أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

نتنياهو وترامب يبحثان سبل تذويب التبايانات حول ايران

منذ الأسابيع الأولى للحرب على إيران، بدا واضحاً أن التفاهم الأميركي ـ الإسرائيلي الذي قاد إلى المواجهة العسكرية لا يعني بالضرورة تطابقاً كاملاً في الحسابات السياسية. ومع انتقال الصراع من مرحلة الضربات العسكرية المفتوحة إلى مرحلة البحث عن تسوية ووقف إطلاق نار، بدأت الفجوات بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الاسرائيلي تظهر بصورة أكثر وضوحاً، خاصة حول شكل النهاية المقبولة للحرب وحدود التنازلات الممكنة.

لا يشبه التوتر القائم اليوم القطيعة السياسية بين حليفين، كما لا يعكس انهياراً في التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي، إنما يرتبط باختلاف في ترتيب الأولويات وفي تقييم نتائج الحرب نفسها.

فدونالد ترامب ينظر إلى الملف الإيراني من زاوية أوسع تتصل بالاقتصاد العالمي، وأسعار الطاقة، وعلاقته مع الصين ودول الخليج، إضافة إلى حساباته الانتخابية الداخلية. أما بنيامين نتنياهو، فيتعامل مع الحرب باعتبارها جزءاً من معركة طويلة مرتبطة بموقع إيران الإقليمي وقدراتها العسكرية ونفوذها الممتد في المنطقة.

ايران اصبحت كابوس نتنياهو الفاشل

خلال مرحلة التحضير للحرب، التقت مصالح الرجلين عند نقطة واحدة: توجيه ضربة كبيرة لإيران. كان يرى نتنياهو في عودة ترامب إلى البيت الأبيض فرصة تاريخية لتحقيق مشروع سعى إليه منذ سنوات، فيما اعتقد الأخير أن ضربة عسكرية قاسية قد تفرض شروطاً أميركية جديدة على طهران خلال فترة قصيرة. غير أن التطورات الميدانية دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في تقديراتها الأولى.

من جهتها، تمكنت إيران من الحفاظ على تماسكها الداخلي، واستمرت في تشغيل جزء كبير من بنيتها العسكرية، كما نجحت في إيصال الحرب إلى الممرات البحرية وأسواق الطاقة. هذا الواقع جعل استمرار المواجهة المفتوحة مكلفاً للولايات المتحدة اقتصادياً واستراتيجياً، خاصة مع تنامي المخاوف من تأثيرات طويلة الأمد على الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية.

ترامب في مأزق ويطلب التهدئة

من هنا بدأت الإدارة الأميركية تميل تدريجياً نحو خيار التهدئة والبحث عن تفاهمات توقف التصعيد، حتى لو جاءت هذه التفاهمات أقل من السقف الذي كانت تطرحه تل أبيب عند بداية الحرب. وتكشف التسريبات الأميركية والإسرائيلية أن واشنطن دخلت في قنوات تفاوض غير مباشرة مع الإيرانيين عبر وسطاء إقليميين، مع تقليص مستوى التشاور مع حكومة نتنياهو مقارنة بالأشهر الأولى للحرب.

هذا التحول أثار قلقاً داخل المؤسسة السياسية والأمنية في كيان الاحتلال. فتل أبيب تعتبر أن أي اتفاق لا يتضمن قيوداً واضحة على برنامج الصواريخ الإيراني أو على حضور طهران الإقليمي يمنحها فرصة لإعادة تنظيم قدراتها بعد الحرب. كما تخشى أن يؤدي وقف إطلاق النار الحالي إلى تثبيت معادلات ردع جديدة لم تكن قائمة قبل المواجهة.

واشنطن تلغي اجندة نتنياهو

في المقابل، تبدو واشنطن أقل اهتماماً بهذه التفاصيل مقارنة برغبتها في منع توسع الحرب واستنزاف القوات الأميركية في المنطقة. يدرك ترامب أن أي مواجهة طويلة قد تتحول إلى عبء سياسي داخلي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأميركية وازدياد الانتقادات داخل الكونغرس بشأن كلفة الحرب ونتائجها الفعلية.

وقد ظهرت ملامح هذا التباين في أكثر من مناسبة خلال الأسابيع الماضية. ففي الوقت الذي نفذت فيه تل أبيب ضربات على منشآت طاقة إيرانية، سارع ترامب إلى إعلان رفضه لبعض العمليات العسكرية التي رأى أنها تهدد فرص التهدئة -حتى لو كان راضياً عنها-. كما صدرت عنه مواقف علنية غير معتادة تضمنت انتقادات مباشرة للسلوك الإسرائيلي في لبنان والخليج، في مؤشر على رغبة أميركية بضبط إيقاع العمليات العسكرية وعدم توسيع نطاق الاشتباك.

اختلافات في التفاصيل واتحاد للقضاء على إيران

مع ذلك، لا يبدو أن الطرفين وصلا إلى مرحلة صدام سياسي. فالعلاقة بين ترامب ونتنياهو ما تزال محكومة باعتبارات استراتيجية وانتخابية متبادلة. اذ يحتاج ترامب إلى الحفاظ على دعم التيار المؤيد لكيان الاحتلال داخل الولايات المتحدة، ويدرك نتنياهو أن أي مواجهة مباشرة مع البيت الأبيض قد تضعف موقعه الداخلي أكثر مما تفيده، خاصة في ظل الانتقادات المتصاعدة لأداء حكومته خلال الحرب.

كما أن الطرفين يتحملان معاً مسؤولية الذهاب إلى المواجهة العسكرية منذ البداية، الأمر الذي يجعل تبادل الاتهامات بصورة علنية مسألة معقدة سياسياً. فاعتراف ترامب بأن تقديرات الحرب كانت خاطئة يفتح الباب أمام اتهامات بأنه اندفع خلف حسابات إسرائيلية غير دقيقة، فيما يدرك نتنياهو أن خسارة الغطاء الأميركي في هذه المرحلة قد تضع حكومته أمام أزمة داخلية أكبر.

واشنطن وتل ابيب يبحثان سبل ادارة التباينات بينهما

لهذا السبب، تبدو العلاقة الحالية أقرب إلى إدارة التباينات داخل التحالف. اذ تسعى الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب ضمن تسوية تقلل الخسائر وتحافظ على توازنات المنطقة، فيما تحاول تل أبيب منع أي اتفاق يمنح إيران فرصة لترميم قدراتها بسرعة. وبين هذين المسارين، تستمر العلاقة بين ترامب ونتنياهو في اختبار سياسي معقد تحكمه الوقائع الميدانية التي لم تعد الأطراف قادرة على ضبط ايقاعها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق