الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة: الحرب وتبدّل موازين القوة

اعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 22-09-2026
قراءة في مسار الحرب، وحدود القوة، وتغير المصالح والتحالفات، وإمكان نشوء ترتيبات إقليمية أكثر استقلالًا
ما نطرحه هنا ليس حكمًا نهائيًا على الحرب أو نتائجها، ولا محاولة للتنبؤ بنهايتها، وإنما قراءة للمشهد من خلال متابعة ما حدث ويحدث، وما يطرحه المحللون والباحثون والسياسيون من تحليلات، ومحاولة لربط تطورات الحرب بالتحولات الأوسع في النظام الدولي.
فالحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف محددة، بل أصبحت اختبارًا لحدود القوة العسكرية، ولقدرة الدول على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية، ولشكل التحالفات والمصالح التي يمكن أن تتغير تحت ضغط الحرب.
بين القوة العسكرية والحسم السياسي
دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب بأهداف متقاطعة وأخرى مختلفة. فإسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها تهديدًا أمنيًا واستراتيجيًا، بينما ترتبط الحسابات الأمريكية بالملف النووي وأمن الحلفاء والنفوذ الإقليمي، إلى جانب أهداف سياسية أوسع.
لكن استمرار الحرب يطرح سؤالًا أساسيًا: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها إنتاج حسم سياسي؟
تعرضت إيران لخسائر عسكرية واقتصادية وبشرية كبيرة، إلا أن حجم الضرر العسكري لا يعني تلقائيًا انهيار الدولة أو انتهاء قدرتها على مواصلة الصراع. وفي المقابل، فإن قدرة إيران على الاستمرار لا تعني أنها حققت انتصارًا عسكريًا على الولايات المتحدة أو إسرائيل.
الأدق أن الحرب تقدم مثالًا واضحًا على الفارق بين إلحاق الضرر بالخصم وإجباره على قبول نتيجة سياسية نهائية.
فالقوة العسكرية تستطيع تدمير منشآت وقدرات، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد شكل النظام السياسي الذي سيأتي بعد الحرب، أو ضمان الاستقرار، أو إنهاء الخصومة بين الدول.
وهذه النقطة تبدو أكثر أهمية مع استمرار الحرب وتزايد كلفتها. فقد أشار مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي إلى أن تكلفة الحرب بالنسبة للولايات المتحدة بلغت نحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس 2026، مع توقع ارتفاعها إذا استمر القتال.
وهنا يصبح السؤال ليس فقط: من يملك قدرة عسكرية أكبر؟ وإنما: من يستطيع تحمل كلفة الاستمرار، ومن يستطيع تحويل القوة إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار؟
ما الخيارات أمام واشنطن وطهران؟
مع استمرار المواجهة، تبدو أمام الطرفين مسارات مختلفة:
الأول هو العودة إلى التصعيد العسكري، وربما شن هجمات جديدة في محاولة لتحقيق حسم لم يتحقق سابقًا. لكن هذا الخيار يحمل معه احتمال ارتفاع الكلفة واتساع نطاق الحرب.
الثاني هو حدوث اختراق سياسي والعودة إلى المفاوضات، وربما الوصول إلى مذكرة تفاهم أو صيغة تسوية تتضمن تنازلات متبادلة، إذا خلص الطرفان إلى أن الاستمرار في الحرب لا يضمن هزيمة الطرف الآخر بصورة نهائية.
وهذا الاحتمال ليس افتراضيًا بالكامل في ظل وجود مؤشرات على عودة الحديث عن الدبلوماسية. فقد ساهمت التوقعات بوجود تقدم محتمل في الاتصالات الأمريكية ـ الإيرانية في انخفاض أسعار النفط في 21 سبتمبر، بحسب رويترز.
أما المسار الثالث فهو استمرار المواجهة بأدوات اقتصادية وسياسية، خصوصًا العقوبات والعزل ومحاولة تقليص قدرة إيران على الحركة الاقتصادية والدبلوماسية.
لكن العقوبات نفسها تواجه مشكلة اختلاف مصالح الدول. فالدول لا تتحرك دائمًا وفق حسابات واشنطن أو أي قوة أخرى، وإنما وفق مصالحها في الطاقة والتجارة والأمن والأسواق.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بكيفية انتهاء الحرب، بل بما إذا كانت الحرب ستغير حسابات الأطراف تجاه الحرب نفسها.
الخليج أمام معادلة مختلفة
دول الخليج هي من أكثر الأطراف تأثرًا بأي حرب واسعة في المنطقة.
فالقرب الجغرافي من إيران، ووجود منشآت الطاقة والموانئ والممرات البحرية، يجعل أمن الخليج مرتبطًا مباشرة بأي تصعيد عسكري.
وقد ظهرت بالفعل آثار هذا الاضطراب على حركة الطاقة. وتشير بيانات وتحليلات صندوق النقد الدولي إلى أن الحرب أثرت في الطاقة والتجارة والأسواق المالية، وأن اضطراب مضيق هرمز يمثل قناة رئيسية لانتقال آثار الحرب إلى الاقتصاد العالمي.
ولهذا قد تسعى دول الخليج إلى الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه إلى توسيع هامشها السياسي والأمني عبر الحوار مع إيران وتنويع علاقاتها مع الصين وروسيا وتركيا وباكستان وغيرها.
وهذا لا يعني بالضرورة نهاية التحالفات القائمة، وإنما قد يعني انتقالًا تدريجيًا من الاعتماد على طرف واحد إلى تنويع الشراكات.
وتكتسب العلاقة السعودية ـ الإيرانية أهمية خاصة في هذه المعادلة؛ فالجغرافيا تجعل إدارة الخلاف بينهما جزءًا مباشرًا من أمن الخليج، بينما يجعل أي تصعيد في الخليج أو البحر الأحمر تأثيراته تتجاوز المنطقة إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
كما أن تطورات الأسابيع الأخيرة أظهرت أن دولًا إقليمية بدأت تبحث بصورة أكبر عن ترتيبات أمنية بينها. فقد وقعت السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس اتفاق دفاع مشترك، في خطوة تعكس بحثًا عن قدر أكبر من التنسيق الإقليمي، مع تأكيد الأطراف أن الاتفاق لا يستهدف استبدال التحالفات القائمة.
وهنا تظهر فكرة مهمة: تنويع الشراكات لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع الولايات المتحدة، بل يمكن أن يعني امتلاك خيارات أوسع.
الاقتصاد… الطرف الذي لا يستطيع أحد تجاهله
ربما يكون العامل الاقتصادي من أهم العوامل التي يجب أخذها في الاعتبار عند قراءة الحرب.
فالحرب لا يدفع ثمنها طرفاها فقط.
ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الملاحة، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في التضخم والاستثمار والنمو والتنمية في دول بعيدة عن ساحة القتال.
وقد وثق صندوق النقد الدولي بالفعل آثار الحرب على الطاقة والتجارة والتمويل، محذرًا من أن استمرارها أو توسعها يمكن أن يزيد الضغوط على النمو والأسعار والأسواق المالية.
وهذا يعيد إلى الواجهة تجربة الحرب الروسية ـ الأوكرانية، التي أظهرت كيف يمكن لصراع عسكري أن يتحول إلى أزمة تتجاوز طرفي الحرب، وتؤثر في الطاقة والأمن الغذائي والتجارة والإنفاق الحكومي والاقتصاد الأوروبي والعالمي.
ومع إضافة حرب كبيرة أخرى في الشرق الأوسط إلى المشهد الدولي، يصبح السؤال أكثر اتساعًا:
إلى أي مدى يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل أزمات وحروب متزامنة؟
لا يعني ذلك أن المصالح الاقتصادية تمنع الحروب، لكنها ترفع كلفتها وتدخل بصورة متزايدة في حسابات الدول.
فالحرب قد تحقق أهدافًا عسكرية، لكنها في الوقت نفسه قد تضر بالتنمية والاستثمار والتجارة والاستقرار، ليس في الدولة المحاربة وحدها، وإنما في دول وشعوب أخرى.
المصالح قبل المحاور
من أبرز ما تكشفه هذه المرحلة أن الدول الكبرى والإقليمية تتحرك بدرجة كبيرة وفق مصالحها الخاصة.
الصين لها حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية، وروسيا لها مصالحها، وأوروبا لها أولوياتها، والولايات المتحدة لها حساباتها، وكذلك دول المنطقة.
لذلك من الصعب افتراض أن أي طرف سيخوض حربًا طويلة لمجرد التحالف أو التضامن.
وقد نشهد بدلًا من ذلك عالمًا تتداخل فيه الشراكات: تعاون أمني مع واشنطن، وتجارة واسعة مع الصين، وعلاقات مع روسيا وتركيا، وحوار مع إيران.
وهذا لا يعني نهاية التحالفات، وإنما يعني أن المصلحة الوطنية قد تصبح أكثر حضورًا من الاصطفاف الكامل خلف محور واحد.
وهذه المرونة قد تكون من أبرز سمات المرحلة المقبلة؛ فالدولة قد تختلف سياسيًا مع طرف، لكنها تتعامل معه اقتصاديًا، وقد تتعاون أمنيًا مع دولة بينما تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع دولة أخرى.
هل يمكن أن يتغير مفهوم أمن المنطقة؟
هنا تبرز فكرة تستحق النقاش: هل تحتاج دول الشرق الأوسط إلى التفكير في إطار أمني إقليمي يقلل الاعتماد الكامل على القوى الخارجية؟
يمكن أن يقوم مثل هذا الإطار على مبادئ واضحة، من بينها:
عدم الاعتداء.
احترام سيادة الدول.
عدم استخدام أراضي أي دولة للهجوم على دولة أخرى.
حماية الملاحة في الخليج والبحر الأحمر.
إنشاء آليات دائمة للوساطة وحل الأزمات.
التعاون في الأمن البحري والدفاع الجوي ومكافحة الإرهاب.
زيادة الترابط الاقتصادي بما يجعل تكلفة الحرب أعلى على الجميع.
ولا يفترض أن يكون هذا الإطار ضد الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا.
بل يمكن أن يقوم على فكرة أكثر واقعية:
علاقات واسعة مع القوى الكبرى، مع قدرة أكبر لدول المنطقة على حماية مصالحها وإدارة خلافاتها.
وفي هذا السياق، فإن التعاون السعودي ـ التركي ـ الباكستاني يستحق المتابعة باعتباره أحد المؤشرات على إمكان تطور ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، من دون افتراض أن هذه الترتيبات ستلغي العلاقات القائمة مع القوى الكبرى.
الحرب قد تغير التحالفات حتى بعد انتهائها ربما تكون هذه النقطة من أهم ما ينبغي الانتباه إليه. فالحرب لا تنتهي دائمًا بانتهاء القصف. آثارها قد تستمر في أسواق الطاقة، وفي الإنفاق العسكري، وفي العلاقات السياسية، وفي الحسابات الأمنية، وفي طرق التجارة، وفي نظرة الدول إلى شركائها وحلفائها.
وقد تدفع دولة إلى بناء قدرات دفاعية أكبر، وأخرى إلى تنويع مصادر السلاح والطاقة، وثالثة إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية، ورابعة إلى البحث عن قنوات حوار مع خصومها.
ومن هنا، فإن التحول المحتمل ليس بالضرورة خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، ولا انتقال المنطقة إلى محور صيني أو روسي، وإنما ظهور شرق أوسط أكثر تعددًا في العلاقات، وأكثر اهتمامًا ببناء هامش مستقل في القرار.
وهذا يتوافق مع ما يظهر في بعض التحركات الإقليمية الحالية، حيث تتداخل الترتيبات الأمنية مع الوساطات والعلاقات الاقتصادية، بدل أن تتحرك الدول ضمن محور واحد ثابت.
من “من يحمي المنطقة؟” إلى “كيف تحمي المنطقة مصالحها؟“
ربما يكون هذا هو التحول الفكري الأهم الذي يمكن أن تفتح الحرب باب النقاش حوله.
لسنوات طويلة، ارتبط أمن المنطقة بدرجة كبيرة بوجود قوة دولية كبرى وقدرتها على الردع والحماية.
لكن الأزمات المتتالية تطرح سؤالًا مختلفًا:
هل تستطيع دول المنطقة بناء جزء أكبر من أمنها بنفسها، مع استمرار علاقاتها بالقوى الكبرى؟
المقصود هنا ليس الاستغناء عن الولايات المتحدة، ولا استبدالها بقوة أخرى.
بل الانتقال من مفهوم «الاعتماد الكامل» إلى مفهوم «الشراكة مع امتلاك القدرة الذاتية».
فالمنطقة تستطيع أن تتعامل مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تبني علاقات مع الصين وروسيا وتركيا وباكستان وأوروبا، وتطور آلياتها الخاصة للحوار والأمن والتعاون الاقتصادي.
وفي حال تطور مثل هذا المسار، فقد تكون النتيجة نظامًا إقليميًا أكثر مرونة، لا يقوم على إلغاء التحالفات، وإنما على تعددها.
السؤال المفتوح
لا يمكن الجزم بأن المنطقة دخلت بالفعل نظامًا جديدًا، كما لا يمكن القول إن القوة الأمريكية فقدت دورها.
لكن الحرب تطرح مجموعة من الأسئلة التي يصعب تجاهلها:
هل تستطيع القوة العسكرية وحدها تحقيق نتائج سياسية مستقرة؟
هل تستطيع الدول تحمل الكلفة الاقتصادية لحروب طويلة ومتعددة الجبهات؟
هل ستدفع هذه الكلفة دول المنطقة إلى مزيد من الحوار وبناء ترتيبات أمنية إقليمية؟
هل ستتجه العلاقات الدولية نحو شراكات أكثر مرونة، تتحرك فيها الدول وفق مصالحها بدل الاصطفاف الكامل؟
وهل يمكن أن تصبح الدبلوماسية والاقتصاد والأمن الإقليمي أدوات مكملة للقوة العسكرية، بدل أن تبقى الأخيرة الأداة الرئيسية لإدارة الخلافات؟
ربما تكون حرب إيران واحدة من حلقات تحول أكبر، لا لأنها أنهت عصر القوة الكبرى، وإنما لأنها تذكّر بأن القوة العسكرية ليست العامل الوحيد في تحديد نتائج الصراعات.
ففي عالم مترابط اقتصاديًا، أصبحت الطاقة والتجارة والتنمية والملاحة وسلاسل الإمداد والتحالفات والدبلوماسية جزءًا من معادلة الأمن.
ولهذا قد يكون السؤال الأهم بعد الحرب ليس فقط:
من حقق ماذا في الميدان؟
بل: ماذا غيّرت الحرب في حسابات الدول، وفي شكل التحالفات، وفي مفهوم الأمن، وفي الطريقة التي ستدير بها المنطقة مصالحها وخلافاتها في المستقبل؟



