بحر الصين الجنوبي من المنظور الصيني: هندسة السيادة أم إعادة تشكيل ميزان الأمن البحري؟

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الامنية والعسكرية 07-10-2026
من هوانغيان داو إلى جزر نانشا.. كيف تبني بكين واقعاً بحرياً جديداً دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة؟
لم يعد بحر الصين الجنوبي مجرد نزاع على مجموعة من الجزر والشعاب والمياه المتنازع عليها، بل أصبح أحد أكثر المجالات حساسية في إعادة تشكيل البيئة الأمنية في شرق آسيا. غير أن قراءة التحركات الصينية من خلال مفهوم “التوسع العسكري” وحده لا تكفي لفهم طبيعة السلوك الصيني؛ لأن بكين تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة تقوم أساساً على السيادة، واستمرارية الإدارة، وحماية الحقوق والمصالح البحرية، ومنع تحول المجال البحري المحيط بالصين إلى مساحة ضغط استراتيجي عليها.
هذا الاختلاف في نقطة الانطلاق مهم، فالصين لا تقدم وجودها في بحر الصين الجنوبي باعتباره مشروعاً للسيطرة على ممرات دولية، بل باعتباره ممارسة لحقوق سيادية تعتبرها متجذرة تاريخياً وقانونياً، وإجراءً ضرورياً لحماية الأمن والتنمية والاستقرار. وفي المقابل، ترى دول أخرى، خصوصاً الفلبين وفيتنام، أن جزءاً من هذه التحركات يتجاوز حدود إدارة الحقوق المتنازع عليها إلى فرض أمر واقع جديد.
وبالتالي، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: هل تقوم الصين بعسكرة بحر الصين الجنوبي؟
وإنما: ما الذي تحاول بكين بناءه فعلياً في هذا المجال، ولماذا تعتبر أن الجمع بين الإدارة المدنية وخفر السواحل والقوة العسكرية والبنية التحتية جزء من حماية السيادة وليس بالضرورة مقدمة لحرب؟
كيف ترى الصين بحر الصين الجنوبي؟
من داخل التصور الصيني، لا يبدأ الملف من التنافس مع الولايات المتحدة، وإنما من قضية السيادة الإقليمية والحقوق البحرية، فبكين تؤكد أن جزر بحر الصين الجنوبي، بما فيها مجموعات دونغشا وشيشا وتشونغشا ونانشا، جزء من الأراضي الصينية، وتربط بذلك مجموعة من الحقوق والمصالح البحرية التي تعتبرها ناشئة عن السيادة والممارسة التاريخية. وفي يوليو 2026، أعادت وزارة الخارجية الصينية التأكيد على هذا الموقف، معتبرة أن الصين مارست بصورة متواصلة وسلمية وفعالة السيادة والاختصاص على هذه الجزر والمياه المرتبطة بها.
هذه النقطة تفسر جانباً مهماً من السلوك الصيني: بكين لا تتعامل مع بحر الصين الجنوبي باعتباره فضاءً أمنياً خارجياً فقط، بل باعتباره امتداداً لمجال السيادة والأمن الوطني الصيني. ومن هذا المنظور، فإن وجود خفر السواحل، والدوريات الجوية والبحرية، والمنشآت البحرية، وأعمال المراقبة، لا تُفصل في التفكير الصيني عن مفهوم “إدارة المجال البحري” وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين التصور الصيني والتصور الغربي.
لماذا تركز الصين على خفر السواحل قبل القوة العسكرية؟
أحد أهم المؤشرات على طبيعة المقاربة الصينية أن بكين لا تعتمد على الجيش وحده في إدارة النزاعات البحرية، ففي 27 سبتمبر 2026، أجرت خفر السواحل الصينية تدريبات قرب هوانغيان داو ركزت على الصعود إلى السفن والتفتيش واعتراض عمليات التوغل والقطر القسري، وقدمتها السلطات الصينية باعتبارها عمليات لحماية الحقوق وإنفاذ القانون وإدارة المجال البحري.
وبعد ثلاثة أيام، في 30 سبتمبر، نفذت خفر السواحل الصينية دوريات لإنفاذ القانون حول هوانغيان داو، بينما أجرت وحدات بحرية وجوية تابعة لقيادة المسرح الجنوبي للجيش الصيني دوريات جاهزية قتالية في المنطقة نفسها، وهذا التزامن يكشف عن طبقات متعددة لإدارة النزاع: خفر السواحل باعتباره أداة إنفاذ وإدارة والقوات المسلحة باعتبارها عنصر ردع وحماية مع القانون والخطاب الرسمي لتثبيت الموقف السياسي والبنية التحتية لتوفير قدرة مستدامة على الوجود.
وهذه ليست بالضرورة صيغة استعداد للحرب، وإنما صيغة تثبيت للقدرة على التحكم بالمجال البحري ومنع الطرف الآخر من فرض واقع ميداني جديد.
هوانغيان داو.. لماذا أصبحت نقطة اختبار للسيادة الصينية؟
تكتسب هوانغيان داو، المعروفة دولياً باسم سكاربورو شول، أهمية خاصة لأنها تحولت إلى واحدة من أبرز نقاط الاحتكاك بين الصين والفلبين ففي يوليو الماضي، رفضت بكين بصورة قاطعة قيام الفلبين بتحديد ما سمته “خطوط الأساس” لمياهها الإقليمية حول هوانغيان داو، معتبرة أن الإجراء الفلبيني يمس السيادة الصينية.
كما أكدت الصين أنها لا تعترف بحكم التحكيم الصادر عام 2016 ولا تعتبره ملزماً لها في القضايا التي تراها متصلة بالسيادة الإقليمية وترسيم الحدود البحرية وفي 6 أكتوبر، اتهمت بكين طائرات وسفناً فلبينية بدخول مناطق تعتبرها خاضعة لسيادتها واختصاصها، وقالت إن الإجراءات الصينية اللاحقة جاءت في إطار القانون وحماية السيادة والحقوق البحرية.
من هنا يمكن فهم التشدد الصيني في هوانغيان داو: القضية بالنسبة إلى بكين لا تتعلق فقط بشعاب مرجانية، بل بالسؤال الأوسع حول من يملك القدرة العملية على إدارة المجال المحيط بها ومن يحدد قواعد الحركة داخله.
ولهذا فإن السماح بتحول هوانغيان داو إلى مجال تتحرك فيه سفن أو طائرات أجنبية بصورة منتظمة، من دون رد صيني، قد يُنظر إليه في بكين باعتباره تراجعاً عن ممارسة السيادة وليس مجرد تنازل تكتيكي.
أنتي لوب.. البنية التحتية كأداة للسيادة والردع
التطور الأكثر إثارة للاهتمام حالياً يتمثل في أعمال البناء فيAntelope Reef ضمن جزر شيشا/باراسيل وصور أقمار صناعية التُقطت في 25 سبتمبر وأُعلنت تفاصيلها في 2 أكتوبر أظهرت تقدماً سريعاً في أعمال إنشاء مدرج ومنشآت مرتبطة به. وذهبت تحليلات خارجية إلى احتمال أن تصبح المنشأة ذات قيمة عسكرية كبيرة بعد اكتمالها، خصوصاً بالنسبة إلى توسيع مدى العمليات البحرية والجوية الصينية في شمال بحر الصين الجنوبي. لكن بكين لم تعلن أن المشروع قاعدة عسكرية، بينما أشارت تقارير مرتبطة بالجانب الصيني إلى استخدامات مدنية مثل الأرصاد والبحث العلمي والملاحة.
وهنا يجب الحذر من خطأ منهجي مهم وهو وجود بنية تحتية يمكن أن تستخدم عسكرياً لا يساوي تلقائياً إثبات أن الهدف المعلن منها عسكري ولكن في الوقت نفسه، فإن القيمة الاستراتيجية للبنية التحتية لا يمكن تجاهلها، فحتى المنشأة ذات الاستخدام المدني قد توفر للصين قدرة أكبر على المراقبة البحرية والجوية ودعم عمليات البحث والإنقاذ وتوفير الخدمات للسفن والطائرات وتثبيت الوجود البشري والإداري مع دعم خفر السواحل وكذلك وفي حالة الطوارئ، توفير عمق لوجستي للقوات المسلحة.
وبالتالي، يمكن النظر إلى البنية التحتية الصينية في الجزر والشعاب باعتبارها جزءا من بناء القدرة على البقاء والحضور المستمر في المجال البحري، وليس فقط باعتبارها منشآت عسكرية تقليدية وهذا أحد أكثر عناصر الاستراتيجية الصينية أهمية وهو تحويل الوجود الجغرافي إلى قدرة مستدامة على الإدارة.
لماذا لا تنسحب الصين من مسار التفاوض مع آسيان؟
لو كانت الاستراتيجية الصينية تقوم فقط على فرض السيطرة بالقوة، لكان استمرارها في مسار التفاوض مع رابطة آسيان أقل تفسيراً ولكن الواقع أكثر تعقيداً ففي مايو 2026، عقدت الصين ودول آسيان الاجتماع السادس والعشرين لكبار المسؤولين بشأن تنفيذ إعلان سلوك الأطراف في بحر الصين الجنوبي، وأكد المشاركون أهمية الحفاظ على السلام والاستقرار، وإدارة الخلافات، وتعميق التعاون البحري، ومواصلة التفاوض بشأن مدونة السلوك في بحر الصين الجنوبي وهذا يعكس مبدأ صينياً مهماً وهي أن بكين لا ترى بالضرورة تناقضاً بين تعزيز حضورها الميداني وبين استمرار التفاوض بل يمكن قراءة الأمر على أن الصين تحاول إدارة المسارين في الوقت نفسه وكذلك تثبيت الوقائع والقدرات على الأرض من جهة، وإبقاء النزاع داخل إطار التفاوض الإقليمي من جهة أخرى.
ومن المنظور الصيني، فإن إبقاء القضية في إطار الصين–آسيان أكثر ملاءمة من تحويلها إلى مواجهة جيوسياسية مباشرة بين الصين والولايات المتحدة.
أين تقع الولايات المتحدة في الحسابات الصينية؟
فالصين تقول إن المشكلة الأساسية ليست حرية الملاحة، التي تؤكد أنها لم تكن موضع تهديد، وإنما زيادة الوجود العسكري لقوى من خارج المنطقة، وما تعتبره بكين استخداماً للنزاعات البحرية لتعزيز الضغط العسكري عليها. وفي بيان يوليو 2026، وصفت الصين الوجود العسكري الأمريكي المتزايد في بحر الصين الجنوبي بأنه أحد العوامل الرئيسية التي تزيد من عسكرة المنطقة.
ما الذي تحاول الصين بناءه فعلياً؟
عند جمع المؤشرات السابقة، تظهر صورة أكثر تعقيداً من مجرد بناء قواعد عسكرية فالصين تبدو بصدد بناء منظومة متعددة الطبقات للسيطرة والإدارة والردع:
1 – الطبقة الأولى – السيادة: ترسيخ موقف قانوني وسياسي يعتبر الجزر والشعاب والمياه المحيطة بها جزءاً من المجال الصيني.
2- الطبقة الثانية – الإدارة: توسيع دور خفر السواحل وأجهزة إنفاذ القانون والمراقبة البحرية.
3- الطبقة الثالثة – البنية التحتية: إنشاء مرافق تسمح بوجود بشري وبحري وجوي أكثر استدامة.
4- الطبقة الرابعة – الردع: الحفاظ على قدرة عسكرية تمنع تحويل النزاعات البحرية إلى وقائع مفروضة على الصين.
5- الطبقة الخامسة – التفاوض: منع تحول الخلافات مع دول جنوب شرق آسيا إلى مواجهة شاملة، والإبقاء على مدونة السلوك والتفاوض كقنوات لإدارة التوتر.
وهذا يقود إلى استنتاج أكثر دقة من عبارة الصين تعسكر بحر الصين الجنوبي وانما بكين تعمل على تحويل ادعاء السيادة إلى قدرة عملية على الإدارة والردع وهذه نقطة جوهرية.
هل يعني ذلك أن الصين تريد السيطرة على بحر الصين الجنوبي بالكامل؟
لا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن الصين تستعد لضم كل بحر الصين الجنوبي أو لإغلاقه أمام الملاحة الدولية بل إن الصين نفسها تؤكد استمرار حرية الملاحة والتحليق في المنطقة، وتقدم وجودها باعتباره دفاعاً عن السيادة والحقوق البحرية والحفاظ على الاستقرار. لكن في المقابل، لا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى التقليل من حجم التحول الجاري فالفرق كبير بين حرية الملاحة الدولية وبين حرية التحرك العسكري داخل المناطق التي تعتبر الصين أنها خاضعة لسيادتها أو لاختصاصها ومن المرجح أن يكون هذا هو جوهر الاحتكاك المستقبلي. فالصين تريد أن تبقى الملاحة والتجارة الدولية مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه تريد أن تصبح أكثر قدرة على التحكم في طبيعة الوجود العسكري الأجنبي داخل المجال الذي تعتبره مرتبطاً بأمنها وسيادتها.
التقدير الاستراتيجي
المؤشرات الحالية لا تدعم اختزال السياسة الصينية في مشروع هجومي مباشر، كما لا تسمح في الوقت نفسه بوصفها مجرد سياسة دفاعية محدودة فالأقرب إلى الواقع أن الصين تعمل على إعادة تعريف البيئة الأمنية المحيطة بها وفق ميزان جديد للقوة والقدرة على الإدارة وتكمن أهمية ذلك في أن بكين لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة العسكرية المباشرة على كل منطقة بحر الصين الجنوبي حتى تحقق أهدافاً استراتيجية مهمة بل يكفي أن تمتلك حضوراً دائماً وقدرة مراقبة واسعة مع خفر سواحل قادر على التدخل وبنية تحتية متقدمة؛ كذلك قوات بحرية وجوية قادرة على الردع وشبكة علاقات تفاوضية مع دول آسيان عندها يصبح من الصعب على أي طرف آخر فرض ترتيبات أمنية في المنطقة من دون أخذ الموقف الصيني في الاعتبار.
وهنا تحديداً يمكن فهم “أنتي لوب وهوانغيان داو” ليس باعتبارهما قضيتين منفصلتين، وإنما باعتبارهما جزءاً من عملية أوسع لبناء القدرة الصينية على الوجود والإدارة والردع في بيئة بحرية واسعة.
السيناريوهات المحتملة
1- السيناريو الاول تثبيت تدريجي للواقع الصيني – السيناريو الأرجح: تواصل الصين تطوير البنية التحتية، وتعزيز خفر السواحل والدوريات، بالتوازي مع استمرار التفاوض مع آسيان وهذا السيناريو يسمح لبكين بتعزيز موقعها دون الانتقال إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
2- السيناريو الثاني ارتفاع مستوى الاحتكاك الصيني–الفلبيني: قد يؤدي تكرار عمليات الاقتراب والاعتراض والدوريات إلى حادث بحري أو جوي محدود، خصوصاً حول هوانغيان داو. الخطر هنا ليس قراراً صينياً متعمداً بالحرب، وإنما احتمال سوء تقدير في بيئة تزداد فيها كثافة العمليات.
3- السيناريو الثالث تدويل أكبر للنزاع: إذا ازداد حضور الولايات المتحدة وحلفائها عسكرياً، فقد تنظر بكين إلى ذلك باعتباره محاولة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية حول الصين. وفي هذه الحالة قد تنتقل الصين من الردع الموضعي إلى تعزيز أكثر وضوحاً لقدراتها في شمال وجنوب بحر الصين الجنوبي.
4- السيناريو الرابع: تسوية إقليمية جزئية: إذا نجحت الصين وآسيان في الوصول إلى صيغة عملية لمدونة السلوك، فقد ينخفض مستوى الاحتكاك السياسي، من دون أن تتراجع بكين عن مطالبها السيادية وهذا السيناريو لا يعني نهاية النزاعات، وإنما انتقالها من إدارة القوة وحدها إلى إدارة القوة والتفاوض معاً.
الخلاصة
التحول الجاري في بحر الصين الجنوبي لا يمكن فهمه بصورة دقيقة إذا نظرنا إليه فقط من خلال ثنائية “الصين ضد الولايات المتحدة” فالصين تتحرك وفق تصور أوسع يرى أن السيادة لا تكون فعالة بمجرد إعلانها، وإنما تحتاج إلى قدرة مستمرة على الحضور والإدارة والمراقبة والردع ولهذا تجمع بكين بين خفر السواحل والقوات المسلحة والبنية التحتية والقانون والتفاوض الإقليمي.
أما التحدي الحقيقي أمامها، فهو الحفاظ على هذا التوسع في القدرة من دون دفع دول آسيان إلى الاصطفاف الأمني الكامل ضدها، ومن دون تحويل بحر الصين الجنوبي إلى نقطة مواجهة مباشرة بين الصين والولايات المتحدة وعليه، فإن ما يحدث ليس مجرد “عسكرة” بالمعنى التقليدي، ولا مجرد نشاط دفاعي محدود إنه أقرب إلى إعادة بناء تدريجية للقدرة الصينية على إدارة المجال البحري المحيط بها، وتحويل مفهوم السيادة من موقف سياسي وقانوني إلى واقع ميداني مستدام.
وهنا تكمن الأهمية الاستراتيجية للتطورات الحالية فالمعركة الحقيقية في بحر الصين الجنوبي قد لا تكون حول من يطلق النار أولاً، بل حول من يستطيع أن يحدد قواعد الحركة، والإدارة، والوجود، والردع في هذا المجال خلال العقد المقبل.



