ميلانشون يتقدم والخصوم يتكاثرون.. اليسار الفرنسي

قسم الأخبار الدولية 2026/08/24
امل التوكابري
دخل اليسار الفرنسي مبكرا معركة الانتخابات الرئاسية لعام 2027، وسط سباق مفتوح على الزعامة يضع جان لوك ميلانشون في مواجهة رافائيل غلوكسمان، بينما يتحرك الرئيس الأسبق فرانسوا هولاند من الخلف، ويبقى حزب الخضر ممزقا بين خيارات لا تبدو أي منها مريحة، وفق تقرير لصحيفة “لوموند” الفرنسية.
وترسم الصحيفة صورة لمعسكر يساري دخل مرحلة الصراع قبل ثمانية أشهر من الانتخابات، مع تزايد احتمالات تعدد المرشحين وخوض السباق بصورة منفصلة، في سيناريو يثير مخاوف من تشتيت الأصوات وفتح الطريق أمام التجمع الوطني للوصول بقوة إلى الجولة الثانية.
ميلانشون يستعرض قوته
وبحسب “لوموند”، لم ينتظر حزب “فرنسا الأبية” انطلاق الموسم السياسي رسميا لإظهار قوته، إذ تجمع، الأحد 23 أوت، نحو 10 آلاف من أنصاره، وفق تقديرات المنظمين، في شاتونوف سور إيزير بمنطقة دروم، لحضور ختام المدرسة الصيفية للحزب.
ومن أمام أنصاره، أطلق ميلانشون رسالته الانتخابية الأوضح قائلا إن “النصر ممكن”، مقدما نفسه باعتباره المرشح القادر على قيادة المعسكر اليساري إلى الرئاسة.
وفي اليوم نفسه، تحرك أحد أبرز منافسيه، إذ أعلن رافائيل غلوكسمان، الرئيس المشارك لحزب “الساحة العامة”، رسميا ترشحه للرئاسة خلال ظهوره في نشرة الأخبار المسائية على قناة. “TF1”
وتشير “لوموند” إلى أن المشهد الذي كانت تخشاه الأمينة العامة لحزب الخضر مارين تونديلييه بات يتبلور سريعا: مرشحون يساريون متنافسون يخوض كل منهم معركته الخاصة، فيما لا تزال محاولات بناء جبهة موحدة بعيدة عن تحقيق اختراق.
هولاند يدخل على الخط
ولا يقتصر السباق على ميلانشون وغلوكسمان، فالرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند يمهد بدوره، وفق الصحيفة، للعودة إلى قلب المعركة السياسية، بالتزامن مع صدور كتابه الجديد في 3 سبتمبر بعنوان “الاتحاد: عالم جديد، يسار جديد”.
وتقول “لوموند” إن هولاند يزرع منذ أشهر إشارات ترشح محتمل من دون إعلان مباشر، فيما ستكون محطته التالية في بلوا خلال المدرسة الصيفية للحزب الاشتراكي في 28 أوت.
واستخدم ميلانشون أوصافا حادة بحق رئيس حزب “آفاق” إدوارد فيليب والأمين العام لحزب النهضة غابرييل أتال، واضعا إياهما سياسيا في المسار نفسه مع مارين لوبان.
وذهب إلى الحديث عن تحول اليمين والوسط إلى “كتلة أيديولوجية واحدة” مع التجمع الوطني، في محاولة واضحة لإعادة رسم المعركة باعتبارها مواجهة بين معسكره وبقية القوى السياسية.
وتشير الصحيفة إلى أن استهداف أتال بصورة متكررة لم يكن عفويا، إذ لا يخفي مسؤولو “فرنسا الأبية” رغبتهم في دفعه إلى مواجهة إدوارد فيليب، بما يؤدي إلى تأجيج المنافسة داخل معسكر الوسط.
غلوكسمان يهاجم ميلانشون
وعلى عكس ميلانشون، اختار غلوكسمان فتح المواجهة داخل اليسار مباشرة
وخلال ظهوره على قناة “TF1″، قدم السباق باعتباره اختيارا بين تيارين: الأول مستعد للتفاهم مع ميلانشون لأهداف انتخابية، والثاني يعتقد أن اليسار يستطيع الفوز بالرئاسة إذا تمسك بمبادئه.
ويرفض غلوكسمان أي اتفاق مع “فرنسا الأبية”، ويقدم نفسه بديلا قادرا على مخاطبة الناخبين المعتدلين الذين يصعب على ميلانشون الوصول إليهم.
لكن مسؤولي “فرنسا الأبية” يقللون من خطورة ترشحه.
ونقلت “لوموند” عن منسق الحزب مانويل بومبار قوله إنه حتى إذا نجح غلوكسمان في عبور الانتخابات التمهيدية، فسيجد نفسه في مواجهة شديدة مع فرانسوا هولاند، مشبها طريقه بسباق مليء بالحواجز.
“الخضر”.. بيضة القبان
ومع احتدام المواجهة، يتحول حزب الخضر إلى أحد أهم مفاتيح السباق داخل اليسار.
فكل من ميلانشون وغلوكسمان يسعى إلى استقطاب القاعدة البيئية، فيما تبدو قيادة الحزب مترددة بشأن الخيار الذي يمكن أن يحافظ على هويته السياسية ويمنحه في الوقت نفسه تأثيرا حقيقيا في الانتخابات.
وفي غرونوبل، حيث عقد الخضر جامعتهم الصيفية، لخصت مارين تونديلييه المعضلة بالقول إنها لا تريد في الوقت الحالي دعم ميلانشون ولا غلوكسمان، وإنما تريد “الدفاع عن البيئة.”
وتشير “لوموند” إلى أن فكرة خوض تونديلييه الانتخابات بنفسها لم تسقط تماما، رغم أن فرص نجاح ترشح مستقل لا تحظى بثقة واسعة داخل الحزب.
ولا يحظى غلوكسمان، وفق الصحيفة، بتأييد كبير داخل القاعدة البيئية، باستثناء شخصيات من بينها يانيك جادو، الذي أعلن دعمه له الاثنين 24 أوت.
ويشكك بعض الخضر في قدرة غلوكسمان على توحيد اليسار، كما يطرحون أسئلة بشأن مدى التزام معسكره بالقضايا البيئية.
في المقابل، تكشف “لوموند” عن تطور لافت يتمثل في تزايد التأييد لترشح ميلانشون داخل التيار البيئي، وخصوصا بين الشباب.
ويستند أنصاره إلى تجربتي التحالف السابقتين، عبر “الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد” في 2022 و”الجبهة الشعبية الجديدة” في 2024، باعتبارهما دليلا على إمكانية تجاوز الخلافات بين “فرنسا الأبية” والخضر.
لكن العقبة الكبرى لا تزال شخصية ميلانشون ومواقفه من ملفات أوروبية، فضلا عن مخاوف لدى قطاع من الخضر من محدودية قدرته على استقطاب أصوات الوسط في حال وصوله إلى الجولة الثانية.
وتنقل الصحيفة عن أحد نواب الخضر تشكيكه في أن يؤدي دعم تونديلييه لميلانشون إلى تغيير موقف ناخبي إدوارد فيليب منه، في إشارة إلى أن التحالف اليساري قد لا يكون كافيا وحده للفوز بالرئاسة.
وتعتزم قيادة الخضر طرح استراتيجية الحزب لانتخابات 2027 على أعضائه للتصويت، من دون تحديد موعد حتى الآن.
و يبدو اليسار الفرنسي أمام معادلة شديدة التعقيد، ميلانشون يدخل السباق بقاعدة انتخابية قوية لكنه يعاني من سقف مرتفع للرفض، وغلوكسمان يحاول بناء بديل أكثر اعتدالا، وهولاند يتحرك من الخلف، فيما يمتلك الخضر أصواتا يمكن أن ترجح كفة أحد المعسكرات.



