أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

إيران والولايات المتحدة: من صراع هرمز إلى اختبار القرار العسكري وحدود التسوية

تدخل المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة تتجاوز الصراع على حرية الملاحة في مضيق هرمز، لتضع الطرفين أمام اختبار أكثر تعقيدًا: هل يمكن تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى تسوية سياسية، أم أن استمرار الضغط سيدفع إلى جولة جديدة من الحرب لا يضمن أي طرف نتائجها النهائية؟

حتى 28 أكتوبر 2026، تتقاطع ثلاثة تطورات رئيسية. الأول، استمرار القيود والمخاطر التي تواجه الملاحة التجارية في الخليج ومضيق هرمز. والثاني، تعثر التوصل إلى صيغة مقبولة لإنهاء الحرب، على الرغم من استمرار الوساطة الإقليمية. والثالث، ظهور مؤشرات في تقارير أمريكية إلى استعدادات لاحتمال تجدد العمليات العسكرية، بالتوازي مع بقاء الخيار التفاوضي مطروحًا.

وتتطلب هذه التطورات قراءة تتجاوز الرواية التي تجعل الأزمة مجرد اختبار لإرادة واشنطن في فرض شروطها على طهران. فالمواجهة تكشف أيضًا حدود القدرة الأمريكية على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة، وحدود قدرة إيران على استخدام موقعها الجغرافي ووسائل الردع لفرض شروطها من دون تحمل كلفة اقتصادية وعسكرية متزايدة.

الحكم الأساسي لهذا التقدير هو أن الأزمة لم تصل إلى تسوية مستقرة، ولم تتوافر أدلة كافية على حسم قرار نهائي باستئناف الحرب. لكن خطر التصعيد أصبح مرتبطا بصورة مباشرة بفشل الوساطة، وبالخلاف على ترتيب التنازلات، وبمدى استعداد الطرفين لقبول تسوية لا تحقق جميع مطالبهما، وتظهر أهمية هذا الحكم عند مقارنة ثلاثة مسارات متزامنة:

المسار السياسي: محاولات وساطة تقودها قطر وباكستان، وتحركات خليجية لتجنب تجدد الحرب.

المسار الاقتصادي والبحري: استمرار الضغط على إيران، مقابل استخدام أمن الملاحة وهرمز عنصرًا مركزيًا في التفاوض.

المسار العسكري: تقارير عن استعدادات أمريكية وإسرائيلية محتملة، في وقت لا يزال فيه القرار السياسي النهائي غير محسوم وفق المعلومات المنشورة.

وفي هذا السياق، لا ينبغي التعامل مع التقارير التي تتحدث عن قرب اتفاق على أنها دليل على انتهاء الأزمة، ولا مع التقارير التي تتحدث عن استعدادات عسكرية على أنها إثبات بأن الهجوم أصبح حتميًا.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية لأن المعلومات المنشورة اليوم تتضمن تعارضً حقيقيا بشأن طبيعة المقترح القطري الأخير: فبينما أفادت تقارير بأن مسودة جديدة عرضت على طهران، نقلت رويترز عن مسؤول إيراني رفيع أن ما طرح لا يمثل عرضا مقبولا، بل أفكارا مرفوضة. وهذا التعارض لا يجوز حذفه من التقرير أو حسمه لصالح رواية واحدة من دون دليل مستقل.

لا تتمثل نقطة التحول الحقيقية في إعلان إعادة فتح مضيق هرمز، بل في معرفة ما إذا كان الطرفان قادرين على الاتفاق على تسلسل متبادل وقابل للتحقق للإجراءات الأمنية والاقتصادية والنووية.

إذا أمكن التوصل إلى هذا التسلسل، فقد يتحول التفاوض إلى مسار فعلي لخفض التصعيد. أما إذا بقي كل طرف يشترط تنازلًا مسبقًا من الآخر، فإن استمرار الضغط سيزيد احتمال وقوع مواجهة جديدة، حتى لو استمرت قنوات الوساطة مفتوحة.

المسار التفاوضي: تعدد المبادرات لا يعني وجود اتفاق قابل للتنفيذ

تُظهر التطورات الدبلوماسية الأخيرة أن الوساطة لم تتوقف، لكنها لم تتجاوز بعد الخلاف على جوهر التسوية وتسلسل تنفيذها.

في 28 أكتوبر، نقلت رويترز أن وسطاء قطريين قدموا مسودة جديدة لإنهاء الحرب إلى طهران، استنادًا إلى مسؤول مطلع على المفاوضات. لكن مسؤولًا إيرانيًا رفيعًا قال للوكالة إن الدوحة طرحت أفكارًا غير مقبولة، لا عرضًا تفاوضيًا يمكن التعامل معه على أساس أنه اتفاق مطروح للتوقيع

وفي المقابل، أفادت صحيفة الغارديان بأن دولًا خليجية تعمل على صيغة متعددة المسارات تتضمن إعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف العقوبات، وخفض التصعيد في اليمن، إلى جانب بحث ترتيبات أمنية إقليمية أوسع. ونقلت الصحيفة عن نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري أن طهران مستعدة لتقليص الفترة المقترحة لإعادة فتح المضيق من سبعة أيام إلى أربعة أيام بعد رفع العقوبات.

ينبغي هنا الفصل بين ثلاثة مستويات من المعلومات:

المستوى الأول: وجود اتصالات ووساطة

تتلاقى التقارير على استمرار الجهود الدبلوماسية، وتبرز قطر وباكستان ضمن القنوات الرئيسية. وهذا يعزز الاستنتاج بأن الأطراف لم تغلق المسار السياسي نهائيًا.

المستوى الثاني: مضمون المقترح 

توجد تقارير عن أفكار تتعلق بالملاحة والعقوبات والملف النووي واليمن. لكن التفاصيل المتاحة لا تكفي لإثبات أن جميع الأطراف وافقت على نص موحد.

المستوى الثالث: قابلية التنفيذ 

لا توجد، ضمن المعلومات التي أمكن التحقق منها، أدلة كافية على اتفاق نهائي يتضمن التزامات متبادلة ومواعيد تنفيذ وضمانات وآلية للتحقق.

والأهم أن الخلاف ليس تقنيا فقط، إنه خلاف على ترتيب الأولويات: تريد طهران ضمانات تتصل برفع العقوبات والحصار، بينما تسعى واشنطن إلى إدراج الملف النووي ضمن شروط التسوية منذ بدايتها. وتذكر التقارير أن إيران لا تزال ترفض إعادة المفتشين الدوليين إلى بعض المواقع النووية المتضررة في إطار الترتيبات المطروحة.

وإن استمرار الوساطة دليل على وجود مصلحة مشتركة في تجنب كلفة الحرب، لكنه لا يثبت أن الفجوة السياسية تقلصت بما يكفي لإنتاج اتفاق. وقد تكون المفاوضات في الوقت نفسه أداة لإدارة الأزمة، ووسيلة لاختبار استعداد الطرف الآخر للتنازل، ومسارًا لتأخير التصعيد.

ولا يمكن، في هذه المرحلة، الجزم بأن أحد الأطراف يستخدم التفاوض فقط لكسب الوقت؛ فهذا استنتاج يحتاج إلى أدلة إضافية.

هل أصبح استئناف العمليات العسكرية خيارًا عمليا؟

نشر موقع وول ستريت جورنال في 28 أكتوبر تقريرا أفاد بأن الولايات المتحدة أبلغت دولًا خليجية بضرورة الاستعداد لاحتمال حملة عسكرية قصيرة وشديدة ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية. واستند التقرير إلى أشخاص أُطلعوا على الاتصالات، وتحدث عن مؤشرات على استعدادات أمريكية وإسرائيلية لاحتمال استئناف العمليات.

  • نقل تحذيرات إلى دول الخليج، إذا صح التقرير، يعني أن احتمال التصعيد أصبح موضوعا يستدعي الاستعداد السياسي والأمني. لكنه لا يثبت أن قرار الهجوم اتُّخذ أو أن موعده حدد.
  • قد تخدم التحذيرات عدة أغراض متزامنة: تهيئة الدول المعنية لاحتمال توسع المواجهة، وتعزيز الضغط على طهران، ودفع الوسطاء إلى تسريع جهودهم، والاستعداد لاحتمال فشل المفاوضات.
  • قد تكون بعض الاستعدادات العسكرية مخصصة للدفاع عن القوات والمنشآت والمصالح الأمريكية، لا لتنفيذ هجوم جديد. لذلك لا يجوز التعامل مع كل تحرك عسكري باعتباره مؤشرًا هجوميًا.
  • يشير التقرير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يحسم قراره النهائي، وأن الخيار التفاوضي لا يزال مطروحًا. لكن هذه النقطة تظل منسوبة إلى التقرير، ولا تمثل اطلاعًا مباشرًا على مداولات البيت الأبيض

ولا تتوافر معلومات مستقلة كافية تسمح بتحديد أهداف الحملة المحتملة أو نطاقها أو توقيتها أو قواعد الاشتباك التي ستعتمد فيها. وأي ادعاء بتحديد هذه العناصر من دون أدلة موثوقة سيكون استنتاجًا يتجاوز المعلومات المتاحة.

الموقف الإيراني: بين الحفاظ على الردع وتجنب استنزاف القدرات

تواجه إيران معادلة معقدة. فمن جهة، لا تستطيع قبول ترتيبات تفسر داخليا على أنها خضوع كامل للضغط العسكري والاقتصادي. ومن جهة أخرى، فإن استمرار الحرب والحصار يرفع كلفة إعادة بناء القدرات العسكرية والاقتصادية، ويزيد المخاطر التي تواجه البنية التحتية والملاحة والصادرات.

لذلك، فإن التمسك بشروط رفع العقوبات وإعادة فتح المضيق لا ينبغي تفسيره بالضرورة بوصفه رفضًا نهائيًا للتفاوض. فقد يكون وسيلة لإعادة ترتيب جدول الأعمال بحيث تبدأ التسوية بمعالجة الإجراءات التي تعتبرها طهران تهديدًا مباشرًا لاستمرارها الاقتصادي وقدرتها على الردع.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز افتراض أن إيران مستعدة لتقديم تنازلات نووية جوهرية لمجرد أنها أبدت مرونة في الجدول الزمني المقترح لإعادة فتح المضيق.

ويجب اختبار ثلاث فرضيات:

الفرضية الأولى: التفاوض من موقع الضغط: تسعى طهران إلى تخفيف الحصار والعقوبات، مع الاحتفاظ بأدوات الردع التي تمنع واشنطن من فرض تسوية أحادية.

الفرضية الثانية: شراء الوقت:  تستفيد إيران من استمرار الوساطة لتجنب جولة جديدة من الضربات، مع محاولة الحفاظ على قدراتها وإعادة ترتيب أولوياتها.

الفرضية الثالثة: الانتقال إلى تسوية مرحلية  : تقبل طهران خطوات محدودة في ملف الملاحة أو التحقق النووي مقابل إجراءات أمريكية مقابلة، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيدًا إلى مراحل لاحقة.

الملف النووي: فجوة التحقق لا تساوي إثبات وجود قرار بصنع سلاح

في إحاطة أمام مجلس الأمن، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إنه لا توجد مؤشرات على أن إيران شرعت في إصلاح أو إعادة بناء المنشآت النووية التي تضررت من الضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال عامي 2025 و2026. لكنه أكد أن الوكالة لم تتمكن من التحقق من وضع مخزون اليورانيوم عالي التخصيب منذ الضربات الأمريكية في يونيو 2025.

وتتطلب هذه المعلومات تمييزا ضروريا بين ثلاثة أمور:

1- عدم وجود مؤشرات على إعادة بناء المنشآت المتضررة.

2-  تعذر التحقق الكامل من وضع المواد النووية الموجودة.

3- إثبات أن إيران اتخذت قرارا سياسيا أو عسكريًا بإنتاج سلاح نووي.

لكن تعذر التحقق يظل عاملا يزيد الغموض الاستراتيجي، ويمنح واشنطن مبررا للضغط من أجل ترتيبات رقابية أوسع، في حين ترى طهران أن الملف النووي لا يمكن فصله عن الحرب والضربات والعقوبات.

ستظل قضية التحقق النووي إحدى أهم نقاط التعطيل في المفاوضات. ومن غير المرجح أن تصبح التسوية مستقرة ما لم يُعالج الخلاف بشأن نطاق التفتيش، وتسلسل الالتزامات، والضمانات المتبادلة، من دون تحويل عدم اليقين الفني إلى حكم سياسي مسبق على نيات إيران.

مضيق هرمز ورقة الضغط وحدود استخدامها

يجب النظر إلى مضيق هرمز بوصفه جزءا من معادلة القوة الاقتصادية والعسكرية، وليس مجرد ممر بحري يمكن تصنيفه ثنائيًا بأنه مفتوح أو مغلق.

تتابع المنظمة البحرية الدولية الوضع الإقليمي، وتنشر بيانات عن الحوادث التي تستهدف السفن والبحارة. وتوضح أن بيانات الحوادث الموثقة تُجمع بالاستناد إلى معلومات من دول العلم والدول الساحلية ومصادر خارجية موثوقة. كما أشارت إلى استمرار حالة عدم الاستقرار وتأثر البحارة والسفن في المنطقة.

هذه البيانات المؤسسية أكثر فائدة لتقييم سلامة الملاحة من التصريحات السياسية وحدها، لكنها لا تكشف بمفردها نيات القيادة الإيرانية أو الأمريكية.

لماذا لا يشترط أن يكون المضيق مغلقًا بالكامل حتى يتحقق الضغط؟

يمكن أن يتراجع انتظام الملاحة، وترتفع كلفة التأمين، وتتغير قرارات شركات الشحن، حتى من دون توقف كامل لحركة السفن. ومن ثم، فإن أثر التهديد البحري قد يظهر في الاقتصاد قبل أن يظهر في صورة إغلاق كامل للممر.

لكن استخدام هذه الورقة ينطوي على كلفة أيضًا. فاستمرار اضطراب الملاحة قد يزيد الضغط على صادرات إيران، ويعزز الحوافز لدى الدول المتضررة لتشديد الإجراءات الاقتصادية أو دعم عمليات بحرية أكثر اتساعًا.

وهنا تظهر المعضلة الإيرانية: تستطيع طهران رفع كلفة استمرار المواجهة، لكنها لا تستطيع افتراض أن هذه الكلفة ستقع على خصومها وحدهم.

ما الذي تسعى إليه واشنطن؟

من منظور المصالح الأمريكية، يرتبط أمن المضيق بحرية التجارة، واستقرار أسواق الطاقة، وحماية القوات والمصالح الإقليمية، ومنع إيران من تحويل قدرتها على التأثير في الملاحة إلى حق دائم في فرض شروط سياسية على حركة السفن.

لكن واشنطن تواجه بدورها سؤالا استراتيجيا: هل يمكن تحقيق هذه الأهداف بوسائل بحرية واقتصادية محدودة، أم أن الضغط سيستدعي توسيع العمليات العسكرية ويزيد احتمالات الرد الإيراني؟

لا توجد قاعدة تتيح الجزم بأن الخيار العسكري هو الوسيلة الوحيدة المتاحة للولايات المتحدة، كما لا يمكن افتراض أن التفاوض سيؤدي بالضرورة إلى تسوية مقبولة.

ما المخرج الأكثر استقرارا؟

المخرج الأكثر قابلية للاستمرار هو اتفاق يحدد ترتيبات الملاحة، وآليات التعامل مع الحوادث، والتزامات الأطراف، والتسلسل الزمني لتخفيف الإجراءات الاقتصادية والعسكرية.

أما الاكتفاء بإعلان سياسي عن إعادة فتح المضيق، من دون معالجة أسباب انعدام الثقة، فقد يؤدي إلى استئناف التهديدات عند أول خلاف جديد.

قيمة هرمز التفاوضية لا تكمن في تعطيل الملاحة إلى أجل غير محدد، بل في قدرة الأطراف على تحويل أمنه إلى جزء من تسوية متبادلة تضمن مصالحها وتخفض كلفة المواجهة.

مراكز القرار ما الذي يمكن استنتاجه عن واشنطن وطهران؟

  • واشنطن: القرار بين الضغط والنتيجة السياسية

لا ينبغي اختزال القرار الأمريكي في سؤال ما إذا كان ترامب يريد الهجوم أم لا. فالأهم هو تحديد الشروط التي قد تدفع الإدارة إلى استخدام القوة، وما إذا كانت تتوقع أن تحقق الضربات الإضافية نتيجة سياسية لا يمكن تحقيقها بوسائل أخرى.

ثمة أربعة اعتبارات رئيسية:

  • أمن القوات والمصالح الأمريكية: أي تصعيد جديد قد يستدعي ردًا إيرانيًا، ويزيد المخاطر على القوات والمنشآت والمصالح الأمريكية في المنطقة.
  • الملف النووي: قد ترى الإدارة أن استمرار فجوة التحقق يبرر زيادة الضغط، لكن الضربات العسكرية وحدها لا توفر بالضرورة نظامًا مستدامًا للتحقق من المواد النووية.
  • الاقتصاد الداخلي: ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب التجارة يمكن أن يوسعا الكلفة السياسية للحرب، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
  • مصداقية الردع: قد تخشى الإدارة أن يؤدي التراجع من دون اتفاق إلى إضعاف قدرتها على ردع إيران مستقبلًا، لكنها قد تواجه أيضًا مخاطر إذا توسعت العمليات من دون تحقيق أهداف واضحة.

تدعم هذه الاعتبارات فرضية أن القرار الأمريكي يتأثر بتوازن بين الضغط والمخاطر، لكنها لا تكشف وحدها كيف يوازن ترامب بينها في مداولاته الخاصة.

  • طهران: هل يمكن الاحتفاظ بأوراق الردع من دون توسيع الحرب؟

تسعى القيادة الإيرانية، بحسب السلوك التفاوضي المعلن، إلى ربط تخفيف الضغط البحري والاقتصادي بترتيبات أوسع تشمل إنهاء الحرب ومعالجة الملف النووي.

لكن الموقف الإيراني لا يمكن تقييمه من خلال التصريحات وحدها. ينبغي النظر أيضًا إلى مدى استعداد طهران لقبول آليات تحقق قابلة للتنفيذ، وإلى قدرتها على منع الحوادث البحرية من دفع الطرف الآخر إلى التصعيد.

وتواجه إيران معضلة مزدوجة: تقديم تنازلات كبيرة قد يضعف موقفها الردعي، في حين أن رفض التسوية قد يطيل الحصار ويزيد كلفة الحرب.

قد يكون هدف طهران الوصول إلى اتفاق مرحلي يحفظ بعض عناصر الردع ويخفف الضغط الاقتصادي، لكن الأدلة المتاحة لا تكفي للجزم بأنها حسمت هذا الخيار أو أنها مستعدة لتقديم التنازلات المطلوبة لتحقيقه.

السيناريوهات المرجحة

السيناريو الأول: تسوية مرحلية بضمانات متبادلة

يقوم على الاتفاق على ترتيبات للملاحة، وإجراءات لتخفيف بعض القيود الاقتصادية والبحرية، ومسار تفاوضي نووي محدد المراحل.

يتطلب هذا السيناريو قبول الطرفين بتسلسل متبادل للخطوات، بحيث لا يتحمل أحدهما كامل كلفة التنازل قبل حصوله على مقابل قابل للتحقق. ومن مؤشرات هذا السيناريو هو ظهور نص تفاوضي واضح، واتفاق على آلية تنفيذ، وبدء خطوات عملية متزامنة.

ولكن يبقى الخلاف على ترتيب الأولويات، خصوصًا بين رفع العقوبات والضمانات البحرية من جهة، والتحقق النووي من جهة أخرى.

السيناريو الثاني: استمرار الضغط والتفاوض من دون اتفاق شامل

يبقى الضغط الاقتصادي والبحري قائمًا، فيما تستمر الوساطة من دون تسوية نهائية. وقد يتيح هذا السيناريو للطرفين تجنب الحرب الفورية، لكنه يترك أسباب التصعيد قائمة ويزيد احتمال وقوع حادث يؤدي إلى جولة جديدة من المواجهة. ومن مؤشراته استمرار الخلاف على الشروط، وعدم ظهور آلية تحقق مشتركة، وبقاء التهديدات البحرية والقيود الاقتصادية. كما ان هذا مسار ينبغي أخذه بجدية، لأن استمرار التفاوض لا يعني أن الاتفاق أصبح وشيكًا.

السيناريو الثالث: استئناف حملة عسكرية محدودة

قد يحدث إذا فشلت الوساطة بصورة حادة، أو وقع تطور أمني يدفع أحد الطرفين إلى اعتبار الوضع القائم غير قابل للاستمرار.

وتستحق التقارير التي نشرتها وول ستريت جورنال بشأن الاستعداد لاحتمال حملة أمريكية وإسرائيلية جديدة المتابعة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن القرار العسكري اتُّخذ. ومن مؤشرات هذا السيناريو تراجع جوهري في المسار السياسي، وظهور أدلة مستقلة على انتقال القرارات العسكرية من التخطيط الاحترازي إلى التنفيذ، وتغير ملموس في مستوى المواجهة، مع احتمال جدي، لكن لا تتوافر معلومات موثوقة تكفي لتحديد توقيته أو أهدافه أو حجمه.

السيناريو الرابع: اتفاق مؤقت يعالج الملاحة ويؤجل الملف النووي

قد يتوصل الطرفان إلى ترتيبات محدودة لخفض مخاطر الملاحة وتخفيف بعض الإجراءات، مع تأجيل الخلافات النووية الأكثر تعقيدًا إلى مرحلة لاحقة. وقد يقلل هذا السيناريو مخاطر التصعيد الفوري، لكنه لا ينهي الصراع. وسيعتمد استقراره على وضوح الالتزامات، وقدرة الوسطاء على ضمان التنفيذ، واستعداد الأطراف للامتناع عن استخدام الخلافات المؤجلة ذريعة لإعادة التصعيد.

وينبغي أن يسجل كل تحديث مصدر المعلومة وتاريخها، وما إذا كانت مؤكدة أو منقولة عن مسؤولين لم تُكشف هوياتهم، وأثرها في السيناريوهات القائمة.

الخلاصة:

تتمثل المعضلة المركزية في المواجهة الأمريكية الإيرانية في أن أدوات الضغط التي يستخدمها الطرفان قد ترفع كلفة استمرار الحرب، لكنها لا تضمن أن يغيّر أي منهما موقفه السياسي بالشكل الذي يريده الآخر.

تملك الولايات المتحدة تفوقًا عسكريا وأدوات اقتصادية واسعة، لكن استخدامها لا يضمن وحده إنهاء التهديدات البحرية أو حل مشكلة التحقق النووي. وتمتلك إيران موقعًا جغرافيًا مؤثرا وأدوات ردع، لكن هذه الأوراق لا تعفيها من كلفة الحصار والاضطراب الاقتصادي واحتمال التعرض لضربات إضافية.

وفي ضوء المعلومات المتاحة حتى 28 أكتوبر 2026، فإن الاستنتاج الأكثر اتزانا هو أن المواجهة تقف عند تقاطع مسارين: محاولة إعادة بناء تسوية مرحلية، والاستعداد لاحتمال فشلها.

لا يوجد ما يكفي للجزم بأن واشنطن حسمت قرار شن هجوم جديد، كما لا يوجد ما يكفي للقول إن طهران قررت توسيع المواجهة. لكن استمرار الخلاف على ترتيب التنازلات، بالتزامن مع التقارير عن الاستعدادات العسكرية، يجعل خطر التصعيد عنصرًا أساسيًا في تقدير الموقف.

وعليه، فإن المؤشر الحاسم في المرحلة المقبلة لن يكون مستوى الخطاب السياسي وحده، بل ظهور أدلة على انتقال الأطراف من تبادل الشروط إلى تنفيذ التزامات متبادلة وقابلة للتحقق.

كما لا يُقاس نجاح أي طرف في هذه المواجهة بقدرته على إلحاق الضرر بخصمه فحسب، بل بقدرته على تحويل أدوات القوة إلى ترتيب سياسي وأمني قابل للاستمرار. وحتى تظهر آلية واضحة تربط أمن الملاحة بتخفيف الضغط الاقتصادي والتحقق النووي، ستظل التسوية ممكنة، لكن هشّة، وسيظل خطر العودة إلى العمليات العسكرية قائمًا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق