واشنطن توسّع الحرب الاقتصادية على إيران: من تجفيف الموارد إلى اختبار حدود الإخضاع السياسي

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الامنية والعسكرية: 16-10-2026
مقدمة: حين تتحول الأدوات الاقتصادية إلى امتداد مباشر للصراع
لم يعد الضغط الأمريكي على إيران مجرد سياسة عقوبات تستهدف أفراداً ومؤسسات بعينها، بل أصبح جزءاً من مواجهة أوسع تسعى واشنطن من خلالها إلى تقليص قدرة طهران على تمويل الدولة، والحفاظ على تدفقات النقد الأجنبي، وإدارة علاقاتها التجارية والمالية خارج المنظومة التي تهيمن عليها الولايات المتحدة. ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية في ظل الحرب الدائرة بين الطرفين، وما رافقها من اضطراب في الملاحة الإقليمية وارتفاع في تكاليف الطاقة والنقل.
وفي أحدث خطواتها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، في 15 أكتوبر 2026، فرض عقوبات على 16 شخصاً و10 كيانات، ضمن عملية أطلقت عليها واشنطن اسم “Economic Outcast”، واستهدفت من خلالها شبكات مالية تقول إنها تساعد إيران على تجاوز العقوبات، من بينها بنك التنمية الدولي العراقي للاستثمار والتمويل. وتقدم الإدارة الأمريكية هذه الإجراءات باعتبارها وسيلة لقطع الموارد التي تقول إنها تدعم القدرات العسكرية الإيرانية وشبكات حلفائها.
لكن فهم هذه الخطوة يتطلب تجاوز اللغة التي تستخدمها الجهة التي تفرض العقوبات. فالإعلان الأمريكي يثبت أن واشنطن اتخذت إجراءً مالياً، لكنه لا يجعل جميع اتهاماتها المثبتة في البيان حقائق مستقلة بذاتها، ولا يكفي وحده للحكم على الأثر النهائي للعقوبات في الاقتصاد الإيراني أو على النتائج السياسية التي يمكن أن تترتب عليها.
الإشكالية الأساسية ليست ما إذا كانت العقوبات قادرة على إلحاق الضرر بإيران؛ بل ما إذا كان تعميق الضرر الاقتصادي يستطيع تحويل الضغط إلى تنازلات سياسية، أم أنه يطيل المواجهة ويزيد كلفتها على إيران والمنطقة والاقتصاد الدولي معاً؟
من ملاحقة الشبكات المالية إلى التضييق على حركة الموارد
تقوم المقاربة الأمريكية على استهداف حلقات مترابطة من النشاط الاقتصادي الإيراني: مبيعات النفط، والوسطاء التجاريين، وشركات النقل، وشبكات تحويل الأموال، والمؤسسات المالية التي تتيح الوصول إلى العملات الأجنبية. وتستند هذه المقاربة إلى ميزة بنيوية تمتلكها واشنطن، تتمثل في قدرتها على التأثير في التعاملات التي تمر عبر النظام المالي الأمريكي، أو تعتمد على الدولار، أو ترتبط بمؤسسات تخشى التعرض للعقوبات الثانوية.
وتكشف العقوبات المعلنة في 15 أكتوبر عن استمرار هذا النهج، إذ لم يقتصر الاستهداف على جهات إيرانية، بل امتد إلى مؤسسة مصرفية في العراق، وفقاً للبيان الأمريكي. وتكمن الأهمية الاستراتيجية هنا في أن واشنطن لا تحاول تعطيل معاملات إيرانية منفردة فحسب، بل تسعى إلى رفع المخاطر أمام المؤسسات التي يمكن أن تشكل منافذ بديلة للاقتصاد الإيراني.
غير أن الاتهامات الأمريكية المتعلقة بدور البنك والشبكات المرتبطة به ينبغي أن تُنسب بوضوح إلى وزارة الخزانة، ما لم تتوافر أدلة مستقلة تسمح بتأكيدها. فالعقوبات قرار سيادي أمريكي ذو آثار عملية واسعة، لكنها ليست في ذاتها حكماً قضائياً دولياً يثبت كل الوقائع الواردة في مبرراتها.
والأهم أن توسيع دائرة العقوبات لا يعني بالضرورة إغلاق جميع القنوات المالية البديلة. فكلما ارتفعت المخاطر، زادت تكاليف الوساطة والتحويل والتأمين، وقد تتراجع رغبة بعض المؤسسات في التعامل مع إيران؛ لكن حجم الأثر يتوقف على قدرة طهران على إيجاد بدائل، وعلى استعداد الشركاء التجاريين لتحمل مخاطر المواجهة مع واشنطن.
ومن هنا، فإن معيار النجاح الحقيقي لا يتمثل في عدد الأسماء والكيانات المدرجة على قوائم العقوبات، بل في مدى قدرة الإجراءات على إحداث تغيير مستدام في الموارد المتاحة لإيران، من دون أن تتحول إلى أداة ضغط واسعة تضر أيضاً بمصالح الدول والمؤسسات التي تجد نفسها داخل نطاقها.
النفط في قلب المواجهة.. من العقوبات إلى تعطيل الصادرات
يظل النفط الحلقة الأكثر حساسية في معادلة الضغط الاقتصادي، لأنه يوفر مورداً خارجياً مهماً، ويرتبط بقدرة الدولة على الحصول على العملات الأجنبية وتمويل الواردات والحفاظ على قدر من الاستقرار المالي.
وفي تقرير نشرته رويترز في 13 أكتوبر، استناداً إلى بيانات شركة استخبارات الطاقة “Vortexa”، أفادت بأن صادرات إيران البحرية من النفط الخام هبطت إلى الصفر خلال الأسبوع الثاني من سبتمبر، وظلت عند هذا المستوى حتى 5 أكتوبر. وأشار التقرير إلى أن متوسط الصادرات خلال فترة الأربعة عشر يوماً في بداية سبتمبر كان نحو 230 ألف برميل يومياً، كما ذكر أن نحو 83 مليون برميل من الخام الإيراني كانت موجودة على متن ناقلات، بينها 43 مليون برميل غرب مضيق هرمز.
هذه الأرقام مهمة، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة. فهي تتعلق بالصادرات البحرية التي رصدتها الجهة المختصة، وفي فترة زمنية محددة؛ ولذلك لا يصح تحويلها، من دون أدلة إضافية، إلى حكم مطلق بأن إيران فقدت كل قدرتها على بيع النفط أو أن جميع قنواتها التجارية توقفت نهائياً. ومع ذلك، فإن استمرار تسجيل صادرات بحرية عند مستوى الصفر، إذا تأكد في الفترات اللاحقة، يمثل ضغطاً بالغ الخطورة على أحد أهم مصادر الإيرادات الخارجية الإيرانية.
ويكشف هذا التطور عن فارق جوهري بين العقوبات المالية التقليدية وتعطيل حركة الصادرات. فالعقوبات قد تجعل البيع والتحويل والتأمين أكثر صعوبة، لكنها تترك في بعض الحالات مجالاً للمناورة التجارية. أما عندما تصبح حركة الناقلات نفسها موضع تعطيل، فإن الأزمة تنتقل من تكلفة التعامل إلى القدرة الفعلية على نقل السلعة إلى الأسواق.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين العقوبات الاقتصادية والحصار البحري. فهما أداتان مختلفتان من حيث طبيعة التنفيذ والآثار القانونية والاستراتيجية، ولا ينبغي استخدام المصطلحين بوصفهما مترادفين. كما أن توصيف أي إجراء بحري قانونياً يتطلب النظر في أساسه القانوني، وطريقة تنفيذه، ونطاقه، ومدى توافقه مع قواعد القانون الدولي ذات الصلة.
أما من الناحية الاستراتيجية، فإن الضغط على الصادرات لا يقتصر أثره على الإيرادات النفطية المباشرة. فهو قد يرفع تكاليف التخزين والنقل والتأمين، ويزيد صعوبة الحصول على النقد الأجنبي، ويؤثر في قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها، ويضع الدولة أمام خيارات أكثر كلفة لإدارة تجارتها الخارجية.
لكن هذا الضغط لا يعمل في فراغ. فالسوق النفطية مترابطة، وأي تعطيل واسع للإمدادات من منطقة الخليج ينعكس على الأسعار والتأمين البحري وتكاليف النقل، حتى عندما تتمكن الدول المنتجة الأخرى من زيادة صادراتها. وتؤكد بيانات رويترز أن تدفقات النفط من دول الخليج باستثناء إيران تعافت خلال سبتمبر إلى أكثر من 81% من مستويات ما قبل الحرب، بقيادة ارتفاع الصادرات السعودية؛ غير أن هذا التعافي لا يلغي المخاطر التي تفرضها المواجهة على أمن الإمدادات والملاحة.
الريال والتضخم.. الكلفة الاقتصادية تتجاوز حسابات الدولة
لا يمكن تقييم فعالية الضغط الأمريكي من خلال أرقام الصادرات وحدها؛ إذ تظهر آثاره أيضاً في سوق الصرف، والأسعار المحلية، وقدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وفي تقرير نشرته رويترز في 14 أكتوبر، أفادت بأن الريال الإيراني فقد نحو 35% من قيمته أمام الدولار منذ يوليو، وفق بيانات منصة “Bonbast”، بينما بلغ التضخم السنوي 73.6% في سبتمبر. ونقل التقرير عن محافظ البنك المركزي الإيراني رفضه تصوير الوضع باعتباره انهياراً اقتصادياً شاملاً، مشيراً إلى إجراءات تستهدف دعم الاستقرار المالي وتوفير العملات الأجنبية اللازمة للواردات الأساسية، ومنها مبادرة مصرفية لضخ ما يصل إلى ملياري دولار لدعم العملة.
وتشير هذه المؤشرات إلى ضغوط اقتصادية حقيقية لا يصح التقليل منها. فتراجع قيمة العملة يرفع تكلفة السلع المستوردة والمواد الأولية، ويضعف القدرة الشرائية، ويزيد حالة عدم اليقين لدى الشركات والأسر. ومع استمرار التضخم، تصبح المحافظة على الاستقرار الاجتماعي أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تتزامن الضغوط الخارجية مع اختلالات داخلية في الإنتاج والتمويل والتوزيع.
لكن الموضوعية تقتضي عدم اختزال الأزمة الإيرانية في العقوبات وحدها، كما لا تسمح بإعفاء العقوبات من مسؤوليتها عن تعميقها. فالتضخم وتراجع العملة يمكن أن يتأثرا بمجموعة من العوامل، منها القيود على الإيرادات الخارجية، والسياسة النقدية، وتوقعات السوق، والاختلالات الهيكلية، ومدى الثقة بالقرارات الاقتصادية. ويحتاج تحديد الوزن النسبي لكل عامل إلى بيانات مستقلة ومقارنة زمنية أوسع من مجرد رصد التزامن بين العقوبات وتراجع المؤشرات الاقتصادية.
وفي المقابل، لا يكفي تصريح مسؤول إيراني بأن الاقتصاد لم ينهَر لإثبات أن الدولة قادرة على تحمل الضغط إلى أجل غير محدود. فاستمرار المؤسسات الحكومية في العمل يختلف عن استقرار مستوى معيشة المواطنين، كما أن القدرة على توفير السلع الأساسية لا تعني أن تكلفتها أصبحت مقبولة بالنسبة إلى الأسر.
وتتمثل إحدى أخطر نتائج الضغط الاقتصادي في اتساع الفجوة بين قدرة الدولة على مواصلة المواجهة وقدرة المجتمع على تحمل تبعاتها. فالدولة قد تعطي الأولوية لتخصيص الموارد للقطاعات التي تعتبرها استراتيجية، بينما تواجه الأسر والشركات الصغيرة تكاليف مباشرة لا يمكن تأجيلها. ولذلك فإن قياس قدرة إيران على الصمود يجب أن يشمل المؤشرات الاجتماعية والإنتاجية والمالية معاً، لا مؤشرات الإيرادات الحكومية وحدها.
هل تستطيع واشنطن تحويل التفوق المالي إلى إخضاع سياسي؟
تستند الاستراتيجية الأمريكية إلى افتراض مفاده أن تضييق الموارد المتاحة لإيران سيرفع كلفة استمرار المواجهة، ويدفع القيادة الإيرانية في نهاية المطاف إلى مراجعة حساباتها أو قبول تسوية بشروط أقرب إلى المطالب الأمريكية.
وهذا افتراض مفهوم من منظور أدوات الضغط، لكنه ليس نتيجة مضمونة. فالتاريخ الاستراتيجي يبين أن الأثر الاقتصادي لا يتحول تلقائياً إلى استجابة سياسية محددة؛ إذ تتوقف النتيجة على طبيعة النظام السياسي، وأولويات القيادة، وتماسك مؤسسات الدولة، وتصور النخبة الحاكمة للتهديدات الخارجية، ومدى استعدادها لتحمل الكلفة.
قد تؤدي العقوبات إلى دفع دولة ما نحو التفاوض عندما تصبح كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التسوية. لكنها قد تنتج أيضاً أثراً معاكساً، عندما ترى القيادة أن الاستجابة للضغط ستُفسَّر داخلياً باعتبارها خضوعاً، أو عندما تعتقد أن التنازلات لن تنهي العقوبات بل ستفتح الباب أمام مطالب إضافية.
وفي الحالة الإيرانية، لا يمكن افتراض أن الضغوط المالية ستؤدي بالضرورة إلى تفكك داخلي أو إلى تغيير في السلوك الاستراتيجي. كما لا يمكن افتراض أن القيادة ستتمكن من احتواء جميع التداعيات الاقتصادية والاجتماعية. فالمعادلة تتأثر بتفاعل عوامل متعددة، من بينها قدرة الدولة على إدارة الموارد، ومدى تماسك المؤسسات، وحجم الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية والتجارة، وموقف الشركاء الخارجيين.
وتكمن المفارقة في أن الضغط قد يضعف بعض القدرات الاقتصادية الإيرانية، لكنه قد يعزز في الوقت نفسه أولوية الأمن القومي في حسابات القيادة، ويجعل التنازل في ظل المواجهة أكثر صعوبة. وعندئذ تتحول العقوبات من وسيلة لتغيير السلوك إلى عنصر إضافي في الصراع نفسه.
من هنا، فإن السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي أن تطرحه واشنطن على نفسها ليس فقط: ما حجم الضرر الذي يمكن إلحاقه بالاقتصاد الإيراني؟ بل أيضاً: ما نوع السلوك السياسي الذي يُرجح أن ينتجه هذا الضرر، وما حدود السيطرة الأمريكية على النتائج اللاحقة؟
الصين والعراق.. اختبار حدود النفوذ الأمريكي خارج إيران
لا تتوقف آثار الضغط على إيران عند حدودها الجغرافية، بل تمتد إلى الدول والمؤسسات التي ترتبط معها بعلاقات تجارية ومالية. ويبرز العراق هنا بوصفه ساحة حساسة، نظراً إلى ارتباط اقتصاده بالنظام المالي الدولي، وفي الوقت نفسه وجود علاقات اقتصادية وجغرافية عميقة مع إيران.
إن استهداف مؤسسة مالية عراقية على خلفية اتهامات أمريكية بتسهيل معاملات مرتبطة بإيران يرسل رسالة تتجاوز المؤسسة نفسها: فالتعامل مع الشبكات التي تصنفها واشنطن مخالفة للعقوبات قد يعرّض مؤسسات في دول ثالثة لخسائر مالية وقيود تشغيلية. وقد يدفع ذلك مصارف وشركات إلى تقليص تعاملاتها مع أطراف إيرانية حتى عندما تكون لديها اعتبارات تجارية أو مصالح محلية تدفعها إلى مواصلة تلك العلاقات.
وتتمثل المخاطرة بالنسبة إلى العراق في أن يتحول التنافس الأمريكي الإيراني إلى عامل إضافي يضغط على هامش قراره الاقتصادي، ويزيد حساسية علاقاته المصرفية والتجارية. كما أن تشديد الرقابة على التحويلات بالدولار قد ينعكس على بيئة الأعمال وعلى قدرة المؤسسات العراقية على إدارة تعاملاتها الخارجية.
أما الصين، فإنها تمثل عاملاً أساسياً في حسابات الضغط على إيران، لكنها ليست ضمانة مفتوحة لتعويض كل خسارة. فالعلاقات التجارية بين الدول لا تعني استعداداً غير محدود لتحمل المخاطر المالية أو الأمنية، كما أن قدرة أي طرف على الاستمرار في شراء النفط أو توفير قنوات بديلة تتأثر بالأسعار، والنقل، والتأمين، والقيود المفروضة على المؤسسات المشاركة.
ويشير تقرير رويترز بشأن صادرات النفط إلى أن الخام الروسي أصبح يؤدي دوراً أكبر في مجموعة الصادرات التي تصنفها “Vortexa” عالية المخاطر، وأن الصين لم تعد، وفق تقدير منقول عن مسؤولة في الشركة، بحاجة إلى النفط الإيراني بالقدر السابق بسبب توافر الخام الروسي. ويظل ذلك تقديراً متعلقاً بظروف السوق في تلك الفترة، لا دليلاً على انتهاء أهمية إيران بالنسبة إلى الصين أو على توقف العلاقات بين البلدين.
والخلاصة أن واشنطن تستطيع رفع كلفة التعامل مع إيران، لكنها لا تستطيع ضمان أن جميع الشركاء الخارجيين سيتصرفون وفق أولوياتها. فبعض الدول قد يلتزم بالعقوبات تجنباً للمخاطر، وبعضها قد يحافظ على علاقات محدودة أو يبحث عن ترتيبات بديلة، بينما قد تختار أطراف أخرى عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع النظام المالي الأمريكي.
وهذا التفاوت يحد من قدرة العقوبات على تحقيق عزل اقتصادي كامل، لكنه لا يلغي تأثيرها؛ إذ يمكن للضغط أن يحقق نتائج ملموسة حتى من دون إغلاق جميع المنافذ، إذا جعل المعاملات أكثر كلفة وأقل انتظاماً وأضعف قدرة إيران على تحويل مواردها إلى سيولة قابلة للاستخدام.
الكلفة الدولية.. عندما يرتد الضغط على أسواق الطاقة
تراهن واشنطن على أن الضغط الاقتصادي والبحري سيزيد الكلفة على طهران ويحد من قدرتها على مواصلة المواجهة. غير أن استمرار الحرب وتعطيل حركة الطاقة يفتحان مساراً آخر: انتقال جزء من الكلفة إلى الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الدول التي لا تشارك مباشرة في الصراع.
فأسواق الطاقة لا تتعامل مع النفط باعتباره مورداً منفصلاً عن الجغرافيا السياسية. إذ تؤثر المخاطر المحيطة بالممرات البحرية في أسعار الخام والمنتجات المكررة، وتكاليف التأمين والشحن، وتوقعات المستثمرين. وفي 16 أكتوبر، أشارت رويترز إلى بقاء أسعار النفط مرتفعة بفعل المخاوف من اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط، رغم تراجع محدود في الأسعار خلال ذلك اليوم.
ولا يعني ذلك أن جميع الزيادة في الأسعار تعود إلى العقوبات الأمريكية أو إلى تعطيل الصادرات الإيرانية وحدهما؛ فالسوق تتأثر أيضاً بالمخاطر الأمنية، والطلب العالمي، والمخزونات، وسياسات المنتجين الآخرين. لكن استمرار المواجهة يجعل أمن الطاقة عاملاً مركزياً في حسابات الدول المستوردة، ويضع الحكومات أمام مفاضلة بين دعم سياسة الضغط والحفاظ على استقرار الإمدادات والأسعار.
وهنا تظهر حدود استخدام الاقتصاد أداةً للإكراه. فكلما اتسعت التداعيات خارج الدولة المستهدفة، زادت الحاجة إلى حساب ردود الفعل الدولية، وإلى تقدير استعداد الحلفاء والشركاء لتحمل تكاليف استراتيجية طويلة الأمد. وقد يؤدي الضغط إلى زيادة عزلة إيران، لكنه قد يخلق أيضاً خلافات بشأن كيفية إدارة الأزمة، وحدود الإجراءات المقبولة، والجهة التي تتحمل الكلفة الأكبر.
ومن منظور أوسع، تطرح هذه المواجهة سؤالاً يتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي الدولي: إلى أي مدى يمكن أن يتحول النفوذ في النظام المالي العالمي إلى أداة لفرض خيارات سياسية على دول أخرى؟ وما الحد الفاصل بين استخدام العقوبات لتحقيق أهداف معلنة تتصل بالأمن القومي، وبين توسيع أثرها بحيث يطال أطرافاً ثالثة ويؤثر في حياة المدنيين؟
المسارات المحتملة للمواجهة
يمكن تحديد ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة:
1- المسار الأول: استمرار الاستنزاف الاقتصادي. في هذا السيناريو، تواصل واشنطن توسيع العقوبات المالية واستهداف الوسطاء والشركات والناقلات، بينما تحاول طهران حماية ما تبقى من قنواتها التجارية، وإدارة احتياجاتها من النقد الأجنبي، وتخفيف أثر القيود على الواردات. وقد يؤدي ذلك إلى استمرار الضغوط على العملة والأسعار والإنتاج، من دون أن ينتج بالضرورة تغييراً سياسياً سريعاً.
2- المسار الثاني: انتقال الضغط إلى تفاوض مشروط. قد تدفع الكلفة المتزايدة الأطراف إلى البحث عن تسوية تحد من التصعيد أو تعيد فتح بعض قنوات التجارة والملاحة. غير أن فرص هذا المسار ستتوقف على طبيعة المطالب المتبادلة، والضمانات التي يمكن توفيرها، ومدى استعداد الطرفين لقبول اتفاق قابل للاستمرار. فالتفاوض يصبح أقل جاذبية إذا اعتقد أحد الطرفين أن الطرف الآخر سيواصل الضغط حتى بعد تقديم تنازلات.
3- المسار الثالث: اتساع المواجهة الإقليمية. إذا استمر تعطيل الصادرات والملاحة، فقد تتزايد المخاطر على حركة الطاقة، وتتعرض دول ومؤسسات أخرى لضغوط مباشرة أو غير مباشرة. وفي هذه الحالة، قد تتحول الأدوات الاقتصادية إلى جزء من دائرة تصعيد أوسع، ترتفع معها الكلفة على إيران والولايات المتحدة والدول المحيطة وأسواق الطاقة الدولية.
ويتوقف ترجيح أي من هذه المسارات على تطورات الميدان، وقدرة الطرفين على تحمل الخسائر، ومدى وجود قنوات اتصال سياسية، واستجابة القوى الإقليمية والدولية. ولا تكفي المؤشرات الاقتصادية وحدها لتحديد المسار النهائي؛ إذ قد تتعايش الضغوط الاقتصادية الشديدة مع استمرار المواجهة العسكرية والسياسية.
الخلاصة: إضعاف الاقتصاد لا يساوي حسم الصراع
تكشف التطورات الأخيرة أن واشنطن تسعى إلى توسيع نطاق الضغط على إيران عبر الجمع بين العقوبات المالية، واستهداف شبكات التحويل والتجارة، والتضييق على صادرات النفط. وتمثل هذه المقاربة محاولة لاستخدام النفوذ المالي والقدرة على التأثير في حركة التجارة الدولية لتقليص الموارد المتاحة لطهران ورفع كلفة استمرار المواجهة.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية لا يُقاس بمجرد صدور قرارات جديدة أو تراجع صادرات النفط في فترة معينة. فالمعيار الأهم هو ما إذا كانت الضغوط ستؤدي إلى تغيير سياسي مستدام، أم ستفضي إلى إضعاف اقتصادي طويل الأمد يترافق مع استمرار المواجهة وارتفاع تكاليفها الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، فإن قدرة إيران على الصمود لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها حصانة من آثار العقوبات أو دليلاً على أن الاقتصاد قادر على تحمل أي مستوى من الضغط. فالتراجع الحاد في قيمة العملة وارتفاع التضخم، إلى جانب القيود على الصادرات، مؤشرات على كلفة فعلية لا يمكن تجاهلها. غير أن هذه الكلفة لا تحدد وحدها قرار القيادة الإيرانية، ولا تضمن أن تكون النتائج السياسية مطابقة لما تسعى إليه واشنطن.
المعادلة الاستراتيجية الأساسية هي أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات قوية لرفع كلفة المواجهة على إيران، لكنها لا تمتلك بالضرورة القدرة على التحكم في المآلات السياسية والأمنية التي تنتجها هذه الأدوات. وفي الوقت نفسه، تستطيع طهران مقاومة بعض آثار الضغط، لكنها لا تستطيع افتراض أن استمرار الصمود سيمنع تآكل مواردها أو يحول دون انتقال الكلفة إلى المجتمع والاقتصاد.
وبين هذين الحدين، لن يتحدد مستقبل المواجهة بحجم العقوبات وحده، بل بقدرة الأطراف على تحويل الضغط إلى تسوية سياسية، أو فشلها في ذلك وما قد يترتب عليه من استنزاف أوسع. فإضعاف الاقتصاد يمكن أن يغيّر حسابات الصراع، لكنه لا يضمن حسمه؛ وقد يصبح، إذا غابت التسوية، عاملاً في إطالة المواجهة وتوسيع نطاقها بدلاً من إنهائها.



