ورشة عمل: قراءة إيرانية في “مذكرة التفاهم لوقف إطلاق النار” مع الدكتور محمد مهدي شريعتمدار/ طهران

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية وقسم تنظيم الفعاليات بالمركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 23-06-2026
في حلقة خاصة من ورشات العمل إستضاف المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية والأمنية بتونس الدكتور محمد مهدي شريعتمدار، أستاذ العلاقات الدولية في طهران، لتقديم قراءة إيرانية معمقة للتطورات الأخيرة، وانعكاساتها على أمن المنطقة ومستقبل التوازنات الإقليمية والدولية يوم 16 يونيو 2026 عبر الفيديو كونفرونس مع الدكتور محمد مهدي شريعتمدار من طهران ومع مجموعة من الخبراء والاساتذة من العالم العربي.
فكيف تنظر إيران إلى مذكرة تفاهم وقف إطلاق النار؟
وما هي الحسابات السياسية والاستراتيجية التي تحكم موقف طهران في المرحلة القادمة؟
خلفيات وأبعاد الصراع الإيراني الأمريكي …؟
في مستهل حديثه ضمن ورشة العمل التي إحتظنها المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية الأمنية والعسكرية يوم 19 يونيو 2026 قال الدكتور محمد مهدي شريعتمدار ان الثورة الإسلامية في إيران إستطاعت أن تغير موازين القوى والمعادلة والرؤية السياسية الدولية في المنطقة والتأسيس الفعلي لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها حيث راهنت إيران على ثلاث نقاط رئيسية وهي تأسيس نطام ديني في مسرح الحياة اليومية للشعب الإيراني ولشعوب المنطقة، وذلك من خلال التأسيس لنظام حكم يعتمد على الفكر الديني ووفقا لمدرسة أهل البيت، وكان من أبرز اهدافها الدفاع عن القضية الفلسطينية في الصراع بين دولة فلسطين والكيان المحتل ودخول ما بات يعرف بمسارات مفاوضات السلام من خلال نصرة المقاومة الفلسطينية ضد الكيان المحتل، إلاّ أن هذه الرؤية السياسية الدولية جوبهت بالرفض التام من خلال شن حملات عسكرية مسعورة ضد محور المقاومة والقيادة الإيرانية إلى جانب تسليط عقوبات ضد إيران .
وقد إعتبر الدكتور أن مختلف هذه المؤامرات من قبل قوة دولية تريد لنفسها ان تكون بمثابة المهيمن الوحيد على العالم وهي أمريكا وحليفتها إسرائيل في المنطقة، وقد تصدت لها إيران منذ الهجوم المباشر خلال حرب الإثني عشر يوم وهذه التهديدات واجهتها إيران من خلال إستراتيجية الردع بناء على ثلاث نقاط رئيسية :
- قوة الردع تمثلت في تملك إيران لقوات صاروخية ومسيرات للرد على التعدي الأمريكي الصهيوني
- بناء التحالف الإقليمي “محور المقاومة “
- تأسيس تحالفات دولية ضد الهيمنة الأمريكية
كل هذا كان بدافع التصدي لطروحات الشرق الأوسط الجديد، وإعادة تشكيل إتفاقيات “سايس بيكو” في مرحلة اولى على الأقل. واليوم بات العالم يدرك جيدا ان الإدارة الأمريكية بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي حاولت فرض هيمنتها الأحادية على كل شعوب المنطقة وإستباحة سيادة الدول، وبناءا عليه فقد رسمت الإدارة الامريكية مخططا كاملا توج بشن حرب شرسة فضحتها معركة طوفات الأقصى.
وفعلا إيران تحركت لصد هذا العدوان الصهيو أمريكي بضرب القواعد والمصالح الأمريكية بما فيها الإقتصادية والعسكرية والأمنية التابعة لأمريكا والمتواجدة في منطقة الشرق الأوسط وإلى حد اليوم.
فقد إستهدفت إيران تقريبا 14 قاعدة أمريكية في إطار ردها المشروع في الدفاع عن سيادتها وفي الحقيقة لم يكن أحد يتصور هذا الرد الحاسم من إيران. ومن بين أهم ما حققته إيران هو كسر الصورة الحقيقية للعربدة الأمريكية ومواجهة عنجهيتها.
وفي مستهل حديثه عن الأهداف الامريكية بالمنطقة إعتبر الدكتور محمد مهدي شريعتمدار أن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية قد تجاوزت ساحة المعركة في الشرق الأوسط، لتلقي بظلالها على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، وأسفرت عن تحوّلات سياسية عميقة في واشنطن، وأعادت تشكيل المشهد السياسي الداخلي، وأثرت أيضا بشكل لافت في الرأي العام الأمريكي وفض السياسة الدموية لدى الشعوب .
الدكتور محمد مهدي شريعتمدار قال أنه اليوم بات من المعلن أن الأهداف التي تعمل على تحقيقها أمريكا تنبني أساسا على تحريك الفتن فما قامت به في إيران هو صناعة حركات إنفصالية من المعارضة للنظام بغاية محاولة إضعاف إيران إقتصاديا وسياسيا ولكن على الرغم من كل ذلك فقد أثبت الشعب الإيراني وحدة صفه أمام محاولة زعزعته.
هذه المخططات كانت ترمي أساسا إلى ضرب القيادة العسكرية السياسية وزعزعة النظام وإسقاطه وكل ذلك لم يحصل بل أن الإدارة الامريكية واجهت تحديا جديدا وهو التغيرات الجيوسياسية في المنطقة .
ورقات الضغط الإيرانية
لقد طرح الدكتور السؤال بخصوص التوقيت المناسبة التي تدارستها القيادة الإيرانية لإفشال الحرب وورقات الضغط التي إستعملتها؟
من بين أهم المخططات الأمريكية هو إستهداف الملف النووي اللإيراني والإستيلاء على اليورانيوم، لذلك كان الرد الذي إعتمدته إيران منذ بدأ الحرب يتمثل في إيصال رسالة لأمريكا مفادها أن الردّ سيكون أقوى بكثير ضد الصهيوأمريكي وفعلا فإن الخسائر التاريخية لكل من الكيان وأمريكا باتت محور تسليط الضوء من قبل كل وكالات الانباء العالمية وحتى المحسوبة على محور الصهيوامريكي.
ثم بعد الإنزال العسكري الأمريكي والتهديد بضرب البنى التحتية أدركت أمريكا أن عليها التوقف والدخول في مرحلة مفاوضات بما إعتبرته إيران إملاءات، لذلك إيران لم ترد على أي مقترح بما فيه الباكستاني- الصيني ثم قدمت إيران ورقتها من خلال مفاوضات باكستان، وحتى أخر ليلة من المهلة الزمنية التي حددتها الولايات المتحدة كانت إيران مستعدة على الرد الإسرائيلي بعد الهجوم على بيروت وفور ذلك إتخذت أمريكا قرارا جاء على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول التوصل إلى إعداد مذكرة تفاهام .
أبرز ما جاء في بنود مذكرة التفاهم والقراءة الايرانية…
إعتبر الدكتور محمد مهدي شريعتمدار أن إيران قد فصلت بين مسارين الحرب والملف النووي، لذلك فأول بند كان يتعلق أساسا على أنهاء الحرب وليس أي شيء آخر، ثم ضرورة إحترام سيادة التراب الإيراني وفقا لنص الاتفاقية بين أمريكا وإيران، جاءت البنود على النحو التالى:
- إعلان أمريكا وإيران وقفا فوريا ودائما للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فى ذلك لبنان والتزام أمريكا وإيران بالتفاوض على اتفاق نهائى خلال 60 يوماً ويمكن تمديد هذه المدة إذا وافق الطرفان
- الولايات المتحدة ستنهى الحصار البحرى المفروض على إيران بالكامل خلال 30 يوما بمجرد التوصل إلى اتفاق نهائى
- ستقوم الولايات المتحدة بسحب قواتها من محيط إيران فى غضون 30 يوم .
- ثم أمريكا وشركاء إقليميون يضعون خطة لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية بقيمة 300 مليار دولار
- إيران تضمن المرور الآمن للسفن التجارية مجانا فى مضيق هرمز لمدة 60 يوما .
- فى إطار الاتفاق النهائي ستنهى الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على إيران
- فيما تتعهد إيران بأنها لن تشترى أو تطور أسلحة نووية،
- الولايات المتحدة ستصدر إعفاءات لتصدير النفط الإيراني
- كذلك الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة
- وسيتم اعتماد الاتفاق النهائى بين أمريكا وإيران بقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
ما تحقق لإيران وما خسرته أمريكا ؟
في إطار طرح أسئلة التفاعل بين خبراء الورشة وإجابة على هذا التساؤل مالذي حققته إيران وما ستحققه بعد الحرب؟
إعتبر الدكتور محمد مهدي شريعتمدار أن أيران اليوم باتت أقوى من أي وقت مضى، خصوصا انها كسرت الصورة النمطية التي إعتادتها امريكا في هيمنتها وتهكمها على سيادة الدول، بل ان إيران أرغمتها على الدخول في المفاوضات بالمعنى الحقيقي وفسخ جميع الإملاءات، ثم أن هذه التداعيات الداخلية للحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية يمكن حوصلتها في 6 نقاط مترابطة لتقييم:
- مدى قدرة الولايات المتحدة على تحمل تكلفة تبعات استمرار صراع خارجي واسع النطاق، في ظل وجود ضغوط داخلية من الكونغرس على القدرة المالية ومدى التأييد الشعبي، وهما عاملان لا بد منهما لاستمرار دعم هذا الصراع.
- كذلك تشمل ضعف الاستقطاب السياسي وتغير كبير من حيث ديناميكيات الإعلام وبناء السرديات،
- التحوّلات في الرأي العام الدولي،
- الضغوط الاقتصادية ونقص الإحتياطي الإستراتيجي للنفط الأمريكي
- ثم التكلفة المتصاعدة للدفاع والأمن القومي،
- وأخيراً البعد النفسي الإستراتيجي وتداعياته على مستقبل الدور الأمريكي في العالم.
الخلاصة
في ختام حديثه قال الدكتور محمد مهدي شريعتمدار من طهران أن الموقف الإيراني كان نابعا اساسا من القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان وأن إيران من حقها المشروع الدفاع عن سيادتها.
إيران اثبتت أن لكل الشعوب الحق في قول كلمتها والتعبير عن موقفها والدفاع عن وجودها وحماية مصالحها ضد أعتى الدول في العالم لسيما ان جزء كبير من المنطقة يعاني من الحروب والعدوان .


