خطاب بوتين في قمة “بريكس”: الهندسة الإستراتيجية لتفكيك الأحادية وتوازنات الحوكمة الدولية

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 13-09-2026
تعتبر التصريحات التي أدلى بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال أعمال قمة قادة مجموعة “بريكس” الثامنة عشرة في العاصمة الهندية نيودلهي، محاولة إستراتيجية متكاملة لموسكو تتجاوز الأبعاد الدبلوماسية التكتيكية.
إن دعوة الكرملين الصريحة لإعادة هيكلة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بالتوازي مع إعادة تموضع التكتلات المالية العالمية، تعكس خطة إستراتيجية موسعة تهدف إلى توظيف ثقل القوى الصاعدة لتفكيك أركان الهيمنة الغربية، وإعادة تعريف مفاهيم الشرعية والقانون الدولي في عصر يتسم بالسيولة الجيوسياسية.
الدوافع الإستراتيجية لإصلاح مجلس الأمن وتوسيع تمثيل “الجنوب العالمي“
تكتسب دعوة الرئيس الروسي لتوسيع مجلس الأمن وزيادة تمثيل دول آسيا وأفريقيا ولاتينيا أمريكا أبعاداً متعددة المستويات في الحسابات الجيوسياسية:
الاستثمار في السخط الإقليمي:
تدرك موسكو أن الركيزة الأساسية لشرعية المنظومة الأممية الحالية تعرضت للتآكل بسبب الإحباط المتزايد لدى دول الجنوب العالمي. إن المطالبة بتمثيل هذه القارة الناشئة يمنح روسيا مكاسب سياسية ودبلوماسية واسعة، عبر تقديم نفسها كـ “مُحامٍ جيوسياسي” وداعم رئيسي للعدالة التمثيلية، مما يساعدها في تجنيد أصوات الجمعية العامة في مختلف القضايا المحورية.
إعادة توزيع القوة التصويتية:
يهدف الدفع الروسي نحو إدخال أعضاء دائمين أو شبه دائمين من القوى الإقليمية الناشئة إلى كسرة التوازن التصويتي داخل المجلس، والذي تميل كفته حالياً لثلاث دول غربية دائمة العضوية الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، وفرنسا.
عقبات الاصلاح
ومع ذلك، يصطدم التحليل التفاؤلي لهذا الإصلاح بعقبات هيكلية معقدة:
تضارب مصالح القوى الدائمة:
على الرغم من إعلان روسيا والصين الدعم المبدئي لطموحات دول كالبرازيل والهند، فإن آلية تعديل ميثاق الأمم المتحدة بموجب المادة (108) تتطلب موافقة وتصديق جميع الدول الخمس دائمة العضوية، وهو ما يتعذر تحقيقه في ظل حالة الانقسام والاستقطاب بين موسكو وبكين من جهة، والعواصم الغربية من جهة أخرى.
إشكالية سلطة الفيتو:
يكمن الخلاف الجوهري في مدخلات الإصلاح؛ هل يُمنح الأعضاء الجدد حق النقض (الفيتو)، أم يكتفون بعضوية دائمة من دون هذا الحق؟ منح الفيتو لأعضاء جدد قد يؤدي – حسب بعض التحليلات – إلى شلل تام في اتخاذ القرارات، بينما تجريدهم منه يرسخ نفوذ الطبقية الأمنية القائمة.
إعادة هيكلة المنظومة المالية وحرب الأدوات الاقتصادية
إن مطالبة بوتين بإعادة هيكلة المؤسسات المالية متعددة الأطراف، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، تشير إلى وعي موسكو بأن القوة العسكرية والسياسية لم تعد كافية لوحدها لإيجاد نظام متعدد الأقطاب دون الاستقلال المالي والتجاري.
مواجهة السياسات العقابية:
يأتي هجوم بوتين على ما وصفه بـ “حروب الرسوم الجمركية، والعقوبات غير القانونية، والإملاءات الاقتصادية” رداً مباشراً على الحزم العقابية الغربية غير المسبوقة التي فُرضت على الاقتصاد الروسي. وتسعى موسكو من خلال ذلك إلى إضفاء صبغة غير شرعية على هذه العقوبات خارج إطار الأمم المتحدة، وتصويرها كأدوات حمائية تُستخدم لكبح المنافسين الجدد.
الثقل الديمغرافي والاقتصادي لـ “بريكس”:
مع اتساع نطاق العضوية ليتضمن دولاً ذات ثقل إقليمي ومالي ونفطي متصاعد (مثل الإمارات، وإيران، ومصر، وإثيوبيا، وإندونيسيا)، يمتلك التكتل قوة اقتصادية وضغطاً تفاوضياً قادراً على فرض آليات دفع بالعملات المحلية، وتطوير أنظمة مقاصة مالية بديلة تحيد من فعالية العقوبات الغربية.
تحدي الانسجام الداخلي:
بالرغم من هذا النمو، تظل قدرة “بريكس” على صياغة بديلاً مالياً متكاملاً مشروطة بتجاوز التباينات الداخلية؛ فبينما تعتمد دول كإيران وروسيا خيار المواجهة المباشرة مع النظام المالي الغربي، تسعى دول أخرى كالهند والبرازيل إلى تبني سياسة إستراتيجية متوازنة تضمن عدم القطيعة مع الغرب، وتستفيد في الوقت ذاته من مزايا التكتل الشرقي.
السجال حول ميثاق الأمم المتحدة وصراع المفاهيم القانونية
سلط تأكيد الكرملين على أن “ميثاق الأمم المتحدة يظل المصدر الأساسي للقانون الدولي” الضوء على معركة مفاهيم قانونية وسياسية وسيادية محورية بين المعسكرين:
الموقف الروسي:
يتهم الغرب باستبدال أحكام القانون الدولي القائمة على ميثاق الأمم المتحدة بمفهوم “النظام القائم على القواعد” (Rules-based Order)، وترى موسكو أن هذا المفهوم مصطلح فضفاض وغير ملزم صيغ في العواصم الغربية لفرض أجندات سياسية معينة خارج نطاق التوافق الأممي.
الموقف الغربي المضاد:
يعتبر أن استخدام روسيا للغة الميثاق ينطوي على ازدواجية في المعايير؛ إذ تتهم العواصم الغربية موسكو بانتهاك أقدس بند في الميثاق ذاته، وهو المادة (2/4) المتعلقة بحظر استخدام القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما ترى واشنطن وحلفاؤها أن الشلل الإجرائي الذي يصيب مجلس الأمن ناتج بالأساس عن استخدام موسكو المفرط لحق الفيتو لحماية مصالحها السياسية والعسكرية.
الخلاصة والآفاق المستقبلية
إن خطاب الرئيس الروسي أمام قمة “بريكس” في نيودلهي يعكس بوضوح تحول القمم الدولية والإقليمية إلى منابر أساسية لتثبيت تحولات القوة وسرديات إعادة صياغة النظام الدولي.
كما تسعى موسكو إلى الموازنة بين الحفاظ على شرعية الأمم المتحدة (حيث تمتلك مقعداً دائماً وحق الفيتو) وبين تقوية المؤسسات البديلة الموازية لتعديل الكفة المالية والجيوسياسية.
ويبقى النجاح الفعلي لهذه التوجهات مرهوناً بمدى قدرة دول “بريكس” والقوى الناشئة في الجنوب العالمي على الانتقال من حيز التوافق السياسي والبيانات الدبلوماسية المباشرة إلى تأسيس أطر تنظيمية ومالية ومؤسسية قادرة على الصمود أمام التنافس والضغط من القوى العظمى الأخرى.



