قانون صلاحيات الحرب.. هل ينجح الكونغرس في كبح جماح ترمب العسكري؟

قسم البحوث والدراسات 26/06/2026
في تطور يعكس واحدة من أكثر لحظات التوتر الدستوري حساسية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، صعّد الكونغرس الأمريكي من ضغوطه على الرئيس دونالد ترمب عبر تفعيل أدوات قانونية تستهدف تقليص هامش حركته العسكرية في الحرب الجارية مع إيران، في خطوة وُصفت بأنها محاولة مباشرة لإعادة ضبط ميزان السلطة بين البيت الأبيض والمؤسسة التشريعية.
وجاء التحرك بعد تصويت داخل الكونغرس يقضي بتوجيه الرئيس نحو إنهاء مشاركة القوات الأمريكية في العمليات القتالية المرتبطة بالصراع مع إيران، مستندا إلى “قانون صلاحيات الحرب” الصادر عام 1973، الذي صُمم أساساً لمنع انخراط الولايات المتحدة في حروب طويلة دون تفويض واضح من المشرعين.
ورغم أن القرار حظي بدعم لافت من نواب من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فإن طريقه إلى التنفيذ يبدو محفوفاً بعقبات سياسية وقانونية، في ظل إصرار الإدارة الأمريكية على اعتبار عملياتها العسكرية جزءاً من صلاحيات الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
صراع دستوري قديم يعود إلى الواجهة
القانون الذي يستند إليه الكونغرس في تحركه الحالي وُضع عقب حرب فيتنام، بهدف تقييد قدرة الرؤساء الأمريكيين على إدخال البلاد في نزاعات عسكرية من دون موافقة واضحة من السلطة التشريعية. ويُلزم هذا التشريع الرئيس بإبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من بدء أي عملية عسكرية، كما يحدد سقفاً زمنياً لا يتجاوز 60 يوماً لإنهاء العمليات ما لم يتم الحصول على تفويض رسمي.
وبحسب هذا الإطار القانوني، فإن استمرار العمليات العسكرية ضد إيران بعد انتهاء المهلة الزمنية يضع الإدارة الأمريكية في منطقة رمادية قانونياً، وهو ما يستند إليه عدد من المشرعين للمطالبة بإنهاء الانخراط العسكري أو تقليصه بشكل فوري.
لكن البيت الأبيض يقدّم قراءة مختلفة تماماً، إذ يعتبر أن طبيعة التهديدات والعمليات الجارية تندرج ضمن حالات “الطوارئ الوطنية” التي تمنح الرئيس صلاحيات واسعة للتحرك العسكري دون الحاجة إلى إعلان حرب رسمي.
ترمب يرفض القيود: “القرار بلا معنى”
الرئيس دونالد ترمب لم يُخفِ رفضه للتحرك التشريعي، واعتبر أن قرار الكونغرس “سيئ التوقيت ولا معنى له”، في إشارة إلى أنه يقوّض، وفق تعبيره، قدرة الإدارة على إدارة الصراع مع إيران في مرحلة حساسة.
وترى الإدارة الأمريكية أن تقييد الحركة العسكرية في هذا التوقيت يبعث برسائل ضعف إلى الخصوم، ويعقد مسار العمليات الجارية، خصوصاً في ظل استمرار التوترات والهجمات المتبادلة بين الطرفين منذ اندلاع الصراع.
وفي المقابل، يصر مشرعون على أن المسألة لا تتعلق بالسياسة الخارجية فقط، بل بصلب النظام الدستوري الأمريكي الذي يمنح الكونغرس وحده حق إعلان الحرب أو تفويضها، وليس الرئيس بشكل منفرد.
جدل قانوني بلا سابقة واضحة
إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه هذا التحرك هي أن قانون صلاحيات الحرب لم يُختبر بشكل كامل في نزاع مماثل منذ إقراره قبل أكثر من خمسة عقود. فالإجراءات التي يتيحها القانون لإنهاء العمليات العسكرية لم تُستخدم في إطار قرار مشترك ناجح وملزم من الكونغرس منذ ذلك الحين، ما يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة حول مدى إلزاميته الفعلية.
ويرى خبراء قانونيون أن الإدارة الأمريكية قد تتجاهل القرار استناداً إلى حجج دستورية، معتبرين أن السلطة التنفيذية تملك مساحة واسعة لتفسير طبيعة العمليات العسكرية الجارية، خصوصاً إذا اعتُبرت جزءاً من رد على تهديد مباشر.
لكن في المقابل، يذهب فريق آخر من القانونيين إلى أن استمرار العمليات دون تفويض صريح قد يشكل تجاوزاً واضحاً، وقد يفتح الباب أمام معارك قضائية داخل المحاكم الفيدرالية حول حدود السلطة في إعلان الحرب.
انقسام سياسي ورسائل انتخابية
التحرك داخل الكونغرس لا يمكن فصله عن السياق السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، حيث يزداد الجدل حول كلفة الحرب مع إيران، وتداعياتها على الداخل الأمريكي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى تراجع ملحوظ في الدعم الشعبي للحرب، إذ يرى جزء كبير من الأمريكيين أنها غير ضرورية أو أنها قد تجر البلاد إلى صراع طويل غير محسوب النتائج. هذا التراجع في التأييد ينعكس بشكل مباشر على النقاش داخل الكونغرس، حيث يحاول بعض المشرعين النأي بأنفسهم عن قرارات عسكرية مثيرة للجدل.
كما يخشى عدد من النواب من أن تتحول الحرب إلى عامل ضغط انتخابي، قد يحدد موازين القوى في الانتخابات النصفية المقبلة، خاصة إذا استمرت الخسائر أو اتسعت رقعة الانخراط العسكري الأمريكي.
اختبار جديد لمعادلة السلطة في واشنطن
في المحصلة، يبدو أن المواجهة بين الكونغرس والبيت الأبيض تتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي، لتصل إلى جوهر النظام الدستوري الأمريكي نفسه: من يملك قرار الحرب فعلياً؟
فبينما يتمسك الكونغرس بصلاحياته التشريعية وحقه في ضبط استخدام القوة العسكرية، تتحرك الإدارة الأمريكية وفق تفسير واسع لصلاحيات الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة، خصوصاً في بيئة دولية شديدة التوتر.
ومع غياب سوابق حاسمة في تطبيق قانون صلاحيات الحرب بشكل ملزم، يبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من التصعيد السياسي والقانوني، قد يعيد رسم حدود السلطة بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية في الولايات المتحدة.



