبا انتخابيا رئيسيا قادرا على إعادة تشكيل الخريطة الحزبية وفرض قضايا الهجرة والهوية والسيادة والسياسة الخارجية على صدارة النقاش السياسي الألماني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق