آسياأخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

ترامب وهيغسيث: إذلالٌ خارجي وتصفيةُ أكباش فداء داخلياً

يكشف هذا المقال، الذي نشره موقع “The Nation” أنه فيما يتعرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير حربه بيت هيغسيث للإذلال على يد إيران في حربهم الفاشلة عليها، يلجآن إلى التخلّص من “أكباش فداء” في الداخل. مبيناً بأن ترامب الذي يواجه رياحاً معاكسة في حرب لا تسير وفق الخطة، اتجه نحو الإقالات في صفوف جيشه، وأن هذا الأمر ليس مدفوعاً برغبة في “بناء جيش أفضل”، بقدر ما هي – كما في كثير من قرارات ترامب الأخرى- يغذيها غروره ورفضه تحمّل مسؤولية إخفاقاته.

نص المقال كاملا: ترامب وهيغسيث: إذلالٌ خارجي وتصفيةُ أكباش فداء داخلياً

قد لا يكون دونالد ترامب قادراً على كسب حرب في الخارج، لكنه وجد هدفاً أسهل لممارسة تنمّره في الداخل: جيشه الخاص.

حرب ترامب على إيران عالقة حالياً في حالة جمود لا نهائية. فما تزال إيران تسيطر بإحكام على مضيق هرمز (وبالتالي على سوق الطاقة العالمي)، كما أن المفاوضات لإنهاء النزاع متوقفة، رغم بقاء وقف إطلاق نار هش قائماً. يميل الوضع لصالح إيران، التي تعلّمت كيف تمتص قدراً كبيراً من الألم بعد عقود من العقوبات الأمريكية، وهي مستعدة لتحمّل ما هو أسوأ بكثير بدلاً من الاستسلام لترامب. وفي الوقت نفسه، كلما شددت إيران خنقها للمضيق، اقترب الاقتصاد العالمي أكثر من حافة الكارثة. حتى حلفاء يمينيون للرئيس مثل جيري بيكر، المحرر العام في وول ستريت جورنال، يعترفون بأن الحرب “تفشل”.

في مواجهة هذا الإذلال على الساحة العالمية، يلقي ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث باللوم على “أكباش فداء” من داخل آلة الحرب الأمريكية.

يوم الأربعاء، أقال ترامب بشكل مفاجئ وزير البحرية جون فيلان، وهو ملياردير مقرّب من الرئيس. ويأتي فيلان ضمن حملة تطهير عسكرية أوسع بكثير. فبحسب ما أفادت نيويورك تايمز، “قام وزير الدفاع بيت هيغسيث بإقالة أو تهميش أكثر من عشرين جنرالاً وأميرالاً خلال العام الماضي، بمن فيهم رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج في وقت سابق من هذا الشهر. كما اصطدم هيغسيث أيضاً مع وزير الجيش دانيال دريسكول بشأن الترقيات وقضايا أخرى عديدة.

وفي يوم الخميس، أقال البنتاغون جاكلين سميث، أمينة المظالم لصحيفة الجيش ستارز أند سترايبس، ويبدو أن إقالتها كانت ذات دوافع سياسية، إذ كانت تتصدى لمحاولات البيت الأبيض لإضعاف الاستقلال التحريري للصحيفة التي اتهموها بأنها “مستيقظة (woke)”.

ليس من غير المألوف أن يقوم رئيس يواجه حرباً صعبة بإقالة قادة غير ناجحين واستبدالهم بفريق جديد. فقد أعفى أبراهام لينكولن اللواء جورج ماكليلان من قيادة جيش الاتحاد عام 1862، بعدما اعتبره متردداً في مواجهة جيش الكونفدرالية. وبشكل أكثر إثارة للجدل، لكن مبرَّر، أقال هاري ترومان الجنرال المتمرّد دوغلاس ماك آرثر عام 1951.

مثل هؤلاء الرؤساء، يواجه ترامب رياحاً معاكسة في حرب لا تسير وفق الخطة. لكن أوجه الشبه تنتهي هنا. فالإقالات الأخيرة ليست مدفوعة برغبة في بناء جيش أفضل، بل—كما في كثير من قرارات ترامب الأخرى—يغذيها غروره ورفضه تحمّل مسؤولية إخفاقاته. وإذا أضفنا إلى ذلك الحماسة الأيديولوجية لهيغسيث وطموحه الشخصي، نكون أمام وضع شديد السُمّية.

تُعدّ إقالة فيلان مثالاً صارخاً على تضخم الأنا لدى ترامب. فالرئيس طالما راوده حلم تحويل البحرية إلى واجهة تعكس ذوقه الشخصي، مستلهماً ذلك جزئياً من حبه لبرنامج “فيكتوري آت سي” في طفولته، ومن ثقته المفرطة بذوقه الجمالي—وهي نفس الثقة التي تدفعه لمحاولة تحويل البيت الأبيض إلى نسخة مبتذلة من فرساي، وخططه لبناء قوس عملاق في واشنطن.

في ديسمبر الماضي، ألقى ترامب خطاباً عرض فيه رؤيته للبحرية، والتي تتضمن إنشاء فئة جديدة من البوارج تحت اسم “ترامب-كلاس”:

“ستكون هذه البوارج مجهّزة بأعلى مستويات المدافع والصواريخ، كما ستضم أسلحة فرط صوتية، ومدافع كهرومغناطيسية متطورة، وحتى ليزرات عالية القدرة… لدينا ليزرات يمكن توجيهها نحو الهدف فتقوم بمسحه بالكامل.”

وأضاف: “ستقود البحرية الأمريكية تصميم السفن، إلى جانبي، لأنني شخص ذو حس جمالي عالٍ.” كما وصف خططه بأنها إنشاء “أسطول ذهبي”.

لكن، كوزير للبحرية، اصطدم جون فيلان بواقع هذه الأحلام. فبحسب نيويورك تايمز:

  • لا تمتلك صناعة بناء السفن الأمريكية القدرة الكافية لبناء بوارج متقدمة كما يتصورها ترامب خلال السنوات المقبلة.
  • فشلت الإدارة خلال 16 شهراً في تعيين مسؤول يشرف على برامج تسليح البحرية.
  • تعرّضت القوة العاملة المدنية في البحرية لتقليصات واسعة.

بعد إعلان هذه الخطط، شكك خبراء الدفاع في إمكانية تنفيذها أصلاً.

تزايد استياء ترامب من فيلان منح هيغسيث فرصة لشن حملة ضده، ما أدى إلى تعيين هونغ كاو، وهو ضابط سابق مقرّب من هيغسيث، كقائم بأعمال وزير البحرية.

مثل هيغسيث، يُعدّ كاو مقاتلاً أيديولوجياً مرتبطاً باليمين الديني. ففي مقابلة عام 2023 مع القس شون فوخت، حذّر من “السحر”، مدعياً أنه سيطر على كاليفورنيا ويهدد فرجينيا. كلا الرجلين متحمس لمحاربة “أعداء ماغا” بقدر حماسه لمواجهة الخصوم الخارجيين.

نرجسية ترامب هي أحد مصادر عدم الاستقرار داخل المؤسسة العسكرية، لكن طموحات هيغسيث تبدو المحرك الأساسي لعملية التطهير. وقد استهدفت هذه الحملة بشكل خاص الضباط السود والنساء والمتحولين جنسياً.

حتى داخل مؤسسة محافظة كالمؤسسة العسكرية، تواجه هذه الحملة اعتراضات. فقد نقل موقع أكسيوس عن مسؤولين عسكريين وصفهم إقالة راندي جورج والجنرال ديفيد هودن بأنها “جنون”. وقال أحد الضباط: “تُقيل جنرالاً أربع نجوم يعمل على حماية القوات الأمريكية… في وسط الحرب؟”.

لكن هذه الأفعال تبدو “جنونية” فقط إذا افترضنا أن الأولوية هي كسب الحرب ضد إيران. الأرجح أن الهدف الحقيقي هو إنشاء جيش تهيمن عليه “ماغا”—وهي حرب قد يكون من الممكن كسبها طالما ظل الكونغرس عاجزاً.

السيطرة المدنية على الجيش مبدأ ديمقراطي أساسي، لكن محاسبة هيغسيث لن تتحقق إلا عبر فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وعندها يجب أن يكون التحقيق في هذه الحملة أولوية قصوى—بما في ذلك استخدام أدوات مثل العزل.

————————-

المصدر: The Nation

الكاتب: غرفة التحرير

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق