أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

هندسة الائتلاف الإسرائيلي وحسابات واشنطن الإقليمية

المقدمة

كشفت النتائج النهائية لانتخابات الكنيست الـ 26 عن تكريس شلل بنيوي في البيئة السياسية الإسرائيلية، بعدما أخفق كلا التكتلين الأساسيين في حسم النصاب الائتلافي المطلق 61 مقعدا من أصل 120. ورغم تسجيل نسبة مشاركة تعكس حالة استقطاب مجتمعي حادة، فإن خريطة توزيع المقاعد البرلمانية كشفت عن معادلة معقدة:

تكتل اليمين والشركاء الدينيين 53 مقعدا: يتصدره حزب الليكود بـ 27 مقعدا، يليه كل من شاس6 مقاعد، يهدوت هتوراه7 مقاعد، الصهيونية الدينية6 مقاعد، وعظمة يهوديت7 مقاعد.

تكتل المعارضة الصهيونية 48 مقعدا: تقوده قائمة “يشار” بزعامة غادي آيزنكوت بـ 21 مقعدا، إلى جانب قائمة “بيحد” 12 مقعدا، وحزب “الديمقراطيون”8 مقاعد، وحزب “إسرائيل بيتنا” 7 مقاعد.

الكتل العربية 19 مقعدا: تتوزع بين القائمة المشتركة 11 مقعدا والقائمة الموحدة  راعم 8 مقاعد.

إن هذه المعادلة رَهَنَت السلطة التنفيذية في تل أبيب لمسارات تفاوضية شديدة التعقيد. ولم تقتصر تداعيات هذه النتيجة على تعميق أزمة الحوكمة الداخلية، بل امتدت لتشكل نقطة اختبار حاسمة للروابط الاستراتيجية مع الولايات المتحدة؛ إذ تضع هذه التوازنات المأزومة صانعي القرار في واشنطن أمام بيئة سياسية إسرائيلية تتسم بضعف التماسك التنفيذي، مما يلقي بظلال كثيفة من عدم اليقين على مستقبل ترتيبات الأمن الإقليمي، وتنسيق الملفات العسكرية المتقدمة، وإدارة التفاعلات الجيوستراتيجية في المنطقة.

تكمن الإشكالية المركزية في وجود تعارض بنيوي بين مقتضيات الحسم السياسي الداخلي لتشكيل الائتلاف الحكومي في تل أبيب من جهة، والاشتراطات الاستراتيجية للتقييم الأمريكي المقابل من جهة أخرى.

فمن منظور الأمن القومي الإسرائيلي، يتطلب الخروج من حالة الانسداد إما الذهاب نحو هندسة شراكة طوارئ واسعة تفرض تنازلات سياسية قاسية على أطرافها، أو تشكيل ائتلافات ضيقة تستنزف قدرة الدولة عبر المزايدات القومية والقطاعية.

 وفي المقابل، تدرك دوائر التقدير الاستراتيجي في واشنطن أن وجود قيادة إسرائيلية مأزومة أو خاضعة لابتزاز القوى الراديكالية سيكبح قدرة الإدارة الأمريكية على تشكيل ترتيبات أمنية مستدامة، ويعيق مسارات التنسيق الإقليمي، فضلا عن رفع مخاطر لجوء القيادة الإسرائيلية لخيارات أحادية تصعيدية على الجبهات المختلفة لتصريف أزمتها السياسية الداخلية.

بناء عليه، يطرح هذا التقدير السؤال المحوري:

كيف ستنعكس مسارات هندسة الحكومة الإسرائيلية القادمة على حسابات التقييم الاستراتيجي الأمريكي؟

 وما هي قدرة واشنطن على التأثير في صياغة الائتلاف القادم بما يضمن صيانة مصالحها الأمنية والإقليمية العليا؟

التحليل التفصيلي لمسارات تشكيل الحكومة

مسار حكومة الطوارئ والائتلاف الموسع الليكود – يشار/بيحد

الآلية التفاوضية: تعتمد على التوصل إلى اتفاق تناوب على رئاسة الوزراء بين الليكود وكتلة آيزنكوت “يشار”، مع تحييد المكونات اليمينية الأكثر راديكالية مثل “عظمة يهوديت” و”الصهيونية الدينية”.

الديناميات الأمنية: تدعم المؤسسة العسكرية والأمنية هذا المسار بقوة لمنع الشلل التنفيذي وضمان تماسك هيكلية هيئة الأركان العامة ومجلس الأمن القومي أثناء إدارة الأزمات الإقليمية.

المعوقات البنيوية: انعدام الثقة العميق نتيجة التجارب الائتلافية السابقة، والمطالبة باشتراطات قيادية تمس الحصانة القضائية وهيكلية المؤسسات السيادية.

مسار استقطاب الانشقاقات الائتلاف اليميني الممتد

الآلية التفاوضية: يركز نتنياهو على شق صفوف المعارضة الصهيونية لاستقطاب 8 نواب مفتاحيين لتكملة كتلة الـ 53 مقعداً للوصول إلى أغلبية الـ 61.

الديناميات السياسية: الحفاظ على هيكلية اليمين التقليدي وتأمين شبكة أمان تشريعية لقوانين التجنيد والتعديلات القضائية بالتنسيق مع الأحزاب الحريدية (“شاس” و”يهدوت هتوراه”).

المعوقات البنيوية: الارتفاع الحاد في فاتورة التنازلات السياسية التي يطلبها المنشقون المحتملون، وحالة الردع الاجتماعي والسياسي الممارسة ضد أي عضو كنيست يقدم على شق الكتلة.

مسار حكومة الأقلية وشبكة الأمان العربية

الآلية التفاوضية: تشكيل حكومة مركز-يسار تقودها المعارضة 48 مقعدا بالاعتماد على دعم برلماني خارجي من القوائم العربية “المشتركة” بـ 11 مقعدا و”راعم” بـ 8 مقاعد دون مشاركتهما المباشرة في الحقائب الوزارية.

الديناميات: الهدف الأساسي هو إقصاء الليكود من رأس السلطة التنفيذية وإعادة صياغة الأولويات السياسية.

المعوقات البنيوية: الرفض القاطع من الأجنحة اليمينية داخل تكتل المعارضة (مثل “إسرائيل بيتنا”) للاعتماد على الأصوات العربية، مما يجعل هذه الحكومات غير قادرة على الصمود أمام التشريعات الأمنية وتصويت حجب الثقة.

مسار الفشل والتوجه إلى انتخابات جديدة

الآلية التفاوضية: انسداد قنوات التفاوض وانقضاء المهل الدستورية المنصوص عليها لرئيس الدولة.

الديناميات: بقاء بنيامين نتنياهو على رأس حكومة تصريف أعمال موقتة تتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة دون رقابة برلمانية محكمة من الكنيست.

المعوقات البنيوية: تعميق الشلل الاقتصادي وتآكل قدرة الردع العسكري الإستراتيجي نتيجة غياب الميزانيات المعتمدة وخطط التزود التسليحي طويلة الأجل.

تُظهر المؤشرات التفاوضية رجحان كفة “مسار حكومة الطوارئ/التناوب” مدفوعا بضغط مباشر من المؤسسة العسكرية والأمنية لمنع الشلل التنفيذي. ويظل مسار الانشقاقات الفردية الخيار البديل والأكثر خطورة لنتنياهو لتفادي التناوب، بينما تمثل حكومة الأقلية خياراً غير قابل للاستدامة العسكرية والسياسية، مما يترك خيار الانتخابات الجديدة كعنصر ضغط تكتيكي لإجبار المعارضة على التفاوض.

التقييم الاستراتيجي للجانب الأمريكي

ترتكز قراءة مجتمعات الاستخبارات ومجلس الأمن القومي الأمريكي حول ثلاثة أبعاد رئيسية:

  • أولوية التماسك القيادي وتجنب الفراغ التنفيذي

ترى واشنطن أن وجود حكومة وحدة موسعة تتمتع بمرونة سياسية يمثل الخيار الأفضل لصيانة التنسيق الأمني. وتُقيّم الدوائر الأمريكية أن الحكومة الضعيفة أو المأزومة ستكون غير قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة بشأن خطط الاستقرار الإقليمي وإدارة ملفات الحدود ومراحل ما بعد الأزمات.

  • تقييم المخاطر وتجنب التصعيد الأحادي

تشير التقديرات الأمريكية إلى أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تجاه ملفات الردع الإقليمي تمثل ثابتاً لا يتغير بتغير رئيس الحكومة. إلا أن المخاوف الاستخباراتية الأمريكية تتركز في احتمال استغلال حكومة تصريف أعمال هشة لقرارات عسكرية خاطفة كأداة لإعادة فرض واقع سياسي داخلي وتأجير الأزمات إلى الخارج.

  • الاشتراطات الإقليمية ومسارات التطبيع

تؤكد واشنطن أن توسيع شبكات التكامل الإقليمي واستكمال مسارات السلام يتطلبان حكومة إسرائيلية قادرة على تقديم التزامات واضحة بعدم اتخاذ إجراءات أحادية لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية. وتعتبر واشنطن أن أي ائتلاف يقوده اليمين المتشدد سيمثل عقبة أمام التوصل إلى هذه التفاهمات.

تمارس الإدارة الأمريكية ضغطا ناعما وموجها نحو تشكيل حكومة مركزية موسعة، حيث تُسقِط واشنطن من حساباتها خيار التعامل المريح مع ائتلاف يميني متطرف، وترى فيه تهديداً لخططها الإقليمية. وتُشير التقديرات إلى أن واشنطن ستستخدم أدوات التنسيق العسكري والغطاء الدبلوماسي للتأثير غير المباشر على اتجاهات الهندسة الائتلافية دون الصدام المباشر مع قواعد اللعبة السياسية في تل أبيب.

تحتم المرحلة الانتقالية الراهنة تفعيل شبكات الرصد المباشر للتغيرات الهيكلية داخل قيادة الجيش والأجهزة السيادية في تل أبيب، حيث ستكون هذه التغييرات المؤشر الأولي على هوية التفاهمات السياسية المغلقة قبل إعلانها رسميا، مع ضرورة الحذر من قرارات عسكرية خاطفة قد تتخذها حكومة تصريف الأعمال لفرض أمر واقع تفاوضي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق