أخبار العالم

قمة العلمين الرباعية ترسم خطوطاً حمراء في القرن الأفريقي

وجود إطار دوري للتشاور يبعث برسالة مفادها أن أي تهديد يطاول إحدى الدول المشاركة لن ينظر إليه على أنه شأن ثنائي محض وإنما قضية ذات أبعاد إقليمية

أثارت القمة الرباعية  التي عقدها رؤساء كل من مصر وإريتريا والسودان والصومال على هامش أعمال القمة التنسيقية الثامنة للاتحاد الأفريقي لمنتصف العام التي تستضيفها مدينة العلمين المصرية اهتماماً سياسياً وإعلامياً على الصعيد الدولي، لجهة تزامنها مع جملة من الأحداث المتسارعة بمنطقة القرن الأفريقي، بخاصة الحرب في شمال اثيوبيا واحتمالات امتدادها للعمق الإريتري، علاوة على الأزمة الدبلوماسية التي نشبت بين أديس أبابا وكل من أسمرة والقاهرة على خلفية طرد دبلوماسيين معتمدين لدى إثيوبيا، وتوجيه الأخيرة اتهامات بتورط كل من مصر وإريتريا والسودان في دعم المعارضة المسلحة في الشمال، إضافة إلى التوترات القائمة في حوض البحر الأحمر، نتيجة سيطرة جماعة الحوثي اليمنية على الجزر المتحكمة في مضيق باب المندب، وأثر ذلك في مستقبل الملاحة الدولية في هذا الممر المائي الحيوي والاستراتيجي.

وكان المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية استبق القمة ببيان أعلن فيه أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله الرئيس الإريتري أسياسأفورقي في مدينة العلمين، دعم مصر الكامل لأمن إريتريا واستقرارها، واحترام سيادتها ووحدة أراضيها وسلامتها. وشدد السيسي على رفض مصر القاطع لأي انتهاك لسيادة الدول أو مساس بوحدتها الإقليمية، بما يخالف مبادئ القانون الدولي والنظام التأسيسي للاتحاد الأفريقي.

وجاءت هذه التصريحات في ظل تصاعد التوترات في القرن الأفريقي وتجدد القتال في إقليم تيغراي، بما أثار مخاوف من اتساع نطاق المواجهة إلى دول الجوار.

قمة الضرورة

يرى مراقبون لشؤون المنطقة أن القمة، وإن كانت عقدت على هامش أعمال القمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي المقررة سابقاً، فإنها اكتسبت، في ضوء التطورات المتسارعة، طابع “قمة الضرورة” التي فرضتها الظروف الإقليمية، ولا سيما التوترات الأمنية المتصاعدة في البحر الأحمر وتداعياتها على الدول المطلة عليه.

ويأتي انعقاد القمة كذلك في توقيت تشهد فيه العلاقات الإثيوبية توترات متزايدة مع الدول الثلاث: إريتريا والسودان و مصر، تزامناً مع استمرار الخلافات بين الصومال وإثيوبيا في شأن المنفذ البحري وقضية الاعتراف بـ”أرض الصومال”.

ومن ثم، تبدو القضايا الأمنية والجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الاحمر  في صدارة الأجندة غير المعلنة للقمة، إلى جانب بحث سبل احتواء التوترات الإقليمية ومنع امتدادها إلى ساحات جديدة، بما قد ينعكس على أمن الملاحة والاستقرار في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وبحسب البيان الختامي الصادر عن القمة الرباعية، فإن المشاورات ركزت على “ضرورة التزام المبادئ والركائز الأساس للقانون الدولي كونها الأساس الذي يستند إليه الاستقرار والتعاون الإقليميين، بخاصة احترام السيادة واستقلال ووحدة أراضي دول المنطقة”.

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل التهديدات المتصاعدة في شأن احتمال امتداد الحرب الدائرة في شمال إثيوبيا إلى الحدود الإريترية، إلى جانب المطالب الإثيوبية المتعلقة بالحصول على منفذ بحري، والتي تثير مخاوف في شأن سيادة إريتريا والصومال على سواحلهما ومياههما الإقليمية.

كذلك أكد البيان رفض قادة الدول الأربع “التدخلات في شؤون دول المنطقة الداخلية تحت أي ذريعة”، داعين إلى دعم المؤسسات الوطنية وتعزيز الحلول السياسية والسلمية للنزاعات.

وتعكس هذه المواقف، في مجملها، تركيز القمة على مبدأ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، كونه أحد المرتكزات الأساس للتعامل مع التوترات الأمنية والجيوسياسية المتزايدة في منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر، مع تأكيد أن معالجة الخلافات الإقليمية ينبغي أن تكون عبر الوسائل السياسية والسلمية.

كذلك أكد البيان أن الرؤساء الأربعة اتفقوا على تنسيق الجهود المشتركة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وخلق مناخ مُواتٍ للتنمية المشتركة والمستدامة والارتقاء بالعلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية، بما يساعد على تحقيق التكامل والترابط الاقتصادي والتنمية المستدامة، وتعزيز الروابط بين شعوب جميع الدول المشاركة، أخذاً في الحسبان وحدة الأهداف والمصير المشترك.

وأشار البيان إلى دعم وحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية، ورفض أي تدخل أو إجراءات تستهدف وحدة أراضيها وسيادتها الوطنية، وذكر البيان رفض العواصم الأربع أي اعتراف أو دعم انفصال صوماليلاند لأن ذلك يعد مساساً بسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيها.

وفيما يخص السودان شدد البيان على دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء أي كيانات موازية، وتشجيع استئناف العملية السياسية بقيادة سودانية، ودعم المؤسسات الوطنية، إضافة إلى الرفض الكامل لأي دعم لمن اسماهم بـ”المرتزقة”.

تأمين الملاحة الدولية

تضمن البيان الختامي للقمة الرباعية تأكيد مبدأ حرية الملاحة في البحر الأحمر، والتشديد على أن حوكمته وإدارة الترتيبات الأمنية فيه تقعان ضمن مسؤولية الدول المتشاطئة، وهو الموقف الذي طالما دافعت عنه كل من إريتريا ومصر قبل أن تنضم إليهما الصومال والسودان في مخرجات هذه القمة.

وتعهد البيان بمواصلة تعزيز التشاور والتنسيق بين الدول الأربع، وتوسيع نطاق هذا التنسيق ليشمل بقية الدول الأفريقية الشقيقة، بما يسهم في دعم التعاون والتنسيق الإقليميين.

كذلك اتفق قادة الدول الأربع على إنشاء آلية لمتابعة تنفيذ مخرجات القمة التشاورية، على أن تعقد اجتماعاتها بصورة دورية، وكلما دعت الحاجة، بما يتيح مواكبة التطورات وتعزيز التشاور والتنسيق بين الدول المشاركة في شأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.

ملفات ثقيلة

بدوره يرى المتخصص في العلاقات الدولية محمد السيد علي أن توقيت انعقاد القمة الرباعية والدول المشاركة فيها، يعكسان الأهمية التي باتت تحتلها التوترات في البحر الأحمر وتداعيات تجدد القتال في إثيوبيا ضمن حسابات وسياسات الدول الأربع. ويشير إلى أن القمة تأتي في ظل تدهور لافت في العلاقات بين إثيوبيا وكل من مصر وإريتريا والسودان، على خلفية عدد من الإجراءات الإثيوبية المرتبطة بالبعثات الدبلوماسية، إلى جانب الاتهامات التي وجهتها أديس أبابا إلى عواصم الدول الثلاث، وهو ما أضاف بعداً سياسياً وأمنياً إلى المشاورات التي جمعت قادة الدول الأربع.

ويرى السيد أن البيان الختامي للقمة يكرس مجموعة من المبادئ الأساس، في مقدمها ضرورة احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ويعتقد أن هذه المواقف تأتي في سياق التعامل مع التهديدات المتكررة التي تطاول السواحل الصومالية والإريترية، فضلاً عما يصفه بمحاولات المساس بالسيادة الصومالية، من خلال مساعي الاعتراف باستقلال إقليم صوماليلاند. ويلفت إلى أن التشديد على هذه المبادئ يعكس حرص الدول الأربع على تثبيت قاعدة مفادها أن القضايا المرتبطة بالسيادة ووحدة الأراضي لا ينبغي أن تكون محل ترتيبات أحادية أو تدخلات خارجية، خصوصاً في ظل التوترات المتزايدة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر. ويضيف أن البيان أولى اهتماماً لافتاً بالتدخلات الإقليمية في السودان، ولا سيما لجهة الدعم المقدم لقوات “الدعم السريع” التي وصفها البيان بـ “المرتزقة”. ويرى أن استخدام هذا الوصف يعكس، من وجهة نظره، موقاً سياسياً أكثر وضوحاً من جانب الدول الأربع تجاه هذه القوات، في ظل الاتهامات السودانية بوجود دعم إقليمي لها يمر عبر الأراضي الإثيوبية، وهي اتهامات أشارت إليها كذلك تقارير دولية، وإن تفاوتت في طبيعتها ومصادرها ودرجة توثيقها.

ويلفت السيد إلى أن البيان، وعلى رغم تحفظه عن تسمية إثيوبيا مباشرة، يتضمن في معظم بنوده رسائل واضحة حيال الاتهامات والتهديدات التي دأب مسؤولون إثيوبيون على توجيهها إلى الدول الأربع، وإن بدرجات متفاوتة. ويقول إن صياغة البيان عكست، بصورة غير مباشرة، اعتراضاً على ما وصفه بالخطاب الإثيوبي التصعيدي، مع التركيز على مبادئ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق