أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

سوريا : هل تفتح العلاقة الأمنية مع تركيا شراكة إستراتيجة دفاعية جديدة؟ 

يتقدم التنسيق الأمني بين سوريا وتركيا بخطوات ملحوظة، مع اتساع نطاقه من أمن الحدود إلى مكافحة تنظيمات مسلحة وخلايا ومطلوبين، في مسار تمتد جذوره إلى سنوات سيطرة “هيئة تحرير الشام” على مدينة إدلب الحدودية، حين سعت الأخيرة إلى فرض الأمن في مناطقها، وتقديم نفسها طرفًا قادرًا على إدارة التهديدات الأمنية وعدم نقلها إلى دول الجوار، رغم إرثها الجهادي العابر للحدود. 

بعد أن قادت “الهيئة” عملية “ردع العدوان” التي أطاحت بنظام بشار الأسد، وحلّت نفسها، وأزيلت من قوائم الإرهاب، وتولت قياداتها إدارة الدولة، دخلت سوريا مرحلة مختلفة أمنيًا، حيث انضمت دمشق إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية”، في إطار مساعٍ لضبط الأمن وإعادة بسط سلطة الدولة، وتحقيق الاستقرار، وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين.

يكتسب التغيير في سوريا وطبيعة العلاقة مع أنقرة أهمية تتجاوز البعد الثنائي، فتركيا، صاحبة أطول حدود برية مع سوريا (911 كيلومترًا)، عضو في الناتو وتشكل إحدى ركائز جناحه الجنوبي، في وقت ينظر فيه الحلف إلى  الحوار الجنوبي“على أنه مقاربة أمنية مرنة لا تعتمد نموذجًا واحدًا، وتقوم على أدوات مختلفة للتعاون مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفق طبيعة التحديات في كل منطقة. 

انطلاقًا من هذا التصاعد في العلاقات الأمنية بين دمشق وأنقرة، واستضافة تركيا قمة حلف شمال الأطلسي، واللقاءات التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع مع عدد من الرؤساء والمسؤولين على هامشها، يناقش التقرير إمكانية تطور هذه العلاقة إلى نموذج جديد للتعاون ضمن مقاربة الناتو تجاه جواره الجنوبي، على غرار صيغ الشراكة التي اعتمدها الحلف مع شركاء من خارج عضويته، والعوامل التي قد تدفع بهذا المسار والعقبات التي تحول دونه. 

أما الملف الثالث فهو التعاون العسكري وبناء القدرات، حيث يمثل مجالًا محتملًا للشراكة، في ظل حاجة دمشق إلى إعادة تنظيم قواتها وبناء جيش موحد بعد حل الفصائل المسلحة ودمجها، مشيرة إلى أن تركيا، بحكم خبرتها العسكرية ومكانتها داخل الناتو، يمكن أن تقدم دعمًا في مجالات التدريب (مناورات برية وبحرية مشتركة)، والتسليح، والتعاون في الصناعات الدفاعية، بما في ذلك الطائرات المسيرة، مع إمكانية التعاون بين البلدين في مجال التصنيع العسكري من خلال السماح لأنقرة بإنشاء مصانع داخل الأراضي السورية. 

وفي السياق العسكري ذاته، تتقاسم الحكومتان قناعةً بأن تزايد النفوذ الإسرائيلي في المنطقة يشكل تهديدًا لاستقرار البلدين، مما يجعل التعاون العسكري ضرورةً لحماية مصالحهما المشتركة، وفق الباحثة.

وقد شرعت سوريا  اليوم في مسار التعافي العسكري والاقتصادي، رغم الانتكاسات والتحديات التي واجهتها في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، لا يزال الطريق طويلًا أمام القيادة السورية الجديدة إذا ما أرادت استعادة مكانة سوريا السابقة التي تمتعت بها قبل عقود، أي دولة ذات سيادة تمتلك قدرات عسكرية تمكنها من مواجهة التحديات الداخلية كالإرهاب، والخارجية كالتهديد الإسرائيلي. 

ومن ناحية أخرى، فإن تركيا لا ترغب في خروج سوريا من دائرة نفوذها، إذ ترى في المرحلة الراهنة فرصةً قد لا تتكرر، فتعميق التعاون بين أنقرة ودمشق في إطار الاتفاقيات الأمنية والعسكرية من شأنه أن يعزز أمن تركيا ويقوي قدرتها على ترسيخ نفوذها في الشرق الأوسط. وعليه، فإن الاتفاقية الأمنية والعسكرية الشاملة وطويلة الأمد بين البلدين تخدم مصالح كل من تركيا وسوريا الجديدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق