بعد ساعة من زيارة “هدف استراتيجي” آخر في لبنان، تضاءل الإنجاز أمام الخسائر

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 22-06-2026
يستعرض الصحفي الإسرائيلي بار بيليغ في هذا المقال، الذي نشرته صحيفة هآرتس بعض ما سجّله من مشاهدات خلال “زيارة إعلامية” نظمها جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوبي لبنان.
وأشار بيليغ أن تصريحات الجيش الإسرائيلي بشأن عملياته في جنوبي لبنان، تذكّر بالخطابات التي سُمعت سابقاً حول الدخول إلى رفح. مؤكّداً بأنه كما هو الحال في قطاع غزة، فإن غياب استراتيجية حقيقية يعني أن “مطاردة آخر بندقية كلاشنيكوف ستستمر إلى ما لا نهاية”، وأن أي “إنجاز” ميداني إسرائيلي سيتضاءل أمام الخسائر البشرية من قتلى وجرحى في صفوف جيش الاحتلال.
بعد ساعة من زيارة “هدف استراتيجي” آخر في لبنان، تضاءل الإنجاز أمام الخسائر
“إذا استمتعتم برحلتي، فلا تنسوا أن تقيّموني في التطبيق”، قال سائق سيارة الهامر التي أعادتنا إلى الأراضي الإسرائيلية، بروح الدعابة السوداء التي يتميز بها أحد جنود الاحتياط القدامى. كانت رحلة متوترة جرت في ظلام دامس. هو ورفاقه يقومون بهذه الرحلات الخطرة يومياً من عمق لبنان، فيما تتربص بهم المسيّرات من كل اتجاه.
أحد المقاتلين الذي كان يجلس في الجزء الخلفي من الهامر إلى جانب مجموعة الصحافيين وبّخ شخصاً تفقد هاتفه لمعرفة الوقت، ما تسبب بإشعاع ضوء قد يكون خطيراً. وكان يحمل في يده بندقية “شوتغن” مخصصة لمواجهة المسيّرات. أما المركبات في القافلة، فلم يكن يفصل بينها، حتى أثناء النزول عبر المنحدرات الجبلية المتعرجة، سوى عشرات السنتيمترات، بهدف إنجاز الرحلة بأقصى سرعة ممكنة وتجنب التهديدات.
في الجزء الخلفي من الهامر، استذكرت المراسلة العسكرية المخضرمة في هيئة البث الإسرائيلية، كارميلا منشيه، ليلة التغطيات الإعلامية في مايو 2000، حين رافقت انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان. وروت كيف كانت تستعرض أسماء المواقع العسكرية واحداً تلو الآخر، معتقدة أنها تودع المنطقة إلى الأبد. لكن بعد ربع قرن، وجدت نفسها مجدداً تهتز داخل سيارة هامر عسكرية في التضاريس الجبلية نفسها. تبدلت أسماء المواقع، وأضيفت إلى صواريخ الكاتيوشا والصواريخ المضادة للدروع المسيّرات، لكن الإحساس الثقيل بانعدام الجدوى بقي كما هو تماماً.
قبل ذلك بساعات، بالقرب من الحدود في منطقة تجمع القافلة، بدا المشهد مختلفاً: شُبكت شبكات مضادة للمسيّرات وشبكات تمويه حول مواقع الحراسة. فمنذ مارس قُتل 14 عسكرياً ومدنياً جراء هجمات بمسيّرات انتحارية في لبنان أو على طول الحدود، وأصبح الخوف واضحاً على وجوه كل جندي يُرسل إلى تلك المنطقة. وعند انتهاء الرحلة، في قلب القرية، كان المقاتلون يحثون الصحافيين على التقدم وسط العتمة: “نحن في نقطة متقدمة جداً، وهذه منطقة قذرة من ناحية العدو”. داخل القرية عثر الجنود على عدة مواقع لإطلاق المسيّرات، فاستهدفوها مع الهوائيات الموجودة إلى جانبها. وخلال المداهمة اكتشف الجنود في شقتين داخل القرية حقائب مرتبة تحتوي على رؤوس حربية جاهزة للتركيب.
دخلنا إلى لبنان بدعوة من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الذي نظم جولة لمجموعتين من الصحافيين، إسرائيليين وأجانب. وكان الهدف زيارة مصنع لبناني–إيراني تحت الأرض لإنتاج الطائرات غير المأهولة (المسيّرات). يقع الموقع على عمق 29 متراً تحت وسط بلدة مجدل زون الشيعية، التي كان يقطنها حتى قبل عامين نحو 2500 نسمة.
كما حضرت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، إيلا واوية (“الكابتن إيلا”)، إلى النفق لتوثق نفسها إلى جانب عشرات أزواج الأجنحة الخاصة بالطائرات التي كان يُفترض أن تنفجر على بعد مئات الكيلومترات، في عمق إسرائيل. ويصف الجيش الموقع بأنه “أصل استراتيجي” تابع لحزب الله. لكن الإنجازات التي حاول المتحدث العسكري تسويقها للصحافيين تضاءلت فجأة أمام الأرواح التي فُقدت في تلك الليلة وفي الليلة التالية، خلال معركة للسيطرة على أصل استراتيجي مشابه، على بعد عشرات الكيلومترات فقط من هناك.

وقف إطلاق النار وتكديس الإنجازات
يمتد النفق الرئيسي للمصنع لمسافة تتراوح بين 200 و300 متر، ويشهد على اتساعه وجود سيارات مدفونة تحت الأنقاض. ويضم خط إنتاج للطائرات المسيّرة وأطناناً من المواد المتفجرة الجاهزة للتركيب والتشغيل، إلى جانب آبار ومنصات إطلاق.
وإلى جانب الإحباط الناجم عن حقيقة أن حزب الله تمكن من بناء مثل هذه القدرات، يبرز تساؤل حول كيفية تصنيف الموقع على أنه “أصل استراتيجي”، في حين أنه لم يُدرج أساساً ضمن أهداف الحملة العسكرية، ولم يُتخذ قرار اقتحامه إلا الأسبوع الماضي وعلى مستوى قيادة الفرقة العسكرية. وذلك في وقت يقول فيه الجيش الإسرائيلي إن حزب الله كان قد هجر الموقع عام 2024 بعد أن أدت غارات سلاح الجو إلى إغلاق طرق الوصول إليه.
وقال ضابط رفيع للصحافيين: “لقد اعتقدوا أننا لن نصل إلى هنا”، في إشارة إلى تقدم الجيش الإسرائيلي في عمق الأراضي اللبنانية خلال فترة وقف إطلاق النار. وفي الوقت نفسه، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه يضعون اللمسات الأخيرة على مذكرة التفاهم مع إيران، فيما نُقلت إلى القوات المقاتلة تعليمات تحدّ من استخدام القوة النارية.
وفي مجدل زون خاض مقاتلو اللواء 551، وهو لواء احتياط يضم عناصر سابقين في وحدات الكوماندوس، معركة ضد 8 من عناصر حزب الله داخل ما وصفه الضابط بأنه “قرية محصنة” تحتوي على مواقع قتالية ومركز قيادة.

وقال الضابط عن الأيام التي أعقبت السيطرة على القرية: “كانت التعليمات أنه في أي مكان لا تسمح فيه سياسة استخدام النار بتنفيذ المهمة، لا ننفذ العملية ونعيد التخطيط لها”. في المقابل، تحدث ضباط آخرون عن “حرية عمل كاملة”، لكنهم أقروا بأن غارات سلاح الجو والقصف المدفعي تراجعا بصورة كبيرة.
ومنذ العملية في مجدل زون، وفي أعقاب الاتصالات الأمريكية مع إيران، أصدر المستوى السياسي أوامره للجيش بوقف إطلاق النار مرتين إضافيتين. ومع ذلك، يؤكد الضابط أن الجيش الإسرائيلي يواصل التقدم. فالمقاتلون يقومون يومياً بتطهير مبنى بعد آخر باستخدام النيران.
ويشرح الضابط السياسة المتبعة قائلاً: “هناك خطوط محددة. إذا رأينا شخصاً يعبر الخط الأخضر سنطلق ناراً تحذيرية، وإذا تجاوز الخط الأحمر فسيكون إطلاق نار بهدف القتل، ولا توجد هنا أي معضلات”. لكن في ظل هذه الظروف يبدو الارتباك أمراً لا مفر منه.
ويتابع: “هل أقتل كل عنصر من حزب الله أراه؟ الجواب لا”. ثم يضيف: “هناك قرار من حكومة إسرائيل”. عندها قاطعه أحد الصحافيين قائلاً: “من حكومة الولايات المتحدة”. فرد الضابط: “دعني، لا تُدخلني في هذا الأمر، فهذا ليس من شأني”.
بينما كان الجنود يتجولون داخل النفق، وقف أحد قادة الكتائب يتحدث إلى الصحافيين. وقال مراراً وتكراراً في مقابلات متعددة: “هناك هنا منظومة كاملة خُصصت لحماية مصنع المسيّرات التابع لحزب الله، ونحن منشغلون بمواصلة ملاحقتهم”.
ورداً على سؤال صحيفة “هآرتس” حول نسبة التحاق جنوده، بعدما جرى استدعاؤهم مع بداية الحرب مع إيران رغم أنهم أمضوا مئات أيام الخدمة الاحتياطية خلال العامين والنصف الماضيين، بدا متوتراً وقال: “أنت تلامس نقطة مهمة. نحن على أبواب العطلة الصيفية الطويلة، وبصفتي أباً لأطفال أفهم معنى ذلك”.
وعندما سُئل كيف ستتدبر زوجته وأطفاله الثلاثة أمورهم خلال شهر أغسطس في غيابه، اختنق صوته قليلاً وقال: “هذا سؤال معقد”.

بعد نحو ساعة من أن أوصلنا سائق الهامر اللطيف بسلام إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، بدأت تتوارد الأنباء عن مقتل 4 جنود في مرتفعات علي الطاهر. وبعد يوم واحد فقط قُتل جندي آخر في الموقع نفسه.
ويقول الجيش الإسرائيلي إن هدف العملية في علي الطاهر كان السيطرة على مركز قيادة إقليمي تحت الأرض تابع لقوة بدر التابعة لحزب الله. وكما في مجدل زون وقلعة الشقيف (البوفور)، يتقدم الجيش الإسرائيلي في منطقة علي الطاهر تحت غطاء وقف إطلاق النار، في محاولة لتعظيم ما يصفه بالإنجازات.
وفي هذه الأثناء يبدو أن الترويج الإعلامي يحقق غايته. فعلى الرغم من أن علي الطاهر، مثل مجدل زون، لا يشرف نارياً على الأراضي الإسرائيلية، فإن الإحاطات العسكرية التي رددها أيضاً مراسلون سياسيون بعد مقتل الجنود 5 جاءت مليئة بالإشادة: “مجمع حيوي”، “موقع استراتيجي”، أو إذا شئتم “صخرة وجودنا الجديدة”.
لكن الحرب الطويلة والشعور القاسي بتكرار المشهد نفسه يثبتان أن “مراكز الثقل” و”الأصول الاستراتيجية” لا تنتهي أبداً. فكما هو الحال مع المقاتلين والبنى التحتية والأهداف الأخرى، فهي منتشرة في كل المنطقة الممتدة من رأس الناقورة حتى بيروت. ومن دون استراتيجية إسرائيلية حقيقية، فإن مطاردة آخر بندقية كلاشنيكوف ستستمر بلا نهاية.
وخلال 15 عاماً قُتل أكثر من 400 جندي في الشريط الأمني بجنوب لبنان. أما في الشريط الأمني الحالي فقد قُتل 33 جندياً خلال ثلاثة أشهر فقط، بينهم 22 منذ إعلان “وقف إطلاق النار” الأول عقب انتهاء الحرب مع إيران قبل نحو شهرين. وفي هذا الأسبوع وحده قُتل 6 جنود في جنوب لبنان.
كان مصنع المسيّرات الذي عرضه علينا الجيش الإسرائيلي خلال الجولة مثيراً للإعجاب، لكن عند الخروج من لبنان كان من الصعب الشعور بأي حماسة.
“أحياناً تتراكم أكوام القتلى، فيعبث القائد بأنفه. لن ننسحب نحن، ولن نضبط النفس نحن”، هكذا كتبت المغنية والشاعرة الإسرائيلية الراحلة عنبال برلموتر في تسعينيات القرن الماضي. وقد ترددت كلماتها في ذهني على الطريق الساحلي في طريق العودة إلى المنزل، مؤكدة مشاعر اليأس وانعدام الجدوى (العبثية).
**************
المصدر: هآرتس



