آسياأخبار العالمبحوث ودراسات

من المنافسة إلى الحوكمة العالمية.. كيف يمكن بناء منظومة عالمية عادلة ومنصفة لحوكمة الذكاء الاصطناعي؟

قبل أيام قليلة من افتتاح المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شانغهاي، أعلنت الصين عن إنجازين تقنيين بارزين استقطبا اهتماما واسعا داخل الأوساط العلمية وشركات التكنولوجيا العالمية، وأعطيا مؤشرا واضحا على تسارع وتيرة الابتكار الصيني في هذا المجال. الأول، تمثل في إطلاق نموذج “كيمي كيه 3″، الذي أظهرت نتائج عدد من الاختبارات المعيارية الدولية تفوقه في بعض مهام البرمجة والاستدلال وتحليل الوثائق الطويلة المدى على نماذج منافسة طورتها شركات أمريكية رائدة. أما الإنجاز الثاني، فكان أكثر دلالة من الناحية العلمية، إذ أعلن فريق بحثي من جامعة تشجيانغ عن تطوير وكيل ذكاء اصطناعي مخصص للبحث العلمي يحمل اسم “تشيوشي”، صُمم لتنفيذ مهام البحث العلمي بصورة مستقلة، بدءا من مراجعة المراجع العلمية وتحليل البيانات، وصولا إلى اقتراح الفرضيات البحثية.

لم تكن هذه الإنجازات مجرد نجاحات تقنية منفصلة، بل جاءت في توقيت بالغ الدلالة، إذ سبقت مباشرة خطاب الرئيس شي جين بينغ في افتتاح المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شانغهاي، الذي لم يركز هذه المرة على استعراض التقدم العلمي للصين فحسب، وإنما أيضا انتقل إلى مستوى أكثر إستراتيجية، يتمثل في طرح رؤية متكاملة لحوكمة الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي، والدعوة إلى بناء منظومة عالمية تقوم على الانفتاح والتعاون وتقاسم فوائد التكنولوجيا، بما يحول الذكاء الاصطناعي من أداة للتنافس الجيوسياسي إلى محرك للتنمية المشتركة.

ومن هنا، فإن فهم مبادرة الصين لحوكمة الذكاء الاصطناعي لا يكتمل بالنظر إلى خطاب شانغهاي بمعزل عن السياق الأوسع. فالإنجازات التقنية التي حققتها الشركات والجامعات الصينية خلال الأشهر الأخيرة وفرت للصين قاعدة علمية متقدمة، بينما جاء المؤتمر ليعكس مرحلة جديدة تسعى فيها الصين إلى تحويل هذا التفوق التقني إلى إسهامات مؤسسية في صياغة قواعد الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، وهي خطوة يرى كثير من المراقبين أنها قد تكون من أبرز ملامح تطوير المنظومة التكنولوجية الدولية خلال العقد المقبل.

إن هذه الرؤية، من وجهة نظري، لا تمثل تحولا مفاجئا، بل تأتي امتدادا لمسار بدأته الصين منذ إطلاق “خطة تطوير الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي” في عام 2017، التي وضعت هدفا إستراتيجيا يتمثل في أن تصبح الصين مركزا عالميا رئيسيا للابتكار في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. ومنذ ذلك الحين، واصلت الصين تطوير منظومة متكاملة تشمل البحث العلمي والحوسبة والبيانات والتطبيقات الصناعية، إلى جانب تطوير الأطر التنظيمية والأخلاقية المنظمة لهذه التكنولوجيا.

من المنافسة التقنية إلى بناء القواعد

تميز خطاب الرئيس شي في شانغهاي بتركيزه بصورة أساسية على قضية الحوكمة العالمية. فقد أكد أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون “منفعة عامة للبشرية”، داعيا إلى بناء إطار دولي يتسم بالانفتاح والتعاون والعدالة والشمول، مع رفض احتكار التكنولوجيا أو استخدامها أداة للهيمنة أو الإقصاء.

كما دعا الرئيس شي إلى تعزيز دور الأمم المتحدة، باعتبارها المنصة الأكثر شرعية لتنسيق قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي، بما يضمن مشاركة جميع الدول، ولا سيما الدول النامية، في صياغة المعايير الدولية، بدلا من اقتصارها على عدد محدود من القوى التكنولوجية الكبرى.

إن هذه الدعوة تعكس رؤية الصين بأن الحوكمة الدولية للتكنولوجيا لا ينبغي أن تبنى على موازين القوة وحدها، بل على مبدأ التعددية واحترام المصالح المشتركة، وهو ما يتسق مع مواقف الصين المتكررة في ملفات الاقتصاد الرقمي وأمن البيانات والتعاون العلمي الدولي.

من التأييد الإعلامي إلى التفاعل المؤسسي

لم يكن خطاب الرئيس شي في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شانغهاي مجرد حدث صيني داخلي، بل تحول خلال أيام قليلة إلى محور نقاش واسع في وسائل الإعلام الدولية ومراكز الفكر، ليس فقط بسبب ما تضمنه من مبادرات عملية، وإنما لأنه طرح تصورا متكاملا لمستقبل حوكمة الذكاء الاصطناعي في وقت يشهد فيه العالم تنافسا متزايدا على قيادة هذه التكنولوجيا الإستراتيجية.

وبعيدا عن الاختلافات السياسية بين القوى الكبرى، فإن قراءة التغطيات الإعلامية الدولية تكشف عن وجود قدر ملحوظ من التقدير لعدد من عناصر المبادرة الصينية، خاصة فيما يتعلق بالدعوة إلى الانفتاح ودعم الدول النامية وتعزيز التعاون المتعدد الأطراف. فقد قدمت وكالة ((رويترز)) في 17 يوليو عام 2026 واحدة من أهم القراءات للمبادرة الصينية. فلم تنظر إلى خطاب الرئيس شي باعتباره مجرد رد فعل على القيود الأمريكية، وإنما وصفته بأنه إعلان واضح عن رغبة الصين في الانتقال من المنافسة في تطوير التكنولوجيا إلى المشاركة في صياغة قواعد الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي. وأشارت إلى أن الصين تطرح نفسها شريكا للدول النامية عبر التدريب، ومراكز التعاون ودعم النماذج المفتوحة المصدر، في مقابل رؤية أمريكية أكثر تقييدا للمشاركة الدولية. كما رأت الوكالة أن الخطاب يعكس تطورا في الدبلوماسية الصينية، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من أدوات السياسة الخارجية، إلى جانب مبادرات مثل مبادرة “الحزام والطريق” ومبادرة التنمية العالمية، وغيرهما من المبادرات العالمية التي قدمتها الصين بما يعزز حضور الصين في الجنوب العالمي.

أما وكالة ((أسوشيتد برس)) فقد ركزت على البعد الإنساني للمبادرة، معتبرة أن الرسالة الأساسية للرئيس شي تتمثل في أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون “منفعة عامة للبشرية”، وليس أداة لاحتكار المعرفة أو تعميق الفجوة الرقمية. كما أبرزت الوكالة إعلان الصين عن توفير خمسة آلاف فرصة تدريب للدول النامية، إلى جانب التعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الصحة والزراعة وإدارة الكوارث، باعتبارها خطوات عملية تتجاوز الخطاب السياسي إلى بناء القدرات.

أما الصحافة الأوروبية، فلم تقرأ المبادرة الصينية من زاوية المنافسة التقنية فقط، بل باعتبارها محاولة لتقديم رؤية بديلة للحوكمة العالمية. فقد رأت صحيفة ((إل باييس)) الإسبانية أن الصين تسعى إلى بناء نظام أكثر شمولا في مجال الذكاء الاصطناعي، يقوم على نقل التكنولوجيا والتعاون مع الدول النامية، في وقت لا تزال فيه هذه الدول تواجه تحديات كبيرة في الوصول إلى البنية التحتية الرقمية والتقنيات المتقدمة.

أما صحيفة ((لوموند)) الفرنسية، فقد أولت اهتماما خاصا لدعوة الصين إلى منح الأمم المتحدة دورا أكبر في وضع قواعد الذكاء الاصطناعي، معتبرة أن هذه الدعوة تعكس رغبة الصين في إضفاء طابع مؤسسي ومتعدد الأطراف على عملية الحوكمة، بدلا من اقتصارها على تحالفات محدودة أو ترتيبات تقودها مجموعة صغيرة من الدول. ورغم أن بعض التحليلات الأوروبية أشارت إلى أن المبادرة تخدم أيضا المصالح الإستراتيجية الصينية، فإنها أقرت بأن الدعوة إلى إشراك الدول النامية في وضع قواعد الذكاء الاصطناعي تمثل قضية تحظى باهتمام متزايد في النقاش الدولي.

أما في آسيا، فقد ركزت صحيفة ((تايمز أوف إنديا)) الهندية على جانب اعتبرته الأكثر تأثيرا في خطاب الرئيس شي، وهو الدعم الصريح للنماذج المفتوحة المصدر. واعتبرت الصحيفة أن الصين، بحسب تعبيرها، “تراهن” على جعل تقنيات الذكاء الاصطناعي أكثر إتاحة للدول والشركات والباحثين، بدلا من الاعتماد على النماذج المغلقة التي تهيمن عليها شركات أمريكية كبرى. وأشارت إلى أن هذا التوجه قد يمنح الدول النامية فرصا أكبر لبناء تطبيقاتها الوطنية من دون الاعتماد الكامل على حلول تجارية مرتفعة التكلفة. ولا يعني ذلك أن جميع المراقبين تبنوا الرؤية الصينية بالكامل، إلا أن كثيرا منهم أقر بأن قضية “إتاحة التكنولوجيا” أصبحت عنصرا أساسيا في النقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.

ووفقا لما أكدته وكالتا ((رويترز)) و((شينخوا))، فإن 29 دولة وقعت رسميا على اتفاقية تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي بصفتها الأعضاء المؤسسين للمنظمة، ومقرها مدينة شانغهاي. ويضم هذا العدد دولا من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، من بينها روسيا وإندونيسيا والبرازيل وباكستان وكازاخستان، ولاوس وصربيا وكوبا، إلى جانب عدد من الدول الأفريقية.

وتستمد هذه المنظمة أهميتها من عدة اعتبارات وهي: أولا، أنها أول منظمة حكومية دولية متخصصة في التعاون والحوكمة في مجال الذكاء الاصطناعي تتخذ من شانغهاي مقرا لها، بما يمنح الصين منصة مؤسسية دائمة للمشاركة في تطوير قواعد الحوكمة العالمية؛ ثانيا، أن الاتفاقية تؤكد الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والتشاور الواسع والإسهام المشترك والمنفعة المتبادلة، مع التأكيد على أن يكون الذكاء الاصطناعي آمنا وعادلا ومفيدا للبشرية، وهي مبادئ تتسق مع الرسائل التي طرحها الرئيس شي في خطابه؛ ثالثا، أن المنظمة تضع بناء القدرات وتقليص الفجوة الرقمية في صدارة أولوياتها، وهو ما يمنحها جاذبية خاصة لدى العديد من دول الجنوب العالمي التي تبحث عن شراكات في مجالات التدريب والبنية التحتية ونقل المعرفة. وقد لاحظت صحيفة ((فايننشال تايمز)) البريطانية في 17 يوليو أن هذا التوجه يعزز الحضور الصيني في الاقتصادات الناشئة عبر ربط التعاون التقني بالتنمية، وليس فقط بالتجارة أو الاستثمار.

أربع ركائز للرؤية الصينية الجديدة

حدد الرئيس شي في خطابه أربع ركائز رئيسة يمكن اعتبارها الإطار الفكري للمبادرة الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي. أولا، الانفتاح والتعاون الدولي. حيث أكد أن الابتكار العلمي يتقدم من خلال التعاون وليس العزلة، داعيا إلى تشجيع تبادل المعرفة ودعم البرمجيات المفتوحة المصدر، وتعزيز التعاون البحثي بين الدول والمؤسسات العلمية؛ وهذا الطرح يحمل دلالة خاصة في ظل الجدل العالمي حول النماذج المفتوحة المصدر في مقابل النماذج المغلقة، إذ ترى الصين أن توسيع الوصول إلى التكنولوجيا يسهم في تسريع الابتكار وتقليص الفجوة الرقمية، بينما يحذر مؤيدو النماذج المغلقة من مخاطر إساءة الاستخدام. ويعكس الموقف الصيني تفضيلا لبيئة أكثر انفتاحا مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة وجود ضوابط للسلامة والأمن؛ ثانيا، ضمان الأمن وإبقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية. فقد شدد الرئيس شي على ضرورة أن يبقى الذكاء الاصطناعي قابلا للتحكم وآمنا، وأن يظل الإنسان هو المسؤول النهائي عن القرارات الجوهرية، بما ينسجم مع الاتجاهات الدولية التي تؤكد أهمية تطوير منظومة ذكاء اصطناعي موثوقة وقابلة للمساءلة؛ ثالثا، رفض تسييس التكنولوجيا أو احتكارها. فقد أكد الرئيس شي على ضرورة عدم توسيع مفهوم الأمن الوطني ليصبح ذريعة لفرض قيود أحادية على التعاون العلمي أو تصدير التقنيات المتقدمة، وقد رأى العديد من المراقبين أن هذا الطرح يعكس الموقف الصيني من بعض القيود الأمريكية المفروضة على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الصين؛ رابعا، تقليص الفجوة الرقمية العالمية. حيث أعلن الرئيس شي أن الصين ستوفر خمسة آلاف فرصة تدريب في مجال الذكاء الاصطناعي للدول النامية خلال السنوات الخمس المقبلة، إلى جانب تعزيز التعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الصحة والزراعة وإدارة الكوارث والخدمات العامة. كما أشار إلى تقديم خدمات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي في مجالات الأرصاد والحد من مخاطر الكوارث لأكثر من 29 دولة. ولعل هذه الرسالة كانت الأكثر أهمية بالنسبة لدول الجنوب العالمي. ولا يمكننا فصل ذلك عن توجه صيني أوسع يهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعي في إطار التعاون مع دول الجنوب العالمي، بحيث يصبح أداة للتنمية المشتركة، وليس امتيازا تكنولوجيا حكرا على الاقتصادات المتقدمة.

ومن المؤكد أن القراءة الأولية لمضامين خطاب الرئيس الصيني في شانغهاي، تكشف أن الصين، إلى جانب مواصلة تقدمها في تطوير النماذج والمنصات والشركات الرائدة، تسعى إلى لعب دور أكبر في صياغة المبادئ التي ستنظم استخدام الذكاء الاصطناعي عالميا. وفي هذا السياق، تبدو المبادرة الصينية محاولة لربط التقدم التكنولوجي بمفاهيم التعددية والتنمية المشتركة وتقليص الفجوة الرقمية، وهي مفاهيم تحظى باهتمام متزايد لدى العديد من دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

كل ما سبق يؤكد أن القيمة الحقيقية لأي مبادرة دولية لا تقاس بما تتضمنه من مبادئ فقط، وإنما أيضا بمدى قدرتها على كسب التأييد الدولي وتحويل هذه المبادئ إلى آليات تعاون ومؤسسات عملية.

*****

أحمد سلام، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية.

*********

المصدر: الصين اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق