مخرجات اجتماع إسطنبول: توافق إقليمي وأوروبي على رفض التصعيد العسكري ضد إيران والدفع نحو تسوية دبلوماسية

اعداد نور الهدى فجراوي :قسم الاخبار الدولية 24-10-2026
في تحرك دبلوماسي يعكس تنامي المخاوف من اتساع رقعة الصراعات في الشرق الأوسط وتأثيراتها على الأمن الدولي والاقتصاد العالمي، استضافت مدينة إسطنبول التركية، يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، اجتماعاً ضم وزراء خارجية ثماني دول، هي تركيا ومصر والسعودية وباكستان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، لبحث تطورات الحرب المرتبطة بإيران، وأمن الملاحة البحرية، والتصعيد في اليمن، إلى جانب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
وجاء الاجتماع في إطار صيغة تجمع مجموعة «آر 4» التي تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان، ومجموعة «إي 3» الأوروبية المكونة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بمشاركة إيطاليا. وشكّل هذا اللقاء أول اجتماع بهذا التشكيل، في محاولة لتنسيق المواقف بين قوى إقليمية وأوروبية تتباين مصالحها في بعض الملفات، لكنها تتقاطع في مخاوفها من انتقال الأزمات القائمة إلى مواجهات أوسع يصعب احتواء تداعياتها.
رفض التدخل العسكري ضد إيران وتغليب المسار الدبلوماسي
تصدر ملف إيران جدول أعمال الاجتماع، في ظل المخاوف من احتمال تجدد الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد أهداف إيرانية، وما قد يترتب على ذلك من انهيار التهدئة واتساع نطاق المواجهة في المنطقة.
وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال مؤتمر صحفي عقب الاجتماع، أن الدول المشاركة تتفق على أن شن هجوم عسكري جديد على إيران من شأنه توسيع دائرة الحرب والصراع في الشرق الأوسط، مشدداً على أن التدخل العسكري لا يمثل حلاً للأزمة، وأن الحوار والدبلوماسية يظلان المسار الأكثر ملاءمة لاحتواء التصعيد.
وأشار فيدان إلى وجود توافق واسع بين الدول الثماني بشأن ضرورة منع اتساع رقعة الحرب والعمل على إنهائها في أقرب وقت ممكن، من خلال وقف إطلاق النار والتوصل إلى تفاهمات سياسية تحول دون تجدد المواجهات. ويعكس هذا الموقف خشية مشتركة من أن يؤدي اللجوء مجدداً إلى القوة العسكرية إلى تعقيد الأزمة بدلاً من تسويتها، خاصة في ظل تشابك المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية للأطراف المعنية.
وفي السياق ذاته، حذر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو من أن التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران لن يؤدي إلا إلى تعميق الخسائر، مؤكداً أن تداعياته قد تمتد إلى أسعار النفط والغاز واستقرار الأسواق الدولية. كما شدد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني على ضرورة خفض التوتر وضمان حرية الملاحة، معتبراً أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على الحل العسكري وحده.
ويكشف هذا التقارب عن رغبة الدول المشاركة في توجيه رسالة مشتركة تدعو إلى ضبط النفس وفتح المجال أمام التسوية السياسية. غير أن الاتفاق على رفض التصعيد لا يعني بالضرورة وجود رؤية موحدة بشأن جميع جوانب الأزمة الإيرانية، إذ تظل المواقف المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والضمانات الأمنية الإقليمية وشروط التسوية النهائية موضع تفاوض وتباين بين الأطراف الدولية.
مضيق هرمز وأمن الملاحة: البعد الاقتصادي للأزمة
احتل أمن الملاحة البحرية موقعاً محورياً في مباحثات إسطنبول، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية. وأكد فيدان ضرورة إعادة فتح المضيق أمام الملاحة الآمنة في أقرب وقت ممكن، محذراً من الآثار السلبية لتعطل حركة السفن على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
ولا تقتصر تداعيات اضطراب الملاحة في المضيق على الدول المطلة على الخليج، بل تمتد إلى الاقتصادات الأوروبية والآسيوية، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على استقرار إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد البحرية. كما أن استمرار التوتر يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد من الضغوط على الدول المستوردة للطاقة، خصوصاً الاقتصادات التي تعاني من هشاشة مالية أو ارتفاع فاتورة الواردات.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التنسيق بين الدول الأوروبية والقوى الإقليمية، باعتباره محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية للأزمة بالتوازي مع المساعي السياسية لإنهاء الحرب. فحرية الملاحة لم تعد مسألة بحرية محضة، وإنما أصبحت مرتبطة بالأمن الاقتصادي العالمي وبقدرة الدول على حماية مصالحها التجارية من انعكاسات الصراعات المسلحة.
وشدد فيدان على أن الدعوة إلى الحوار لا تعني القبول بالقيود المفروضة على الملاحة المشروعة، مؤكداً ضرورة ضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز ومضيق باب المندب، في ظل الترابط بين أمن الخليج والبحر الأحمر والتجارة الدولية.
اليمن: إدانة التصعيد الحوثي والتأكيد على دعم السعودية
تطرق الاجتماع كذلك إلى التطورات الأمنية في اليمن، ولا سيما الهجمات التي تستهدف السعودية والتصعيد المرتبط بجماعة أنصار الله الحوثيين. وفي بيان منفصل صادر عن وزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية وباكستان، أعربت الدول الأربع عن تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية، مؤكدة دعم سيادتها ووحدة أراضيها.
كما أدانت الدول الأربع التصعيد العسكري الحوثي، ودعت الجماعة إلى وقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار السياسي، مع التأكيد على دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
ويعكس هذا الموقف استمرار القلق الإقليمي من تحول الساحة اليمنية إلى مصدر تهديد للأمن الخليجي والملاحة في البحر الأحمر، خاصة في ظل ارتباط أمن الممرات البحرية بالتطورات العسكرية في الخليج. فاستمرار الهجمات واتساع نطاقها قد يؤديان إلى زيادة المخاطر على حركة التجارة الدولية، فضلاً عن تعقيد جهود التسوية السياسية في اليمن.
وتكشف هذه المخرجات عن محاولة للفصل بين دعم الأمن الإقليمي وضرورة مواصلة المسار السياسي، بما يسمح بتقليص مخاطر المواجهة دون التخلي عن الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية مستدامة للأزمة اليمنية.
الحرب الروسية الأوكرانية: وقف إطلاق النار وحماية تدفقات الحبوب والطاقة
لم تقتصر المباحثات على الشرق الأوسط، بل شملت أيضاً الحرب الروسية الأوكرانية، التي لا تزال تداعياتها تؤثر في الأمن الأوروبي واستقرار أسواق الطاقة والغذاء.
وأوضح فيدان أن الدول المشاركة تتفق على ضرورة التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أوكرانيا في أقرب وقت ممكن، تمهيداً لإبرام اتفاق سلام. كما شدد على أهمية ضمان أمن الملاحة وحرية المرور في البحر الأسود، باعتباره ممراً حيوياً لصادرات الحبوب والمنتجات الزراعية والطاقة.
وفي حال تعذر وقف الحرب، دعا الوزير التركي إلى النظر في ترتيبات تسمح باستمرار تدفقات الطاقة والحبوب إلى الأسواق العالمية، تفادياً لتحميل الدول الأخرى أعباء اقتصادية إضافية نتيجة الصراع.
واستحضر فيدان تجربة مبادرة حبوب البحر الأسود التي ساهمت تركيا في تسهيلها خلال الحرب، معتبراً أن حماية الإمدادات الغذائية الدولية تتطلب تفاهمات عملية حتى في ظل استمرار الخلافات العسكرية والسياسية بين الأطراف المتحاربة.
ويبرز هذا الملف الترابط المتزايد بين أزمات الأمن الأوروبي وأمن الشرق الأوسط، إذ يمكن للاضطرابات في البحر الأسود أن تؤثر في أسعار الغذاء وتوافره في الدول المستوردة، بما فيها بلدان الشرق الأوسط وإفريقيا. ومن ثم، فإن الدعوة إلى حماية الملاحة لا تستند فقط إلى اعتبارات استراتيجية، بل تشمل أيضاً الحد من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للحروب.
القضية الفلسطينية والتصعيد الإقليمي في صلب المواقف الإقليمية
بالتوازي مع الاجتماع الموسع، عقد وزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية وباكستان اجتماعاً منفصلاً، أكدوا خلاله أن الاحتلال الإسرائيلي يمثل، وفق البيان الصادر عنهم، المصدر الأساسي لعدم الاستقرار في المنطقة وخارجها. كما دعوا إلى وضع حد للدمار والمعاناة الإنسانية في فلسطين.
ويعكس هذا الموقف استمرار حضور القضية الفلسطينية في الحسابات الدبلوماسية الإقليمية، في ظل ما تثيره الحرب على غزة من تداعيات إنسانية وسياسية وأمنية. كما يشير إلى رغبة الدول الأربع في ربط معالجة الأزمات الإقليمية بضرورة الحد من التصعيد الإسرائيلي وإنهاء المأساة الإنسانية الفلسطينية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين البيان الصادر عن الدول الأربع والمباحثات الأوسع التي جمعت الدول الثماني، إذ لا تعني مشاركة الأطراف الأوروبية في الاجتماع تبنيها تلقائياً لجميع المواقف الواردة في البيان المنفصل.
ليبيا وترسيم الحدود البحرية: اختبار للعلاقات التركية المصرية
على هامش الاجتماع، برز ملف ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا ضمن المباحثات الثنائية بين هاكان فيدان ونظيره المصري بدر عبد العاطي، في أعقاب تصديق مجلس النواب الليبي في شرق البلاد على الاتفاق المتعلق بتحديد الاختصاصات البحرية بين أنقرة وطرابلس، وهو ما أثار اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية.
وأكد فيدان أن الاتفاق البحري الموقع عام 2019 لا يستهدف، وفق الموقف التركي، أي طرف ثالث، مشيراً إلى استمرار المشاورات مع القاهرة بهدف معالجة مخاوفها. كما أعرب عن استعداد أنقرة لمناقشة المسألة مع مصر وإيطاليا، في إطار البحث عن مقاربات بناءة تحول دون تحول الخلاف إلى مصدر إضافي للتوتر في شرق البحر المتوسط.
في المقابل، جدد وزير الخارجية المصري رفض بلاده التصديق على مذكرة التفاهم البحرية، مؤكداً ضرورة احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ولا سيما فيما يتعلق بتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري. وأوضحت القاهرة أن المصادقة الليبية لا تنشئ، من وجهة نظرها، آثاراً قانونية في مواجهة مصر.
ويتجاوز الخلاف مسألة تقنية تتعلق بترسيم الحدود، إذ يرتبط بتداخل المطالبات البحرية، وحقوق استكشاف موارد الطاقة، وموازين النفوذ بين دول المنطقة. كما يكتسب أهمية إضافية بسبب استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي في ليبيا، وما يطرحه من تساؤلات حول إدارة الاتفاقات الاستراتيجية وتمثيل الدولة الليبية في علاقاتها الخارجية.
وفي هذا السياق، أبدى فيدان تفاؤلاً بإمكانية تحقيق تقدم في توحيد المؤسسات الليبية، بما يشمل الهياكل العسكرية في شرق البلاد وغربها، معرباً عن أمله في الإعلان عن تطورات إيجابية خلال الفترة المقبلة. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطاً بتوافقات سياسية وأمنية معقدة، ولا يمكن اعتباره نتيجة تحققت بالفعل خلال اجتماع إسطنبول.
تركيا وتعزيز دورها كوسيط إقليمي
تكتسب استضافة إسطنبول لهذا الاجتماع أهمية خاصة بالنسبة إلى تركيا، التي تسعى إلى توسيع دورها الدبلوماسي عبر الجمع بين قوى إقليمية وأوروبية ضمن إطار مرن للتشاور وتنسيق المواقف.
وأوضح فيدان أن الصيغة التي تجمع مجموعة «آر 4» بالمجموعة الأوروبية «إي 3»، إلى جانب إيطاليا، توفر مجالاً لتبادل وجهات النظر بشأن أزمات مترابطة جغرافياً وسياسياً، من دون أن تكون إطاراً مؤسسياً ملزماً أو تحالفاً عسكرياً موجهاً ضد دولة بعينها.
وتتيح هذه المقاربة لأنقرة تعزيز اتصالاتها مع العواصم الغربية والإقليمية، مع الاحتفاظ بهامش للتحرك الدبلوماسي تجاه أطراف متعارضة. غير أن فاعلية هذا المسار ستظل رهينة قدرته على الانتقال من التوافقات العامة إلى خطوات عملية، سواء فيما يتعلق بوقف الحرب المرتبطة بإيران، أو حماية الملاحة، أو دعم التسويات السياسية في اليمن وأوكرانيا وليبيا.
مخرجات سياسية مهمة دون اتفاق شامل على التسوية
تكشف مخرجات اجتماع إسطنبول عن تقاطع مصالح بين الدول الثماني في رفض اتساع رقعة الحرب المرتبطة بإيران، والدعوة إلى تغليب الدبلوماسية، وإعادة تأمين الملاحة البحرية، والحد من التداعيات الاقتصادية للصراعات الدولية. كما أظهرت المباحثات وجود مساحة للتنسيق بشأن اليمن وأوكرانيا، في حين برز الملف الليبي باعتباره مجالاً لمواصلة الحوار الثنائي بين تركيا ومصر، رغم استمرار الخلاف حول الاتفاق البحري.
ومع ذلك، فإن أهمية الاجتماع تكمن أساساً في صياغة موقف سياسي مشترك بشأن ضرورة احتواء التصعيد، وليس في التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الأزمات المطروحة. فلم تُعلن، وفق التصريحات المتاحة، تسوية نهائية للأزمة الإيرانية، كما لم يُكشف عن آلية ملزمة تضمن وقف العمليات العسكرية أو إعادة فتح الممرات البحرية بصورة مستدامة.
وعليه، يمثل اجتماع إسطنبول محاولة لتوسيع التنسيق بين القوى الإقليمية والأوروبية في لحظة تتشابك فيها أزمات الأمن والطاقة والتجارة والغذاء. وستتوقف النتائج الفعلية لهذا التحرك على مدى استعداد الأطراف المعنية لترجمة الدعوات الدبلوماسية إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، وعلى قدرة الدول المشاركة على الحفاظ على تنسيقها رغم اختلاف مصالحها وتقديراتها الاستراتيجية.



