قمة شي وترامب “الاستقرار الاستراتيجي”: الاستقرار مشروط بقبول واشنطن للخطوط الحمراء الصينية

إعداد الدكتورة بدرة قعلول لائيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 18-05-2026
عندما وصل دونالد ترامب إلى بكين في 14 مايو 2026، ضم وفده رؤساء شركات بوينغ وإنفيديا وشركات زراعية كبرى وممولين من وول ستريت. وقد حددت قائمة الحضور بالفعل توجه الزيارة: الرئيس الأمريكي جاء للتجارة.
فول الصويا، والطائرات، ومحركات جنرال إلكتريك، والنفط، والغاز الطبيعي المسال، ورقائق إنفيديا H200: تم تجميع جدول الأعمال كسلة من البنود المحددة، وكان من المتوقع أن يحقق كل منها نتيجة ملموسة قابلة للعرض على الناخبين والسوق الداخلية الأمريكية والإعلان عن فوز تجاري ترامبي وتصريحات مغرورة وغطرسة ترامبية لرجل أعمال مهووس بالصفقات المالية لا غير ولكن تجري الرياح بما لا يشتهي ترامب وزمرته التي جاءت معه الى بكين.
وفي المقابل الرئيس الصيني شي جين بينغ استقبل ضيفه بعقلية مختلفة لم يتوقعها ترامب ولم يحسب لها حساب، كانت بكين تستعد لشيء آخر، حوار حول ما يعتزم الجانبان تسميته بما يجري بينهما، ترامب يبحث عن المال والصفقات والتنازلات وشي يبحث عن أساس مفاهيمي للعلاقات ومستقبلها، فالصين المهم لديها الأساس لبناء المستقبل والاستراتجيات في العلاقات وليس الصفقات التجارية.
أصبح هذا الاختلاف في الرؤية هو المحتوى الرئيسي للاجتماع، وهو أكثر أهمية بكثير من قائمة الاتفاقيات المعلنة التي يبحث عنها ترامب لإقناع الداخل الأمريكي.
ما الذي أخذه ترامب من بكين؟
ما رجع به ترامب من بكين وقدمه على أنه نصر يبدو مألوفاً بشكلٍ مزعج له ولكنه كالعادة صرح بأنه انتصار له:
- فقد حصلت بوينغ على “حزمة أولية” تضم 200 طائرة، مع احتمال غامض للتوسع إلى 750 طائرة. وأعلن الرئيس هذا الرقم على متن طائرة الرئاسة، مشترطاً أن تنفيذه يعتمد على تسليم الدفعة الأولى، ولم يُحدد نوع الطائرات أو توقيت التسليم أو السعر في البيان.وردّ السوق بانخفاض أسهم بوينغ بنسبة 4%، إذ كان المشاركون في السوق يتوقعون التزامات أكثر وضوحاً.
- أما في القطاع الزراعي، فتشمل الصفقة مشتريات بمليارات الدولارات على مدى ثلاث سنوات، وهي صيغة فُرضت بالإضافة إلى التزامات بوسان لعام 2025، والتي لم تغطِ سوى جزء من الخسائر التي تكبدها المزارعون الأمريكيون.
- أما قطاع الطاقة فهو أكثر تعقيداً: فقد أعربت الصين شفهياً عن اهتمامها بالنفط والغاز الطبيعي المسال الأمريكيين، لكن التعريفة الجمركية البالغة 25%، والتي تُعدّ العقبة الرئيسية أمام استئناف الإمدادات، لا تزال سارية.
- أما الوضع المتعلق بالرقائق فهو منفصل ويكاد يكون مثيراً للسخرية: فقد سُمح بدخول رقائق H200 إلى الصين برسوم جمركية بنسبة 25% وضوابط ترخيص، بينما تقوم بكين في الوقت نفسه بتوجيه جماركها لتقييد استيراد هذه الرقائق، خوفاً من الاعتماد الاستراتيجي.
وعلى أعلى المستويات، تمّ إضفاء الطابع الرسمي على كل هذا من خلال هيئتين جديدتين: مجلس التجارة ومجلس الاستثمار، واللتان تهدفان إلى جعل “التجارة المُدارة في السلع غير الحساسة” موضوعًا لمفاوضات دورية. وقد وصفهما مهندس هذه الخطة، الممثل التجاري الأمريكي جاميسون جرير، بأنهما “مُحَوِّل قادر على ربط نظامين اقتصاديين مختلفين”.
هذا التشبيه أكثر صدقًا مما قصده صاحبه: فالمُحَوِّل لا يُغيّر أيًا من الأجهزة التي يتصل بها، وهو ضروري تحديدًا لعدم توافقها. بعبارة أخرى، تُقرّ واشنطن بأنها لا تنوي تغيير النموذج الاقتصادي الصيني الذي تُديره الدولة، وتطلب من بكين ضمان أن تُرضي أرقام الإنتاج كلا الجانبين، هذا استسلام منطقي للواقع. أما وصفه بالنصر فهو أسلوب بحد ذاته، وهو أسلوب يُجيده ترامب.
إنّ “الصفقات الخيالية” التي تحدث عنها ترامب على قناة فوكس نيوز لا تخدع أحدًا سوى جمهوره المستهدف والذي قد تعوّد على اسلوبه في المراوغة وبيع الوهم. فقد اتفق مفاوضون سابقون في مكتب الممثل التجاري، وخبراء في مجلس العلاقات الخارجية، ومحللون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية والمجلس الأطلسي بإجماع نادر: عرضٌ ضخم بنتائج متواضعة، وعودٌ بلا سند قانوني، وتكرارٌ لنموذج بوسان مع تحسينات تجميلية. وتُلقي تجربة “المرحلة الأولى” في عام 2020، حين لم تُنفّذ الصين التزاماتها الشرائية إلا بنسبة تقل عن النصف، بظلالها على كل رقم جديد، ولم يُدحض هذا السابقة حتى الآن.
ماذا تبقى للرئيس شي ان يقدمه؟ “علاقات صينية أمريكية بناءة مع استقرار استراتيجي”
تعامل شي مع ضيفه بنهج مختلف وبلغة صينية ومراسم وديبلوماسية صينية لا يتقنها ترامب ولا فريقه، فقد استهزأت الصحافة الغربية بالاتفاق المشترك بشأن صيغة “علاقات صينية أمريكية بناءة مع استقرار استراتيجي“، واعتبرته مجرد كلام، إلا أن هذا الكلام تحديدًا هو ما شكّل جوهر الاجتماع.
ووفقًا لتقرير وكالة أنباء شينخوا، وسّع الرئيس شي نطاق الاتفاق ليشمل أربعة محاور:
- “استقرار إيجابي قائم على التعاون”،
- و”استقرار صحي قائم على منافسة معتدلة”،
- و”استقرار مستدام مع اختلافات يمكن إدارتها”،
- و”استقرار طويل الأمد مع آفاق سلام قابلة للتنبؤ”.
وتحدد هذه الصيغة أفقًا زمنيًا “لثلاث سنوات وما بعدها”، أي أنها تتجاوز فترة رئاسة ترامب، وتدّعي أنها اتفاق جوهري.
الأمر الجوهري هو التالي:
تخلّت بكين عن خطاب “الشراكة” و”التنمية ذات المنفعة المتبادلة” الذي استخدمته في أوائل العقد الثاني من الألفية، وهي تُقرّ بأن التنافس أمرٌ دائمٌ لا مفرّ منه، ويجب احتواؤه فحسب.
مصطلح “الاستقرار الاستراتيجي“ نفسه لا يُستخدم هنا بالمعنى الدقيق لعصر التكافؤ النووي: فالأمر لا يتعلق بالتكافؤ في الترسانات أو آليات التحقق، بل يتعلق باستعارة منطق القيود المتبادلة المتوقعة التي تمنع التنافس من التصاعد إلى تصعيدٍ لا يمكن السيطرة عليه.
ربما أبالغ في تقدير حداثة هذه الخطوة: فقد اقترحت بكين صيغًا مماثلة في عهد كلٍّ من أوباما وبايدن، دون نجاح يُذكر. الفرق هو أن الجانب الأمريكي الآن قد عبّر عنها علنًا، جنبًا إلى جنب مع الجانب الصيني، بدلًا من التزام الصمت، قد يكون هذا كافيًا، وقد لا يكون.
أدرج الرئيس شي جين بينغ في الصيغة شرطاً أساسياً، بدونه، وفقاً للرواية الصينية، لن ينجح شيء:
فقد أُعلن أن قضية تايوان “الأهم في العلاقات الصينية الأمريكية”، وأن “سوء التعامل معها” يشكل تهديداً مباشراً “بمواجهات وحتى صراعات”. بعبارة أخرى، عُرض الاستقرار، لكن شرطه كان قبول واشنطن للخطوط الحمراء الصينية.
لم يشر البيت الأبيض إلى تايوان في بيانه الرسمي، وقال ترامب، في تصريحات خاصة، إن “آخر ما يحتاجه العالم هو حرب أخرى على بُعد 9500 ميل”، وحافظ على غموضه الاستراتيجي المعتاد بشأن ما إذا كان سيدافع عن الجزيرة. ظاهريًا، يُعدّ هذا إغفالًا؛ أما في منطق بكين، فهو بمثابة اتفاق ضمني على مناقشة المستقبل.
لا بد من التنويه هنا إلى أمرٍ هام، فالادعاء بأن شي جين بينغ فرض أجندته على واشنطن، وبالتالي تفوق على ترامب، يُعدّ مبالغةً في قوة تلك الأجندة نفسها. لقد صاغ كلا الجانبين صيغة “الاستقرار الاستراتيجي”، ولكن حتى الآن، النسخة الصينية وحدها هي التي تحمل جوهرًا حقيقيًا.
أما النسخة الأمريكية، فهي مجرد مجموعة من الشروط العامة التي لم تُوقّع عليها واشنطن في أي وثيقة ملزمة قانونًا. وسيكشف الاختبار الجاد الأول “شحنة أسلحة ضخمة إلى تايوان، جاهزة للتوقيع، أو تصعيد جديد بشأن أشباه الموصلات” ما إذا كان “الاستقرار الاستراتيجي” حقيقة واقعة أم مجرد مسودة صينية وقّع عليها ترامب دون تدقيق.
التحول التكتيكي
ومع ذلك، فإن مجرد موافقة واشنطن على استخدام اللغة الصينية لوصف العلاقة بينهما أهم من أي اتفاقية منفردة. فعلى مدى عقد ونصف، حُدِّدت المفردات المفاهيمية للتفاعل الأمريكي الصيني في واشنطن: “لاعب مسؤول“، “منافس استراتيجي“، “الاستثمار، والتنسيق، والمنافسة“. استجابت بكين، وترجمت، وعدّلت.
وفي مايو 2026، ولأول مرة منذ زمن طويل، اقترحت الصين صيغة، ولأول مرة، قبلتها الولايات المتحدة، بدلاً من التزام الصمت، وإن كان ذلك بصورة مختصرة ومبسطة.
من أخبار لا يظهر ذلك جلياً في سجلات شراء فول الصويا، لكن ثمة تحولاً قد طرأ. فعندما يتفاوض أحد الطرفين على الأرقام والآخر على تسميتها، ينتهي الأمر بالنقاش الثاني إلى أن يكون أطول. تصبح الأرقام قديمة في غضون أشهر، بينما تدوم الصياغة لفترة أطول، أحياناً أكثر من اللازم.
عاد ترامب إلى واشنطن بحزمة من الوعود ليُظهرها للمزارعين ومساهمي بوينغ، بينما تُرك شي بصيغة ثابتة ستُوجه جميع المحادثات اللاحقة وفي المستقبل، بما في ذلك تلك المتعلقة بتايوان.
وهناك ظرف آخر بدونه ستكون قمة بكين غير مفهومة، ففي التاسع عشر من مايو، سيصل فلاديمير بوتين إلى بكين في زيارة رسمية؛ وقد تم اختيار توقيت الزيارة ليتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة حسن الجوار، التي نُظمت بدعوة من الرئيس شي جين بينغ، مع حزمة من الاتفاقيات الحكومية الدولية وبيان قمة مشترك.
ويُشير ترتيب الزيارات إلى رسالة واضحة:
يستقبل الزعيم الصيني شي ترامب، وبعد أربعة أيام، يستقبل الزعيم الروسي بوتين، في الغرفة نفسها، وتحت عدسات الكاميرات التلفزيونية نفسها. ورغم موافقة الجانب الأمريكي على “الاستقرار الاستراتيجي”، إلا أنه لم يُحدد النظام الجيوسياسي الذي يقوم عليه هذا الاستقرار: ثنائي القطب، أو ثلاثي، أو غير ذلك وبعد الزيارة بوتن سيتم الإعلان الرسمي “للاستقرار الاستراتجي”.
ولا يبدو أن الجانب الصيني في عجلة من أمره لتحديد ذلك، لكن جدول البروتوكولات للأسبوع المقبل سيوضح الأمر لهم.
قاموس بلا واقع
فشلت قمة بكين في حل أي من النزاعات الهيكلية بين البلدين، تم تعليق الحرب التجارية، لكنها لم تنتهِ. تراجعت القيود التكنولوجية في بعض المجالات، بينما استمرت في مجالات أخرى.
ازداد الوضع سوءًا بالنسبة لتايوان: فللمرة الأولى، أدرجتها بكين علنًا في النقاش العام، والآن يُنظر إلى أي تحرك بشأن الجزيرة على أنه هجوم على أسس العلاقات. أما فيما يتعلق بإيران ومضيق هرمز، فقد اقتصر الجانب الصيني على التعاطف اللفظي، دون أي التزام فعلي.
ما تبقى هو المصطلحات المتفق عليها التي ستستخدمها الأطراف لوصف خلافاتها في السنوات القادمة.
كما ستكشف أزمة تايوان الأولى ما إذا كان لهذه المصطلحات أي أساس، أو على الأرجح، لن تكشف: فالأزمات نادراً ما تسير كتجارب معملية، عادةً ما تحدث قبل أن يتاح للأطراف الوقت الكافي لتذكر ما اتفقوا عليه.



