مجلس السلام في غزة: اختبار جديد للنظام الدولي

اعداد مريم خميلة: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 09–10-2026
لم تبدأ معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023 وإنما تمتد جذورها إلى ما قبل عام 1948 مع الاستعمار البريطاني و بروز الحركة الصهيونية ثم إلى النكبة وما رافقها من تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين وصولًا إلى استمرار الاحتلال بعد النكسة عام 1967 ومنذ ذلك الحين واجه الفلسطينيون أشكالًا متعددة من القمع والتهجير والاعتداءات في حين خضع قطاع غزة لحصار مشدد منذ عام 2007 وقد ظلت المقاومة الفلسطينية حاضرة خلال مختلف هذه المراحل في مواجهة الاحتلال الصهيوني وما ارتبط به من انتهاكات واعتداءات متواصلة بحق الفلسطينيين وهو ما ساهم في خلق حركات المقاومة كرد فعل على هذه الانتهاكات والممارسات الاستعمارية وفي هذا الإطار جاءت عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها كتائب القسام في 7 أكتوبر 2023 باعتبارها شكلًا من أشكال المقاومة و أعقبتها حرب إبادة إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة أفضت إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق أشبه ما تكون بالإبادة الجماعية وبعد تعثر محاولات التوصل إلى وقف إطلاق النار طُرحت خطة أميركية في سبتمبر 2025 حظيت بتأييد مجلس الأمن في
نوفمبر من العام نفسه ورحّبت بإنشاء مجلس السلام للإشراف على ترتيبات قطاع غزة وإعادة إعماره.
وأمام هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار و حرب الإبادة التي لم تنتهي تداعياتها بعد وأمام تواصل الخروقات و الهجمات تُطرح عدة إشكالات فإلى أي مدى يستطيع مجلس السلام أن يرسم ملامح المرحلة التالية للحرب في غزة فيما لا تزال قضايا جوهرية معلّقة؟ من يملك حق حكم القطاع وتمثيل سكانه؟ وما حدود التفويض الممنوح للمجلس واللجنة الفلسطينية؟ وهل تقود هذه الترتيبات إلى إدارة فلسطينية مستقلة ومسار سياسي يضمن الحقوق الفلسطينية أم تكرّس شكلًا جديدًا من الوصاية الدولية؟
-
نشأة مجلس السلام في غزة:
نشأت الهيئة من خطة أميركية طُرحت بدايةً في 29 سبتمبر 2025 من قبل الرئيس دونالد ترامب لمعالجة الأزمة في قطاع غزة ثم تطورت عبر المشاورات الدولية إلى إطار دولي أوسع خاصة بعد أن حظيت بتأييد مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة في شهر نوفمبر من نفس السنة ومع اتساع نطاق المشاركة تحولت الخطة من مبادرة تقودها الولايات المتحدة إلى هيئة دولية تتولى تنسيق الجهود ومتابعة تنفيذها فقد أعلن الرئيس الأمريكي تأسيس مجلس السلام في 22 جانفي 2026 بعد توقيع عدة دول الميثاق التأسيسي للمجلس في مدينة دافوس السويسرية.
*ما المقصود بمجلس السلام بغزة؟
يقدم مجلس السلام على أنه منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار واستعادة الحكم الرشيد و القانوني و ضمان تحقيق السلام الدائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاع لا سيما قطاع غزة أي هو هيئة إشراف و إدارة تضم أطراف إقليمية ودولية تعمل إعادة إعمار قطاع غزة وإنعاشه اقتصاديًا في أعقاب حرب الابادة المتواصلة.
-
تركيبة هيئة مجلس السلام في غزة:
تمتلك الهيئة هيكلاً معقداً متعدد المستويات يتضمن:
*مجلس السلام الرئيسي ويتألف بشكل أساسي من قادة الدول الأعضاء.
*المجلس التنفيذي ويركز على الدبلوماسية والاستثمار.
*المجلس التنفيذي لغزة لتوجيه اللجنة الوطنية لإدارة غزة التي ستتولى إدارة الإقليم.
-
أعضاء مجلس السلام :
وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعوات إلى نحو 60 دولة للانضمام إلى مجلس السلام فيما طُرحت على الدول المدعوة فرصة المشاركة بصفة أعضاء مؤسسين وبحسب الشروط المعلنة.
أعلنت حوالي 27 دولة انضمامها إلى مجلس السلام لغزة إثر توقيع الميثاق التأسيسي و تعد بذلك من الأعضاء المؤسسين وهم ألبانيا والأرجنتين وأرمينيا وأذربيجان والبحرين وبيلاروسيا وبلغاريا وكمبوديا ومصر وكذلك السلفادور والمجر وإندونيسيا والأردن وكازاخستان وكوسوفو والكويت ومنغوليا والمغرب وباكستان وباراغواي وقطر والسعودية وتركيا والإمارات وأوزبكستان وفيتنام.
فيما امتنعت 12 دولة عن الانضمام وهي فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا والنرويج وفنلندا وسلوفينيا والسويد وبولندا وتشيكيا وكرواتيا وأرجعت هذه الدول رفضها للانضمام إلى طبيعة المجلس وتفويضه الواسع الذي يترأسه شخص واحد والمخاطر المحتملة من تقويض دورالأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على ميثاقها بالإضافة إلى تحفظات تتعلق بمشاركة أطراف معينة.
-
أعضاء المجلس التنفيذي:
أُعلن عن أعضاء المجلس التنفيذي لمجلس السلام في 17 يناير 2026 وهم:نيكولاي ملادينوف الممثل السامي لغزة/ ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي/ ستيف ويكتوف المبعوث الامريكي الخاص للشرق الأوسط/ جاريد كونشر صهر دونالد ترامب/ توني بلير رئيس الوزراء الأسبق لبريطانيا/ مارك روان الرئيس التنفيذي لشركة أبولو غلوبال مانجمنت/ أجاي بانغا رئيس البنك الدولي/ روبرت غابرييل جونيور مستشار سياسي أمريكي.
-
أعضاء المجلس التنفيذي لغزة:
عُين نيكولاي ملادينوف في منصب الممثل السامي لغزة لرئاسة المجلس التنفيذي بدعم من اللجنة الوطنية لإدارة غزة وقد أُعلن عن أعضائه في 17 يناير 2026 وهم: ستيف ويكتوف المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط/ هاكان فيدان وزير الخارجية التركي/ علي الذوادي وزير الشؤون الاستراتيجية في قطر/ حسن رشاد رئيس جهاز المخابرات العامة المصري/ توني بلير رئيس الوزراء الأسبق لبريطانيا/ مارك روان الرئيس التنفيذي لشركة أبولو غلوبال مانجمنت/ ريم الهاشمي وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي في الامارات/ ياكير غاباي رجل أعمال و سيغريد كاغ المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط.
● مهام مجلس السلام: الأهداف المعلنة
بحسب الأهداف المعلنة لـمجلس السلام تتمثل مهمته الأساسية الإشراف على تنفيذ ترتيبات السلام في غزة و ذلك بتثبيت التهدئة ومنع عودة المواجهات إضافة إلى متابعة الانتقال من مرحلة وقف القتال إلى مرحلة أكثر استقرارًا تتضمن إعادة الإعمار وترميم مؤسسات الحكم فالمجلس باعتباره إطارًا دوليًا وإقليميًا يسعى إلى ضمان استدامة السلام واستعادة الأمن والاستقرار ودعم الحكم الرشيد وسيادة القانون في المناطق المتأثرة بالنزاعات كما تشمل أهدافه المعلنة تنسيق الجهود الدولية لإعادة إعمار غزة وتعبئة التمويل والاستثمارات اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية والخدمات الأساسية إلى جانب دعم المؤسسات المدنية وتمكين السكان من استعادة مقومات الحياة الطبيعية.
ولا تقتصر مهامه على الجانب الإنساني أو الاقتصادي بل تمتد إلى توفير إطار سياسي وأمني يمنع تجدد الصراع ومراقبة الالتزامات التي تترتب على الأطراف وتنسيق أدوار الجهات الدولية والإقليمية المشاركة في المرحلة الانتقالية. ويعكس ذلك محاولة للانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب بحيث يصبح المجلس جهة إشراف وتنسيق متعددة الأطراف تجمع بين الأبعاد السياسية والأمنية والإنسانية والاقتصادية ومع ذلك فإن فاعلية هذه الأهداف تظل مرتبطة بمدى وضوح صلاحيات المجلس وطبيعة علاقته بالمؤسسات الفلسطينية القائمة وحدود تدخله في إدارة غزة فضلًا عن مدى قبول الأطراف الفلسطينية والإقليمية والدولية لدوره وهي مسائل تحدد عمليًا ما إذا كان المجلس سيشكل آلية مؤقتة لدعم الاستقرار أم إطارًا طويل الأمد لإدارة المرحلة الانتقالية.
-
التمثيل الفلسطيني: من يدير غزة ومن يملك القرار؟
يطرح تشكيل مجلس السلام إشكالية أساسية تتعلق بموقع الفلسطينيين في منظومة إدارة قطاع غزة ومن يملك سلطة اتخاذ القرار بشأن مستقبله فعلى الرغم من أن المجلس أُنشئ للإشراف على تنفيذ الخطة الخاصة بغزة وإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار فإن دولة فلسطين ليست عضواً في مجلس السلام نفسه كما لا يوجد تمثيل فلسطيني في هيئاته العليا وصنع القرار في حين يقتصر الحضور الفلسطيني على اللجنة الوطنية لإدارة غزة وهي هيئة تكنوقراطية فلسطينية تتولى إدارة الشؤون المدنية اليومية تحت إشراف المجلس وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن اللجنة تعمل ضمن منظومة خاضعة للسلطة الانتقالية وإشراف مجلس السلام بينما يضم المجلس دولاً عدة بينها والولايات المتحدة ودول عربية وإقليمية وقد انضم مؤخرا الكيان المحتل.
ويعني هذا الترتيب أن الفصل بين من يدير غزة ومن يملك القرار يصبح واضحاً فالفلسطينيون عبر اللجنة الوطنية يُفترض أن يتولوا جانباً من الإدارة اليومية والخدمات المدنية بينما تبقى القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن وإعادة الإعمار والتمويل وترتيبات المرحلة الانتقالية ضمن إطار يشرف عليه مجلس السلام بقيادة أمريكية وقد أكدت الخطة أن اللجنة الوطنية ذات طابع تكنوقراطي وأن دورها يرتبط بإدارة غزة إلى حين استكمال السلطة الفلسطينية إصلاحاتها والانتقال إلى مرحلة حكم فلسطيني أوسع.
وتنعكس عدم عضوية فلسطين في مجلس السلام على طبيعة التمثيل السياسي الفلسطيني إذ يظل الفلسطينيون حاضرين بوصفهم طرفاً معنياً بإدارة القطاع أكثر من كونهم طرفاً مساوياً في الهيئة التي ترسم الإطار العام لهذه الإدارة وقد أثارت هذه المسألة انتقادات من أطراف اعتبرت غياب التمثيل الفلسطيني المباشر عن المجلس إشكالاً يتعلق بالملكية السياسية للقرار ومستقبل تقرير المصير فيما أشارت تقارير إلى أن اللجنة الفلسطينية هي الجهة الوحيدة داخل الهيكل التنفيذي للمجلس التي توفر تمثيلاً فلسطينياً.
وعليه فإن الإشكالية لا تتعلق فقط بمن يدير غزة يومياً وإنما بمن يملك القدرة على تحديد مستقبلها السياسي والأمني والمؤسسي فوجود إدارة فلسطينية تكنوقراطية لا يعني بالضرورة امتلاكها القرار السيادي ما يجعل مسألة التمثيل الفلسطيني في مجلس السلام وحدود صلاحيات اللجنة الوطنية أحد أبرز الأسئلة المرتبطة بشرعية النموذج الانتقالي ومدى قدرته على التحول لاحقاً إلى إدارة فلسطينية كاملة الصلاحيات.
● إنجازات المجلس إلى حدّ الآن والتحديات التي يواجهها:
رغم الآمال التي عُلّقت على مجلس السلام بوصفه إطاراً للإشراف على تنفيذ الخطة الخاصة بغزة فإن حصيلة انجازاته حتى الآن لا تزال محدودة إذ لم يتمكن من فرض وقف إطلاق نار مستدام أو ضمان الالتزام الكامل بالهدنة القائمة فوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 أوقف العمليات العسكرية واسعة النطاق لكنه لم ينهِ الاعتداءات حيث تواصلت الغارات والقصف والعمليات العسكرية الإسرائيلية بينما لم تُنفذ بصورة كاملة الترتيبات الأساسية التي يفترض أن تقود إلى المرحلة التالية من الخطة.
وتتمثل أبرز الخطوات التي تحققت في إنشاء الهياكل الانتقالية ووضع الأطر الخاصة بإدارة غزة والتخطيط لإعادة الإعمار والتحضير لقوة دولية لتحقيق الاستقرار غير أن الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ لا يزال متعثرا فحتى سبتمبر 2026 لم تتمكن اللجنة الوطنية لإدارة غزة من دخول القطاع لمباشرة مهامها كما لم تنتشر قوة الاستقرار الدولية على الأرض فيما ظلت مشاريع التعافي وإعادة الإعمار محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات.
ويواجه المجلس في المقابل تحديات سياسية وأمنية كبيرة في مقدمتها استمرار العمليات العسكرية وعدم التوصل إلى اتفاق بشأن تسلسل نزع سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية فضلاً عن غياب آلية قادرة فعلياً على إلزام الأطراف بتنفيذ تعهداتها كما يمثل استمرار الأزمة الإنسانية وصعوبة إدخال المساعدات إلى جانب ضخامة كلفة إعادة الإعمار تحدياً إضافياً أمام قدرة المجلس على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الاستقرار. وبذلك فإن التحدي الأبرز أمام المجلس يتمثل في تحويل الإطار السياسي الذي أنشأه إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ على الأرض في ظل استمرار الخلاف حول الأمن والانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح ومن يدير غزة ومن يملك القرار النهائي بشأن مستقبلها.
-
الانتقادات الموجهة لمجلس السلام:
تتجاوز الانتقادات الموجّهة إلى مجلس السلام التساؤل عن جدوى هيئة دولية جديدة لتطال طبيعة النظام الذي يسعى المجلس إلى ترسيخه من يملك حق اتخاذ القرار ومن يراقب استخدام المال وأي قواعد تحكم التعامل مع أطراف النزاع؟ فالمجلس إذا اتسعت مهمته من الإشراف على ترتيبات غزة إلى معالجة أزمات دولية أخرى قد يتحول إلى مركز نفوذ موازٍ لمنظمة الأمم المتحدة ومصدر القلق هنا ليس مجرد وجود هيئة جديدة بل احتمال أن تُتخذ قرارات ذات آثار دولية خارج الأطر متعددة الأطراف التي تمنح الدول بدرجات متفاوتة مساحة للمشاركة والنقاش والمساءلة وإذا جرى تجاوز الأمم المتحدة أو التعامل معها بوصفها مؤسسة عاجزة ينبغي الالتفاف عليها فقد يسهم ذلك في إضعاف شرعيتها أكثر ويشجع القوى النافذة على إنشاء أطر بديلة كلما لم توافق نتائج المؤسسات القائمة مصالحها ويرى منتقدون أن هذا يهدد بتحويل العمل الدولي من قواعد ومؤسسات مشتركة إلى ترتيبات تقودها موازين القوة والتحالفات السياسية.
وتزداد هذه المخاوف بسبب الدور المحوري الممنوح للرئيس الأميركي دونالد ترامب فحين تتركز سلطة التوجيه وتحديد الأولويات في يد رئيس دولة واحدة يصبح السؤال عن طبيعة المجلس ملحّاً هل هو مؤسسة جماعية تتوزع فيها الصلاحيات وتُتخذ القرارات عبر قواعد متفق عليها أم منصة تتيح لقائد واحد التأثير الحاسم في مسارها؟ ويترتب على ذلك سؤال لا يقل أهمية من يجمع الأموال ومن يقرر أوجه إنفاقها وما المعايير التي تحكم توزيعها ومن يستطيع مراجعة الحسابات أو الاعتراض على القرارات؟ فإعادة إعمار غزة مثلاً ليست عملية تقنية محايدة إذ إن ترتيب الأولويات من السكن والبنية التحتية إلى الخدمات الصحية والتعليمية يمسّ حياة السكان وحقوقهم ومستقبلهم السياسي. وإذا لم تكن هناك ميزانية معلنة وآليات تدقيق مستقلة ومعايير واضحة للمشتريات وتوزيع العقود فقد تتحول المساعدات إلى أداة ضغط سياسي أو وسيلة لتثبيت ترتيبات مفروضة بدلاً من أن تكون استجابةً لحاجات السكان وتعبيراً عن حقهم في التعافي وإعادة بناء مجتمعهم.
ومن هنا يتصل النقد المالي بمسألة التمثيل والملكية السياسية فإدارة شؤون غزة أو إعادة إعمارها لا تكتسب شرعيتها لمجرد أن جهات دولية أو مانحين يمولونها إذ ينبغي أن يكون للفلسطينيين حضور فعلي في تحديد الأولويات والقرارات التي تخصهم وأن تُصان حقوقهم في تقرير مستقبلهم أما إذا شاركوا بصفة شكلية فيما تُصاغ القرارات الحاسمة خارج مجتمعهم فقد يُنظر إلى المجلس على أنه يفرض وصاية دولية جديدة حتى لو رُفعت باسمه شعارات الاستقرار وإعادة الإعمار كذلك فإن غياب مساءلة واضحة أمام السكان المتأثرين مباشرة يجعل من الصعب التمييز بين إدارة انتقالية محدودة وبين نظام طويل الأمد يقرر نيابةً عنهم من دون تفويض كافٍ أو أفق سياسي واضح.
ويُضاف إلى ذلك أن ميثاق المجلس يتيح للدول التي تساهم بأكثر من مليار دولار نقداً الإفلات من مدة العضوية المحددة بثلاث سنوات بما يجعل المساهمة المالية طريقاً عملياً إلى عضوية غير محددة المدة ويثير هذا الشرط خشية من أن يرتبط النفوذ والاستمرار داخل المجلس بالقدرة على الدفع فتتحول الثروة من مورد لتمويل الإعمار إلى عامل يحدد مكانة الدول في صنع القرار كما يطرح أسئلة عن تكافؤ الأعضاء هل تتساوى الدول في التأثير أم تحظى الدول القادرة على تقديم مساهمات ضخمة بحضور أطول وفرصة أكبر لتوجيه أولويات المجلس؟ وحتى مع القول إن الأموال مخصصة لإعادة إعمار غزة فإن الجمع بين التمويل والامتياز السياسي يهدد بإضعاف صورة المجلس بوصفه هيئة متعددة الأطراف قائمة على المسؤولية المشتركة ويعزز الانطباع بأن بعض مقاعده تُنال بالمال لا بالتفويض المتكافئ أو الشرعية الجماعية.
ويبرز إشكال آخر في انضمام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الصادرة بحقه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات مرتبطة بالحرب في غزة فمذكرة الاعتقال تظل إجراءً قضائياً دولياً قائماً يفرض على الدول الأطراف في نظام روما الأساسي التزامات قانونية ويجعل التعامل السياسي مع نتنياهو موضع مساءلة لذلك يرى منتقدون أن عضويته في مجلس يُفترض أن يسهم في إحلال السلام وإعادة إعمار القطاع تخلق تناقضاً بين الخطاب والممارسة كيف يمكن للمجلس أن يدّعي دعم الاستقرار واحترام القانون الدولي بينما يمنح موقعاً سياسياً بارزاً لقائد مطلوب للمحكمة بتهمة مجرم حرب؟ وقد يُفسَّر ذلك بوصفه تقليلاً من شأن القضاء الدولي أو تطبيعاً مع فكرة أن النفوذ السياسي قادر على حماية القادة من تبعات المساءلة.
ولا تقف أهمية هذه المسألة عند رمزيتها فالمصداقية عنصر أساسي في أي وساطة أو مبادرة سلام: تحتاج الأطراف المتضررة إلى الثقة بأن المجلس سيطبق معايير واحدة على الجميع وأنه لن يمنح طرفاً حصانة سياسية بينما يفرض على طرف آخر شروطاً أو قيوداً وإذا غابت هذه الثقة فقد تُستقبل قرارات المجلس باعتبارها منحازة حتى حين تتضمن خطوات نافعة من الناحية العملية كما قد يؤدي التناقض بين دعم السلام وتجاهل المساءلة إلى إضعاف فرص بناء تسوية مستدامة لأن السلام لا يقتصر على وقف القتال وإعادة الإعمار بل يرتبط أيضاً بمعالجة آثار حرب الابادة وضمان حماية المدنيين واحترام الحقوق ووجود مسار موثوق للمحاسبة.
ولا تحسم هذه الانتقادات وحدها الحكم على المجلس لكنها تجعل تقييمه مرتبطاً بأمور عملية واضحة مدى شفافية أمواله واستقلال الرقابة عليها وطبيعة مشاركة الفلسطينيين في قراراته وحدود سلطة رئيسه وعلاقته بالأمم المتحدة والتزامه بمبدأ عدم استثناء أي طرف من المساءلة فبقدر ما يجيب المجلس عن هذه الأسئلة بإجراءات معلنة وقابلة للتحقق يستطيع أن يكتسب شرعية أوسع أما إذا بقيت السلطة مركزة والرقابة محدودة والتمثيل ناقصاً فسيظل عرضةً لانتقاد جوهري مفاده أنه قد يفرض ترتيبات باسم السلام من دون أن يضمن شروط السلام العادل.
و خلاصةً لا يقتصر مجلس السلام في غزة على كونه مبادرةً لإدارة الأمن وإعادة الإعمار بل يمثّل اختبارًا أوسع لطبيعة النظام الدولي وحدود أدوار القوى الكبرى في رسم مستقبل الشعوب فمنذ طرحه ضمن خطة تقودها الولايات المتحدة، وصولًا إلى تأسيسه وانضمام دول إليه وامتناع دول أخرى عن المشاركة،أثار المجلس أسئلة جوهرية تتعلق بشرعيته ونطاق تفويضه والجهة التي تملك القرار في القطاع كما أن أهدافه المعلنة في تثبيت الأمن وتنظيم الإدارة وإعادة الإعمار تظل مرتبطةً بقدرته على ضمان تمثيل فلسطيني حقيقي واحترام إرادة سكان غزة وعدم تحويل المرحلة الانتقالية إلى وصاية مفتوحة الأمد.
وتزداد هذه الأسئلة إلحاحًا في ظل الانتقادات التي ترى في المجلس احتمالًا لإنشاء إطار ينافس الأمم المتحدة أو يضعف دورها فضلًا عن المخاوف المتصلة بإدارة الأموال وبتركيبة المجلس ومشاركة أطراف تثير جدلًا سياسيًا وقانونيًا لذلك لا يُقاس نجاح المجلس بمجرد تشكيله أو إطلاق خططه بل بما يحققه على الأرض: هل يهيئ لانتقال واضح ومحدود زمنيًا نحو إدارة فلسطينية مستقلة؟ وهل يربط إعادة الإعمار بمسار سياسي يفضي إلى إرساء سلام قائم على الحقوق والكرامة وتقرير المصير أم يكرس ترتيباً استعمارياً يوسّع دائرة الوصاية ويعيد إنتاج أسباب النزاع؟



