واشنطن والوثوقية المتآكلة: أوروبا بين الاستقلال الدفاعي ومسارات الشراكة الجديدة

أمل توكابري قسم البحوث والدراسات 07/07/2026
في خضم قمة حلف شمال الأطلسي التي احتضنتها أنقرة، برزت على نحوٍ دراماتيكي انعكاسات حرب روسيا على أوكرانيا على موازين الثقة داخل التحالف عبر الأطلسي. لم تعد النقاشات تقتصر على تعزيز الجاهزية وزيادة الإنفاق العسكري فحسب، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقى لمصداقية القيادة الأمريكية وملاءمة هندسة التحالف التقليدية في بيئة جيوسياسية متبدّلة.
يمكن قراءة القمة كمرحلة انتقالية: بعد سنوات من الوعود والالتزامات، تواجه الدول الأوروبية اختبار التحقق من مدى التزام الشريك الأكبر. التصريحات الرسمية للحلفاء، وعلى رأسهم تأكيد الأمين العام على الانتقال من الكلام إلى التنفيذ، تواكبها وقائع ميدانية وسياسية أثّرت على ثقة العواصم الأوروبية. الإجراءات الأمريكية الأخيرة — من مراجعات الوجود العسكري إلى إشارات ربط المساعدات والانتشار بشروط مالية وسيا سية، أضافت بعداً جديداً من التشكيك حول ما إذا كانت واشنطن تعامل الحلفاء كشركاء متكافئين أم كخزّان احتياطي للأمن الأمريكي.
هذا الانقسام في التقييم لا ينبع من فراغ. أوروبا، منذ نهاية الحرب الباردة، اعتمدت جزئياً على قدرة الولايات المتحدة على التدخّل عند الأزمات الكبرى، كما ظهر في البوسنة أو في الردّ الاستراتيجي على الغزو الروسي لأوكرانيا. لكنّ ثمن هذا الاعتماد ظهر الآن في استيقاظ أوروبي يطالب بقدرات دفاعية وطنية وإقليمية أقوى. نتائج عملية إعادة التصنيف هذه بدأت تتجسّد في ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وتوسع التعاون الصناعي العسكري داخل أوروبا، وسعي دولٍ كبرى لصياغة أطر أمنية أقل تبعية للقرار الأمريكي.
المفارقة تكمن في أن أوروبا أصبحت، عملاً بالتحليلات المتداولة، الشريك القوي الذي طالبت به واشنطن لسنوات، بينما أثّرت سلوكيات الإدارة الأمريكية على تآكل الثقة. هذا الانهيار الثقة لا يقتصر على تصريحات سياسية؛ بل يترجمه سلوكٌ عملي: تردد بعض العواصم في الانخراط الكامل في عمليات مُنسّقة بقيادة الولايات المتحدة، قيود مؤقتة على استخدام قواعد أو أجواء وطنية أمام قوات أمريكية، وارتفاع أصوات داخلية تدعو إلى تنويع الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية بعيداً عن الاعتماد الأحادي.
انعكاسات هذا المسار متعددة ومتشابكة. على المدى القصير، فإن قدرة الناتو على الحفاظ على تماسكه العملياتي قد تتأثر إذا استمر شعور العواصم الأوروبية بأن مصالحها لا تُؤخذ في الاعتبار بشكل جدي. على المدى المتوسط، فإن تحوّل أوروبا إلى قوة دفاعية أكثر استقلالية يعيد رسم أدوار التحالف: بدلاً من أن تكون أوروبا “راكباً مجانياً” كما وصفت بعض الخطابات، قد تتحول إلى عمود استراتيجي قادر على تقاسم أعباء الدفاع مع واشنطن بمعادلة جديدة أكثر توازناً. وفي السيناريو الأسوأ، قد يدفع استمرار تآكل الثقة بعض الدول إلى استكشاف مسارات بديلة في السياسة الخارجية، إما بتعميق الروابط الاقتصادية مع قوى صاعدة أو بظهور خيارات سياسية داخلية تغيّر من ملامح الانتماء الاستراتيجي.
لكن التحوّل الأوروبي ليس آليًا ولا يخلو من القيود. بناء قاعدة صناعية دفاعية مستقلة يتطلب عقودًا من الاستثمار السياسي والاقتصادي والتقني، ويتقاطع مع مصالح صناعات دفاعية تقليدية وشبكات لوجستية معقدة. كما أن ثمة محاذير جيوسياسية: انسحاب أمريكي كامل أو تراجع طويل الأمد قد يفتح ثغرات استغلتها روسيا أو قوى إقليمية أخرى، ما يستدعي تنسيقًا دقيقًا لتجنب مفارقات أمنية تتسبّب في نتائج عكسية.
المطلوب الآن يتجاوز موازنة ميزانيات الدفاع. يحتاج التحالف إلى تجديد قاعدة الثقة عبر ممارسات عملية: إشراك الحلفاء الأوروبيين في صوغ السياسات الكبرى — بما في ذلك مفاوضات السلام والمبادرات الاستراتيجية — والاتفاق على آليات تنسيق للانسحابات أو إعادة الانتشار تضع مصالح الأمن الجماعي في المقدمة، ودعم تصنيع دفاعي أوروبي متكامل يكمّل ولا يستبدل الشراكة عبر الأطلسي. هكذا يمكن للولايات المتحدة أن تعزز قيادتها ليس عبر فرض القرار، بل عبر بناء شراكة متساوية تُضفي على التحالف صلابة سياسية وعسكرية طويلة الأجل.
ختامًا، إن إعادة توازن العلاقة عبر الأطلسي ليست مجرد ترف أيديولوجي بل ضرورة عملية. في عالم تتبدّل فيه التحالفات بسرعة، القدرة على تحويل الخلافات إلى شراكات بعيدة عن التبعية ستحدّد ما إذا كان الناتو سيظل محور الأمن الأوروبي والعالمي أم يفقد تدريجيًا دورَه المركزي لصالح ترتيب إقليمي متعدد الأقطاب. واشنطن أمام خيار استراتيجي: أن تُسدّد ثمن قيادة محترمة عبر الشراكات الحقيقية، أو أن تكسر ثقةٍ تم بناؤها عقوداً؛ والنتيجة ستُعيد رسم ملامح الأمن الدولي لعشرات السنين المقبلة.



