من نتنياهو إلى المحكمة: ترامب يصعّد المواجهة مع الجنائية الدولية… لماذا الآن؟

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الامنية والعسكرية 21-09-2026
تستعد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانتقال إلى مرحلة جديدة في مواجهتها مع المحكمة الجنائية الدولية، عبر إجراءات عقابية تستهدف المحكمة كمؤسسة، وليس فقط بعض قضاتها ومدعيها وموظفيها، في خطوة يمكن أن توسع نطاق الضغط الأمريكي من استهداف أفراد محددين إلى محاولة تقييد البيئة المالية والتقنية والخدمية التي تعتمد عليها المحكمة في جزء من نشاطها.
وبحسب معلومات أوردتها وكالة “رويترز” بالأمس 20 سبتمبر2026، أعدت الإدارة الأمريكية بالفعل عقوبات على المحكمة بأكملها، مع بقاء توقيت الإعلان النهائي غير محسوم، فيما نقلت الوكالة عن مصادر مطلعة أن القرار قد يُحسم خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أو في الفترة المحيطة بها.
وهنا تكمن أهمية التطور: واشنطن لم تعد تكتفي بمعاقبة أفراد ترى أنهم مسؤولون عن قرارات المحكمة، بل تبحث، وفق المعطيات المتاحة، في استهداف المؤسسة نفسها والجهات التي تتعامل معها.
لكن هذا لا يعني أن المحكمة ستتوقف تلقائياً، ولا أن الولايات المتحدة تستطيع قانونياً إلغاء وجودها أو إنهاء تمويلها الدولي. فالمحكمة مؤسسة قائمة بموجب نظام روما، وتضم 125 دولة طرفاً، بينما لم تنضم الولايات المتحدة إلى النظام أصلاً. ولذلك فإن أثر العقوبات الأمريكية سيكون مرتبطاً بدرجة اعتماد المحكمة على النظام المالي والتجاري والتكنولوجي الأمريكي، وعلى الشركات والمؤسسات التي يمكن أن تتأثر بالقانون الأمريكي.
من معاقبة الأشخاص إلى الضغط على المؤسسة
ففي فبراير 2025، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً أنشأ إطاراً للعقوبات ضد أشخاص مرتبطين بإجراءات المحكمة تجاه مواطنين أمريكيين أو مواطني دول حليفة للولايات المتحدة. وسمّى الأمر مذكرات التوقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، إضافة إلى التحقيقات المتعلقة بأفراد أمريكيين، باعتبارها من الأسباب التي دفعت الإدارة إلى التحرك.
ومنذ ذلك الحين، اتسع نطاق العقوبات تدريجياً. وفي أغسطس 2026، فرضت واشنطن عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني والمدعي السنغالي عبد الله سييه، في أحدث جولة من العقوبات الفردية قبل الانتقال المحتمل إلى استهداف المحكمة نفسها. وبذلك يمكن قراءة المسار الأمريكي باعتباره انتقالاً تدريجياً من: بدأ باستهداف أفراد والضغط على مسؤولي المحكمة كذاك محاولة عزل المحكمة دبلوماسياً ونهائيا استهداف المحكمة كمؤسسة. وهذا التطور أكثر أهمية من مجرد إضافة أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات.
إسرائيل في قلب الخلاف
لا يمكن فهم التصعيد الأمريكي من دون التوقف عند ملف إسرائيل. فالإدارة الأمريكية تطالب المحكمة بالتراجع عن إجراءاتها بحق مسؤولين إسرائيليين، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو، كما تريد إنهاء أو تعطيل المسار المرتبط بالتحقيقات في أفعال القوات الأمريكية في أفغانستان. وهذه النقطة وردت بوضوح في أحدث التقارير حول العقوبات المرتقبة.
واللافت أن الرئيس ترامب نفسه قال في يوليو، خلال اجتماع في كامب ديفيد، إن التحرك الأمريكي ضد المحكمة لا يتعلق بالدفاع عنه شخصياً، مشيراً بصورة مباشرة إلى نتنياهو وإلى مسؤولين آخرين. وهذا التصريح مهم لأنه يقدم، من داخل الإدارة نفسها، دليلاً واضحاً على أن حماية المسؤولين الإسرائيليين من إجراءات المحكمة تمثل أحد دوافع المواجهة الأمريكية.
لكن من الضروري في الوقت نفسه عدم اختزال السياسة الأمريكية تجاه المحكمة في إسرائيل وحدها. فواشنطن تملك اعتراضاً أوسع يتعلق بمبدأ اختصاص المحكمة على مواطنين ومسؤولين من دول ليست أطرافاً في نظام روما. وهذا الاعتراض ظهر صراحة في الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب عام 2025، والذي اعتبر أن المحكمة تجاوزت، من وجهة نظر الإدارة، حدود اختصاصها تجاه الولايات المتحدة وحلفائها. لذلك فإن إسرائيل تمثل أحد المحاور المركزية في النزاع، لكنها ليست المحور الوحيد.
الانتخابات النصفية تضيف بعداً سياسياً
القرار المرتقب يأتي أيضاً في توقيت سياسي أمريكي بالغ الحساسية، قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر 2026. وهنا يجب التمييز بين الوقائع والتقدير السياسي، لا توجد وثيقة علنية تثبت أن ترامب قرر استهداف المحكمة حصراً بهدف خدمة حساباته الانتخابية أو إرضاء جماعة ضغط بعينها. وبالتالي فإن القول إن العقوبات “صُممت للانتخابات” سيكون تجاوزاً لما تسمح به الأدلة المتاحة. لكن توجد في المقابل مؤشرات موثقة على أن قضية إسرائيل أصبحت أكثر حضوراً في السياسة الانتخابية الأمريكية خلال دورة 2026، وأن جماعات مؤيدة لإسرائيل تنخرط بقوة في عدد من السباقات الانتخابية.
فقد وثقت وكالة “أسوشيتد برس” إنفاقاً يقارب 30 مليون دولار من جانب مجموعات مرتبطة بـAIPAC في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ميشيغان، وهو أكبر استثمار منفرد للجماعة في سباق واحد وفق التقرير.
كما أفادت “رويترز” في مايو بأن قضية النفوذ السياسي لـAIPAC أصبحت موضوعاً انتخابياً داخل الحزب الديمقراطي، بالتزامن مع الانقسامات المتزايدة حول سياسة واشنطن تجاه إسرائيل قبل انتخابات نوفمبر.
وفي سبتمبر، توسع هذا الصراع إلى الانتخابات العامة أيضاً، مع دخول مجموعات مؤيدة لإسرائيل في مواجهة انتخابية مباشرة حول عدد من المقاعد التنافسية.
هذه المعطيات تثبت أن العقوبات ضد المحكمة اتُخذت لإرضاء اللوبي المؤيد لإسرائيل وتجعل من المشروع سياسياً
لماذا الآن؟
التوقيت نفسه يستحق الانتباه، فالإدارة الأمريكية بدأت في يوليو حملة دبلوماسية لعزل المحكمة، بحسب “رويترز”، ودعا وزير الخارجية ماركو روبيو دولاً أخرى إلى الانسحاب منها. ثم انتقلت واشنطن في أغسطس إلى فرض عقوبات جديدة على شخصيات قيادية في المحكمة. والآن يجري التحضير، وفق المصادر نفسها، لاستهداف المحكمة بكاملها. أي أن التصعيد لم يظهر فجأة في سبتمبر، بل جاء ضمن مسار متدرج ومقصود.
وتزامن الانتقال إلى مرحلة العقوبات المؤسسية مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تكون المحكمة وقضايا العدالة الدولية حاضرة في النقاش الدبلوماسي الدولي. ولهذا فإن توقيت الإعلان، إذا تم خلال هذه الفترة، ستكون له دلالة سياسية تتجاوز الجانب المالي للعقوبات.
ما الذي يمكن أن تتأثر به المحكمة؟
بحسب المعلومات التي أوردتها “رويترز”، فإن العقوبات الشاملة، إذا اعتمدت بصيغتها المقترحة، يمكن أن تمنع المواطنين والشركات الأمريكية من تقديم الأموال أو السلع أو الخدمات إلى المحكمة من دون ترخيص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية. وقد يمتد الأثر إلى خدمات تكنولوجيا المعلومات والتأمين والتعاقد مع محققين وإجراء معاملات مالية ودفع مستحقات موظفين أمريكيين يعملون مع المحكمة. كما أن البنوك والمؤسسات المالية قد تتخذ إجراءات احترازية أوسع من النص القانوني نفسه بسبب اعتمادها على النظام المالي الأمريكي.
وهنا ينبغي الحذر من عبارة “تجميد حسابات المحكمة” إذا استخدمت بصورة مطلقة. فالأدق هو القول إن العقوبات قد تقيد وصول المحكمة إلى بعض الخدمات والمعاملات والموارد المرتبطة بالولايات المتحدة، وقد تدفع مؤسسات مالية وشركات دولية إلى الابتعاد عن التعامل معها خوفاً من التعرض للعقوبات الأمريكية.
أما مدى تأثير ذلك على الميزانية العامة للمحكمة وقدرتها على مواصلة تحقيقاتها، فسيتوقف على الصيغة النهائية للعقوبات، والاستثناءات والتراخيص التي ستصدر معها، وقدرة الدول الأطراف على توفير بدائل.
العقوبات لا تعني نهاية المحكمة
من المهم كذلك عدم تصوير المحكمة باعتبارها مؤسسة تعتمد مالياً على واشنطن. الولايات المتحدة ليست دولة طرفاً في نظام روما، وبالتالي لا تمول المحكمة بوصفها دولة عضواً فيها. ويبلغ عدد الدول الأطراف في النظام حالياً 125 دولة. وفي 2026 أخطرت خمس دول هي النيجر وبوركينا فاسو ومالي وفنزويلا وتشاد الأمم المتحدة بقرارات انسحابها، على أن تدخل هذه الانسحابات حيز التنفيذ بعد سنة من الإخطار وفقاً للمادة 127.
وهذا يعني أن قدرة واشنطن على الضغط لا تقوم على التحكم المباشر في ميزانية المحكمة، وإنما على النفوذ الواسع للنظام المالي والتكنولوجي والخدماتي الأمريكي. ومن هنا فإن المعركة الحقيقية قد تكون في مكان آخر: هل تستطيع المحكمة والدول الداعمة لها بناء قنوات مالية وتقنية بديلة تقلل من أثر العقوبات الأمريكية؟
تصعيد قانوني أم صراع على النظام الدولي؟
المواجهة الحالية تتجاوز الخلاف حول شخص نتنياهو أو شخص كريم خان، بل تمس سؤالاً أعمق يتعلق بحدود اختصاص القضاء الجنائي الدولي. فواشنطن تقول، بصورة واضحة، إن المحكمة لا ينبغي أن تمارس اختصاصها على مواطنين أمريكيين أو مواطني دول حليفة لم تقبل اختصاصها. أما المحكمة والدول المؤيدة لها فتستند إلى نظام روما وتفسيرها لاختصاصاتها القضائية، وترى أن عدم عضوية دولة ما في المحكمة لا يحسم بالضرورة كل مسائل الاختصاص المتعلقة بجرائم تقع ضمن نطاق النظام. وهنا توجد قضية قانونية وسياسية حقيقية لا يمكن اختزالها في رواية طرف واحد. والأهم أن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي واجهت المحكمة أو اعترضت على قراراتها؛ كما أن المحكمة نفسها ليست فوق النقد أو الخلاف القانوني. ولذلك فإن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت واشنطن تحب المحكمة أو تكرهها، وإنما ما الحدود التي ينبغي أن تقف عندها المؤسسات القضائية الدولية عندما تتعامل مع دول لم تنضم إلى نظامها الأساسي؟ ماذا تعني الخطوة بالنسبة إلى المحكمة؟ إذا اعتمد ترامب العقوبات الشاملة، فإن الأثر الأول سيكون عملياً أكثر منه رمزياً.
المحكمة ستواجه بيئة أكثر صعوبة في التعامل مع بعض الشركات والخدمات المرتبطة بالولايات المتحدة، وقد تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن بدائل في مجالات التمويل والتكنولوجيا والتأمين والتوظيف والخدمات اللوجستية. لكن التأثير السياسي قد يكون أوسع من ذلك، فواشنطن لا تضغط فقط من خلال العقوبات الاقتصادية، وإنما تحاول، بحسب تصريحات روبيو والتقارير الأخيرة، دفع دول أخرى إلى الابتعاد عن المحكمة. وإذا نجحت الولايات المتحدة في تحويل الخلاف من نزاع ثنائي إلى ضغط متعدد الأطراف، فقد تواجه المحكمة تحدياً سياسياً أكبر من الخسائر المالية المباشرة.
وفي المقابل، فإن الضغط الأمريكي قد يدفع الدول الأطراف إلى مزيد من التنسيق لحماية المحكمة، وهو ما يعني أن النتيجة قد تكون عكسية جزئياً: بدلاً من إنهاء نفوذ المحكمة، قد يؤدي استهدافها إلى تعميق الانقسام بين الولايات المتحدة والدول التي ترى في نظام روما إحدى أدوات العدالة الدولية.
الخلاصة
العقوبات الأمريكية المرتقبة على المحكمة الجنائية الدولية ليست قراراً منفصلاً عن سلسلة من الإجراءات بدأت منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض. فالمسار واضح: عقوبات على مسؤولين، ثم عقوبات على قيادات في المحكمة، ثم حملة دبلوماسية لمحاصرتها، والآن إعداد عقوبات تستهدف المحكمة كمؤسسة.
وفي خلفية هذا التصعيد يوجد ملفان أساسيان: الملاحقات التي تطال مسؤولين إسرائيليين، والتحقيقات المرتبطة بمواطنين وأفراد من القوات الأمريكية.
أما اقتراب انتخابات التجديد النصفي فيضيف طبقة سياسية أخرى إلى المشهد، خصوصاً مع تنامي حضور ملف إسرائيل في التمويل الانتخابي والصراع داخل عدد من الدوائر الأمريكية. غير أن الأدلة المتاحة لا تسمح بالجزم بأن العقوبات اتُخذت أساساً لأسباب انتخابية أو استجابة مباشرة لضغط جماعة ضغط محددة.
الأكثر دقة هو النظر إلى القرار المرتقب باعتباره تقاطعاً بين اعتبارات قانونية واستراتيجية أمريكية، والحماية السياسية لإسرائيل، وحسابات السياسة الداخلية، وصراع أوسع حول حدود القضاء الجنائي الدولي، وبذلك فإن القضية الحقيقية ليست فقط: هل ستتمكن واشنطن من الضغط على المحكمة؟
بل أيضاً: هل تستطيع المحكمة أن تحافظ على استقلالها عندما تصطدم قراراتها بمصالح قوة كبرى، وهل ستقبل الدول الأطراف بتحمل الكلفة السياسية والمالية للدفاع عنها؟
هذا هو الاختبار الذي قد يبدأ فعلياً إذا انتقلت إدارة ترامب من إعداد العقوبات إلى تنفيذها.



