أخبار العالمإفريقيابحوث ودراسات

مالي: من هي الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” الطارقية وما هي مطالبها؟

تقديم :

تعود حالة عدم الاستقرار إلى شمال مالي مع تجدد المواجهات بين الجيش المالي وبعض الحركات الجهادية والطارقية المسلحة، في سياق انهيار تدريجي لمسار اتفاق الجزائر 2015 وتصاعد العمليات العسكرية منذ 2023. ويأتي هذا التصعيد بعد سنوات من التهدئة النسبية التي أعقبت الاتفاق، قبل أن تتراجع بنوده عمليا مع تخلي السلطات العسكرية الجديدة عن التزاماتها عام 2024. الأمر الذي أعاد ملف الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” وبقية الفصائل المسلحة إلى واجهة المشهد الأمني في منطقة الساحل. فمن هي حركة أزواد؟

عادت الاضطرابات إلى منطقة شمال مالي بعد ما قام مقاتلون من الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” الطارقية، إلى جانب جماعات مسلحة محلية وأطراف مرتبطة بتنظيمات جهادية في بعض مناطق النزاع، بالسيطرة على مدينة كيدال إثر تمكنهم من دحر القوات الحكومية المالية المدعومة من قوات روسية.

 فلقد طلب المرتزقة الروس من مقاتلي حركة تحرير “أزواد” فتح ممر أمن لهم لمغادرة كيدال والمناطق المحيطة بها، وهذا ما حدث فعلا. إلى أن جميع المقاتلين المدعومين من قبل موسكو “غادروا المنطقة التي وقعت تحت أيدي مقاتلي ’أزواد‘ الطوارق”. فمن هي هذه الحركة ومتى تأسست وماهي أهدفها ومن يدعمها؟

– من هي الحركة الوطنية لتحرير “أزواد”؟

تأسست حركة “أزواد” (الحركة الوطنية لتحرير أزواد) في أكتوبر 2011 إثر اندماج حركتين: الحركة الوطنية لأزواد والحركة الطارقية لشمال مالي. الحركتان قررتا إنشاء تنظيم سياسي طارقي جديد يهدف إلى توحيد مطالب جميع الطوارق في منطقة “أزواد”.

وتبلغ مساحة منطقة “أزواد” حوالي مليون كيلومتر مربع. تحدها الجزائر من الشمال والشمال الشرقي، وموريتانيا من الغرب، والنيجر من الشرق، ومالي وبوركينا فاسو من الجنوب.

يشكل الطوارق شعبا قائما بذاته. ينتمي إلى الأمازيغ الرحل. ويعتمد أساسا على تربية المواشي والتجارة في قلب الصحراء الكبرى. ويتقاسم هذا الشعب لغة مشتركة تُعرف بـ”التماشق”، وهي لهجة منحدرة من اللغة الأمازيغية.
لكن عل الرغم من هذه الوحدة الثقافية واللغوية وفي بعض الأحيان الأهداف، إلا أن الطوارق بشكل عام يعيشون نوعا من التشتت الجغرافي. فهم يتوزعون على ست دول وهي النيجر، الجزائر، ليبيا، مالي، موريتانيا، وبوركينا فاسو. فيما يُقدر عددهم بحوالي 1,5 إلى 2 مليون نسمة. وتعيش الغالبية في كل من مالي والنيجر. لكنهم يتنقلون من بلد إلى آخر عبر الصحراء بحثا عن ظروف مناخية أقل صعوبة وعن المياه.


–  ما هي أهدافها؟

يسعى طوارق “أزواد” إلى تأسيس دولة مستقلة في حدودهم الجغرافية شمال مالي، أو على الأقل الحصول على حكم ذاتي موسع، أي على مساحة تضم حاليا مدنا عديدة من بينها تمبكتو وكيدال وغاو وتساليت.
هذا المطلب أخذ طابعا مسلحا بعد انهيار الدولة المالية في الشمال سنة 2012، حين أعلنت الحركة السيطرة على مناطق واسعة قبل أن تنهار السيطرة الفعلية بسبب دخول جماعات مسلحة أخرى وسيطرة تنظيمات جهادية على أجزاء من المنطقة.

لاحقا، تم توقيع اتفاق الجزائر للسلام عام 2015 بين حكومة مالي وعدة حركات مسلحة من الشمال، تحت إشراف دولي وإقليمي، ونص على عدة بنود من بينها احترام الوحدة الوطنية، ونبذ العنف، وتمثيل جميع مكونات الشعب المالي في السلطة، واحترام حقوق الإنسان، والتزام الأطراف بمكافحة الإرهاب…

في يناير 2024، أعلنت الحكومة المالية الجديدة انسحابها بشكل تدريجي أو تعليق تنفيذ التزاماتها في هذا الاتفاق، متهمة أطرافا إقليمية بالتدخل في شؤونها الداخلية وبتأثيرات على بعض الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.
لكن مع تراجع هذا الإطار السياسي الذي شكل قاعدة للتهدئة لسنوات، عاد التوتر والعنف إلى المنطقة، وعادت الحركات المسلحة الطارقية، من بينها حركة تحرير أزواد، إلى النشاط العسكري في بعض المناطق، ما أدى إلى عودة حالة عدم الاستقرار.

– ما هي إيديولوجية حركة “أزواد”؟

وفق دراسة أجرتها “مجموعة البحوث والمعلومات حول السلام” التي تتخذ بروكسل مقرا لها والمتخصصة في متابعة تطور الأزمات السياسية والأمنية في العالم، فإن إيديولوجية الحركة الوطنية لتحرير أزواد لها توجه علماني. هذا التنظيم المسلح، الذي يضم آلاف المقاتلين في شمال مالي، يحرص على الابتعاد عن التيارات المتشددة، وهدفه بناء كيان سياسي ذي طابع ديمقراطي علماني.

لكن الحكومة المالية وحكومات أخرى في منطقة الساحل وجهت لها اتهامات بالتعامل أو التقاطع الميداني في فترات سابقة مع جماعات إرهابية مثل:
تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي
أنصار الدين
حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا لكن حركة “أزواد” تنفي نفيا قاطعا أي علاقة مباشرة أو تنظيمية مع هذه الحركات الجهادية، وتعتبرها اتهامات سياسية لا أساس لها من الصحة. كما صرحت مرارا بأن المجتمع الطارقي مجتمع قبلي يتميز بطابع ديني تقليدي صوفي، ما يجعل ممارسته الدينية بعيدة عن الفكر السلفي المتشدد وفق الحركة.
وغالبا ما يتم اتهام الجزائر بتقديم الدعم لحركة “أزواد” لكن الحكومة الجزائرية نفت مرارا هذه المزاعم، مؤكدة أن هدفها الوحيد عبر الوساطات الإقليمية التي تقوم بها هو حل الخلافات بين الفرقاء الماليين بالطرق السياسية بعيدا عن العنف.


–  ما هي أبرز عمليات تمرد حركة الطوارق شمال مالي منذ استقلال هذا البلد في 1960؟

ناضل الطوارق من أجل  بناء دولة مستقلة في شمال مالي وعدم الخضوع إلى الجمهورية المالية بعد استقلالها في 1960. لكن لم يتمكنوا من تحقيق حلمهم. ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف التوترات بين الطرفين (الطوارق والحكومة المالية) ولم يتوصلا إلى تسوية نهائية ومستقرة.
فيما شهدت مالي منذ استقلالها عدة حركات تمرد للطوارق، تعكس مطالب متكررة بالاعتراف السياسي والتنمية والحكم الذاتي في شمال البلاد، أبرزها تمرد عام 1963 في مدينة كيدال احتجاجا على تهميش الشمال وسياسات الدولة المركزية. تم قمع هذا التمرد بقوة من قبل الجيش المالي.

التمرد الثاني وقع في 1990، ما أدى إلى توقيع اتفاقات سلام لاحقة بين الحكومة المالية والحركات الطارقية، من بينها اتفاقات برعاية إقليمية في الجزائر، تضمنت وعودا بالتنمية واللامركزية مقابل وقف القتال.
وصمدت هذه الاتفاقات لفترات متقطعة على الرغم من المناوشات التي كانت تقع بين حين وآخر، لكن انهار كل شيء في 2012 بعدما أقدمت حركة أزواد على إعلان سيطرتها على شمال مالي بعد هجوم مسلح واسع مكنها من السيطرة على مدن رئيسية على غرار تمبكتو وكيدال وغاو.

استمر الصراع عدة سنوات وأدى إلى مقتل العديد وتهجير عشرات الآلاف من سكان مالي، ما جعل الجزائر تتدخل مرة أخرى وتضغط على الفرقاء إذ وُقّع اتفاق الجزائر 2015 منهيا نسبيا سنوات من العنف، على الرغم من هشاشته.
لكن في 2024، وعلى ضوء التحولات السياسية والانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي، أعلنت السلطات المالية إعادة النظر في التزاماتها ضمن الاتفاق، ما أعاد المنطقة إلى دوامة من التوتر والعنف إلى غاية اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق