أخبار العالمإفريقيابحوث ودراسات

الصحة الواحدة في تونس: نحو حوكمة صحية تربط الإنسان والحيوان والبيئة، مقاربة تحليلية

لم تعد الصحة العامة في القرن الحادي والعشرين مسألة تقتصر على المستشفيات والأطباء والأدوية، بل أصبحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بجودة البيئة، وسلامة الغذاء، وصحة الحيوانات، والتغيرات المناخية، وقدرة مؤسسات الدولة على التنسيق والاستجابة للمخاطر الصحية. ومن هذا المنطلق، يبرز مفهوم «الصحة الواحدة» (One Health) بوصفه مقاربة تجمع بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، وتسعى إلى الوقاية من المخاطر قبل تحولها إلى أزمات صحية واجتماعية واقتصادية.

بالنسبة إلى تونس، يطرح هذا المفهوم سؤالًا يتجاوز تطوير الخدمات الصحية: هل تمتلك الدولة منظومة متكاملة لتوقع المخاطر الصحية وإدارتها، أم ما تزال السياسات المتعلقة بالصحة والبيئة والفلاحة وسلامة الغذاء تعمل ضمن مسارات متفرقة؟

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل تحديات ندرة المياه، والتلوث، وتغير المناخ، ومخاطر الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، فضلًا عن الحاجة إلى تعزيز مراقبة الأغذية ومقاومة الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية. لذلك، فإن اعتماد مقاربة «الصحة الواحدة» لا يمثل مجرد خيار علمي، بل يمكن أن يكون مدخلًا لإعادة التفكير في الحوكمة الصحية والسياسات العمومية في تونس.

1/ ماذا تعني «الصحة الواحدة» عمليًا؟

تعتمد مقاربة الصحة الواحدة على فكرة أساسية مفادها أن صحة الإنسان لا يمكن ضمانها بمعزل عن صحة الحيوانات وسلامة النظم البيئية. وقد تبنتها منظمة الصحة العالمية وشركاؤها الدوليون باعتبارها إطارًا للتعاون بين قطاعات الصحة البشرية والطب البيطري والبيئة والفلاحة، خصوصًا في مواجهة الأمراض المشتركة، ومقاومة مضادات الميكروبات، ومخاطر الأغذية.

ويمكن توضيح هذه العلاقة من خلال أمثلة التالية أولا الأمراض المشتركة، تتطلب مكافحة داء الكلب، مثلًا، تنسيق التلقيح البيطري مع التكفل الطبي بالأشخاص المعرضين للعدوى” معهد باستور”، ومراقبة الحيوانات السائبة، وتوعية السكان بحملات في المدارس والمعاهد.

ثانيا سلامة الغذاء، وهو مهم تتكفل به المصالح البيطرية التي تراقب جودة الغذاء الحيواني وسلامته من اي أمراض معدية تنتقل إلى الإنسان كما لا تتوقف الوقاية من الأمراض المنقولة عبر الأغذية على الرقابة الصحية النهائية، بل تبدأ من تربية الحيوانات، واستعمال الأدوية البيطرية، والإنتاج الزراعي، والتخزين والنقل والتوزيع.

ثالثا البيئة والتغير المناخي، فيمكن أن تؤثر ندرة المياه والتلوث وتغير أنماط الحرارة والأمطار في انتشار بعض الأمراض، وفي جودة الغذاء والمياه، وفي قدرة المنظومة الصحية على الاستجابة. وعليه، لا تعني الصحة الواحدة دمج جميع المؤسسات في وزارة واحدة، بل إنشاء آليات مستدامة لتبادل البيانات وتنسيق القرارات وتوزيع المسؤوليات، بحيث لا تتحول الفجوات بين القطاعات إلى ثغرات تهدد الصحة العامة.

2/ تونس أمام اختبار التطبيق

تمثل تونس حالة مهمة لدراسة إمكانات هذه المقاربة وحدودها. فالمسألة لا تتعلق بغياب الوعي بالمخاطر المشتركة، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على تحويل التعاون القطاعي إلى سياسة عامة متكاملة وقابلة للقياس.

  1. الأمن الصحي :مقاربة الصحة الواحدة (One Health)

تشير معطيات منظمة الصحة العالمية إلى أن تونس تعمل على تطوير مقاربة الصحة الواحدة، بما يشمل خريطة طريق وطنية وتعاونًا بين قطاعات ووزارات الصحة والفلاحة والبيئة. كما أطلقت السلطات، بدعم من شركاء دوليين، جهودًا لتعزيز التأهب للجوائح، وأنظمة الترصد والمختبرات والإنذار المبكر.

ويبرز داء الكلب مثالًا ملموسًا على أهمية هذا التوجه. فقد عززن تونس خلال سنة 2024، برامج التدريب 591 مهنيًا صحيًا في الولايات الأربع والعشرين، بينما وصلت أنشطة التوعية إلى أكثر من 1500 شخص. وتؤكد هذه الأرقام وجود جهود عملية، لكنها تكشف أيضًا عن استمرار تحدٍّ وقائي يستوجب تقييمًا مستمرًا لمدى تغطية التلقيح الحيواني، وفعالية التكفل بالأشخاص المعرضين للعدوى، واستدامة التنسيق بين الجهات المعنية ووعي المجتمع بخطورة هذا الداء.

وتتجاوز التحديات التونسية الأوبئة فندرة المياه والتلوث وتغير المناخ وسلامة الأغذية ومقاومة مضادات الميكروبات كلها ملفات تتقاطع فيها اختصاصات عدة مؤسسات. لذلك، فإن معالجة كل ملف بصورة منفصلة قد تؤدي إلى حلول جزئية، حتى عندما تكون الإجراءات القطاعية في حد ذاتها ضرورية.

وتتمثل المسألة الحاسمة في مدى توفر منظومة وطنية تسمح بجمع المعلومات الصحية والبيطرية والبيئية، وتحليلها بصورة مشتركة، ثم تحويل نتائج التحليل إلى قرارات واضحة ومعلنة. كما أن نجاح هذه المنظومة يقتضي تحديد الجهة المسؤولة عن التنسيق، والميزانية المخصصة، ومؤشرات الأداء، وآليات المساءلة.

إن بناء التنسيق وتوسيع قدرات الترصد كما يدعمه مشروع التعاون مع منظمة الأغذية والزراعة والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية تطوير قدرات الوقاية والتأهب والاستجابة .تستند هذه الاستراتيجية الوطنية إلى الانتقال من معالجة الأزمات الصحية بعد وقوعها إلى الوقاية والاستباق المبكر وتتجسد هذه الحوكمة الجديدة في إرساء آلية دائمة للتنسيق والمتابعة بين قطاعات حيوية ثلاث: وزارة الصحة، ووزارة الفلاحة، ووزارة البيئة ،يهدف هذا التكامل إلى تجاوز العمل القطاعي المترابط وتوحيد آليات الإنذار المبكر والتصدي للأمراض مشتركة المنشأ بين الإنسان والحيوان (Zoonoses)، ومواجهة ظاهرة مقاومة مضادات الميكروبات (AMR) التي تهدد الأمن الصحي والغذائي في تونس.

  1. الأطباء البياطرة: خط الدفاع الأول عن الصحة العامة

يمثل العمل البيطري أحد خطوط الدفاع الأساسية عن الصحة العامة في تونس، وتبرز أهميته خصوصًا في مكافحة داء الكلب، الذي يستدعي تنسيقًا مستمرًا بين الصحة البشرية والطب البيطري والسلطات المحلية والبيئة. ويضطلع الأطباء البياطرة بدور محوري في مراقبة الحيوانات، والتقصي عن الحالات المشتبه بها، وأخذ العينات وإحالتها إلى المختبرات المختصة، وتنفيذ حملات التلقيح الوقائي، فضلًا عن توفير المعطيات الوبائية الضرورية لتحديد بؤر العدوى ومتابعة انتشارها. وتؤكد الأرقام حجم هذا العمل؛ فوفق المنظمة العالمية لصحة الحيوان، شملت حملة التلقيح التونسية لسنة 2025 نحو 500 ألف كلب و70 ألف قط، عبر 197 مركزًا للتلقيح، إلى جانب فرق متنقلة، فيما تعالج المصالح البيطرية أكثر من 1900 عينة حيوانية سنويًا لأغراض تشخيص داء الكلب. وتكشف دراسة علمية منشورة في جانفي 2026، شملت الفترة الممتدة من 1994 إلى 2023، عن تسجيل 6,920 حالة حيوانية مؤكدة و90 حالة بشرية في البيانات التي حللها الباحثون، مع بقاء تغطية تلقيح الكلاب في معظم السنوات دون المستوى المرجعي البالغ 70%. وتبرز هذه النتائج أهمية الخبرة الميدانية للبياطرة التونسيين وكفاءتهم رغم نقص الإمكانيات المادية ووسائل البيطرية وصعوبة التضاريس في بعض المناطق الريفية.

كما تبرز تحديات توفير الموارد واللقاحات ووسائل التنقل والتشخيص، وتعزيز التغطية بالتلقيح، وتطوير نظم الإبلاغ والتتبع الجغرافي للحالات أن تثمين العمل الميداني للأسطول البيطري  يجب أن لا يقتصر فعاليته على عدد الحيوانات التي يقع تلقيحها أو العينات التي يجري تحليلها، بل تُقاس أيضًا بقدرته على اكتشاف بؤر العدوى مبكرًا، وتقليص انتقال المرض بين الحيوانات، وتحسين التنسيق مع المصالح الصحية لحماية الأشخاص المعرضين للخطر. لذلك، فإن دعم البياطرة ليس مجرد استثمار في الصحة الحيوانية، بل هو ركيزة من ركائز الأمن الصحي الوطني، وشرط أساسي لترسيخ مقاربة «الصحة الواحدة» والانتقال من التدخل بعد ظهور الخطر إلى الوقاية الاستباقية و استراتيجية استشرافية ناجعة.

3/ التجارب الدولية، دروس لتطوير السياسات الصحية والبيئية في تونس

تسمح المقارنة بين تونس وفرنسا وهولندا بفهم الفارق بين الاعتراف بأهمية الصحة الواحدة وتحويلها إلى سياسات عمومية منظمة. ولا تعني هذه المقارنة أن النماذج الأجنبية قابلة للنقل حرفيًا، بل إنها تساعد على تحديد الخيارات التي يمكن تكييفها مع السياق التونسي.

  1. فرنسا: التنسيق بين الوزارات والمستويات المحلية

تعتمد فرنسا خططًا وطنية للصحة والبيئة، وتعمل على تعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية. ومن الأمثلة العملية منصة وطنية لمراقبة صحة الحيوانات أُنشئت سنة 2011، وتضم مؤسسات عامة وخاصة ومختبرات وممثلين عن المربين والأطباء البيطريين. وتتيح هذه البنية تنظيم تبادل الخبرات والمعلومات بشأن المخاطر التي تمس الحيوانات وقد تنتقل إلى الإنسان.

وعليه يمكن تطوير آلية وطنية تونسية دائمة تجمع ممثلي الصحة والفلاحة والبيئة والمختبرات والجامعات، مع تحديد المسؤوليات وآجال تبادل المعلومات لتسهيل التعامل وسرعة تبادل المعلومات والنتائج كم تدعم وتعزز مجال الإحصاء برصد حيني يجمع بين التوثيق والارشفة ورقمنة النتائج والمخرجات.

  1. هولندا: مقاومة المضادات الحيوية مسؤولية مشتركة

اعتمدت هولندا خطة وطنية للفترة 2024–2030 لمكافحة مقاومة مضادات الميكروبات، وتربط المقاربة بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة. وتشارك في تنفيذها وزارات الصحة والزراعة والطبيعة وجودة الغذاء والبنية التحتية وإدارة المياه.

تكتسب مسألة مقاومة مضادات الميكروبات أهمية بالغة في تونس خاصة عند تناول التأثيرات البيئية للأنشطة الصناعية، ولا سيما نشاط شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي كمخاكر محتملة، بالنظر إلى ما تثيره الأنشطة المنجمية والتحويلية من تحديات تتعلق بجودة المياه والتربة والهواء والتصرف في النفايات الصناعية. فالتلوث البيئي لا يعني بالضرورة وجود مقاومة للمضادات الحيوية، لكن تصريف المياه المستعملة والنفايات دون معالجة فعّالة قد يساهم، بحسب طبيعة الملوثات والظروف المحلية، في انتشار البكتيريا المقاومة أو انتقال جينات المقاومة في البيئة. ومن هنا تبرز ضرورة اعتماد مقاربة علمية متكاملة تشمل مراقبة جودة المياه والتربة والرواسب، ورصد البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية في محطات معالجة المياه المستعملة ومحيط المنشآت الصناعية، إلى جانب متابعة استعمال المضادات الحيوية في تربية الحيوانات والإنتاج الحيواني. وتتحمل الدولة، في هذا الإطار، مسؤولية تعزيز الرقابة البيئية والصحية، وإلزام المنشآت باحترام معايير المعالجة والتصريف، وتمويل الدراسات المستقلة التي تقيس حجم المخاطر الفعلية، مع نشر نتائجها بانتظام. كما ينبغي إرساء تعاون بين وزارات الصحة والفلاحة والبيئة، والجامعات، والمخابر البيطرية والميكروبيولوجية، حتى لا تظل مقاومة المضادات الحيوية ملفًا طبيًا معزولًا عن بقية السياسات العمومية. فحماية فعالية المضادات الحيوية لا تبدأ داخل المستشفى فقط، بل تستوجب أيضًا مراقبة مصادر التلوث وتعزيز الترصد البيئي والبيطري، وفق مقاربة «الصحة الواحدة» (One Health).

مقارنة الأولويات: هذه مقارنة في السياسات والأدوات المعلنة، وليست ترتيبًا لأداء الأنظمة الصحية؛ إذ يتطلب الحكم على النتائج مؤشرات موحدة وبيانات قابلة للمقارنة بين البلدان.

 

المعيار

تونس

فرنسا

هولندا

محور بارز

التأهب للجوائح ومكافحة داء الكلب

تنسيق السياسات الصحية والبيئية والترصد الحيواني

مكافحة مقاومة مضادات الميكروبات

أداة مؤسسية

خريطة طريق للصحة الواحدة ومبادرات مشتركة

خطط وطنية ومنصات متعددة الأطراف

خطة وطنية متعددة القطاعات للفترة 2024–2030

ما يستحق الدراسة

استدامة التنسيق والموارد والبيانات

تنظيم التعاون بين المؤسسات

دمج مراقبة المضادات الحيوية عبر القطاعات

4/ تحديات بناء منظومة صحية متكاملة في تونس

تحدد منظمة الصحة العالمية ضمن التحديات التي تواجه تطبيق الصحة الواحدة في تونس محدودية الموارد البشرية والمالية، وضعف المعرفة بالمقاربة لدى بعض الأطراف، وصعوبة ضمان مشاركة جميع الجهات المعنية،لكن تحليل هذه التحديات يقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات.

أولًا، مستوى الحوكمة ، قد تتوزع المسؤوليات بين وزارات ومؤسسات تمتلك اختصاصات قانونية مختلفة، دون أن يصاحب ذلك دائمًا تنسيق تشغيلي مستمر. لذلك، لا يكفي إعلان التعاون بين القطاعات؛ بل ينبغي تحديد الجهة التي تقود الاستجابة عند ظهور خطر صحي مشترك، والجهة التي تتحمل مسؤولية المتابعة والتقييم.

ثانيًا، مستوى المعلومات بالنفاذ لها وجودتها ووجودها عند الحاجة اليها ،لا تكون البيانات الصحية مفيدة بالقدر الكافي إذا بقيت مجزأة بين المؤسسات أو تعذر تبادلها في الوقت المناسب. وتحتاج تونس إلى تطوير منظومة ترصد تسمح بربط المؤشرات البشرية والبيطرية والبيئية، مع احترام حماية المعطيات الشخصية وضمان جودة البيانات.

ثالثًا، مستوى الوقاية والعدالة المجالية، لا تتوزع المخاطر الصحية بالتساوي بين الجهات على كامل الأقاليم. وقد تواجه المناطق التي تعاني ضغطًا بيئيًا أو ضعفًا في البنية الأساسية تحديات مختلفة عن المناطق الأخرى. ومن ثم، يجب أن تراعي السياسات الوطنية الفوارق الجهوية في التلقيح البيطري، والمراقبة الصحية، والحصول على المياه الآمنة، والاستجابة للمخاطر.

وتكمن أهمية هذه النقاط في أنها تنقل النقاش من السؤال التقليدي: كم خصصت الدولة للقطاع الصحي؟ إلى سؤال أكثر شمولًا: كيف توزع الدولة مواردها لمنع المخاطر التي قد تتحول لاحقًا إلى أعباء علاجية واقتصادية؟

5/ نحو سياسة وطنية للصحة الواحدة

يمكن أن يستند تطوير هذه المقاربة في تونس إلى خمس أولويات عملية:

  1. إرساء تنسيق وطني دائم: تحديد إطار مؤسسي واضح يضم قطاعات الصحة والفلاحة والبيئة والمياه والتعليم العالي، مع مشاركة البلديات والمجتمع المدني عند الحاجة.
  2. تطوير نظام إنذار مبكر مشترك: ربط البيانات المتعلقة بالأمراض البشرية والحيوانية، ومراقبة المياه والأغذية، والعوامل البيئية التي قد تشير إلى خطر صحي ناشئ.
  3. اعتماد مؤشرات أداء منشورة: مثل سرعة تبادل المعلومات، وتغطية التلقيح الحيواني ضد داء الكلب، ونتائج مراقبة سلامة الأغذية، واتجاهات استعمال المضادات الحيوية ومقاومتها، ومدة الاستجابة للتنبيهات الصحية.
  4. تعزيز التمويل الوقائي والبحث العلمي: دعم المختبرات والجامعات والبحث متعدد الاختصاصات، وإدراج تقدير الكلفة الاقتصادية للوقاية مقارنة بكلفة الاستجابة للأزمات.
  5. إشراك المواطنين والإعلام: نشر معلومات صحية موثوقة، وتوضيح طرق الوقاية من المخاطر المشتركة، وإتاحة البيانات العامة التي تسمح للصحفيين والباحثين بتقييم السياسات ومساءلة الجهات المسؤولة.

وتتوافق هذه الأولويات مع الدليل المشترك لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة والمنظمات الدولية الشريكة، الذي يوصي بتحليل الوضع الوطني، وإنشاء أو تقوية آليات التنسيق، وتحديد الموارد والأولويات، ثم تقييم التنفيذ وتبادل الدروس المستفادة لتحول من إدارة الأزمات إلى حوكمة المخاطر.

إن الرهان الحقيقي أمام تونس ليس تبني مصطلح «الصحة الواحدة» فحسب، بل تحويله إلى طريقة عمل دائمة في إدارة الصحة العامة. فالتجارب المقارنة تبين أن المقاربة المتكاملة يمكن أن تتخذ أشكالًا مختلفة كالتنسيق مؤسسي وترصد حيواني في فرنسا، وخطة متعددة القطاعات لمقاومة المضادات الحيوية في هولندا، وجهود لتطوير الترصد والتأهب للجوائح في تونس.

ولا يمكن تقييم نجاح التجربة التونسية بعدد الاستراتيجيات المعلنة أو الاتفاقيات المبرمة، بل بقدرتها على خفض المخاطر، وتحسين سرعة الاستجابة، وتوسيع الوقاية، وضمان وصول الخدمات إلى مختلف الجهات.ومن هنا، تصبح الصحة الواحدة اختبارًا لقدرة الدولة على العمل خارج حدود الاختصاصات الإدارية التقليدية، وعلى ربط السياسة الصحية بالسياسة البيئية والفلاحية والمائية دون أي منازع. وهي أيضًا اختبار للحوكمة والمساءلة: من يملك البيانات؟ من ينسق للقرار؟ من يمول الوقاية؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تفشل آليات الإنذار المبكر؟

فخلاصة القول أن الصحة العامة لا تبدأ عند باب المستشفى، بل تبدأ من البيئة التي يعيش فيها الإنسان، والحيوان الذي يتعامل معه، والغذاء الذي يستهلكه، والمياه التي يستخدمها، والسياسات التي تنظم هذه العلاقات هي رؤية مدمجة تهدف إلى حماية الصحة العامة والأمن الغذائي والمائي والبيئي والحيواني لتشكيل مقاربة الصحة الواحدة.

***************

مراجع أساسية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق