آسياأخبار العالمأمريكا

توماس شول الثانية تعيد التوتر الأميركي/الصيني إلى بحر الصين الجنوبي

مواجهة صينية/فلبينية تتطور إلى سجال دبلوماسي بين بكين وواشنطن

عاد التوتر إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في بحر الصين الجنوبي، بعد اعتراض قوات صينية مهمة فلبينية لإعادة التموين والتناوب عند شعاب توماس الثانية، المعروفة في الفلبين باسم “أيونغين شول” وفي الصين باسم “رينآي جياو”، قبل أن ينتقل الخلاف سريعاً من المستوى الميداني بين بكين ومانيلا إلى مواجهة دبلوماسية علنية بين السفارتين الأميركية والصينية في مانيلا.

وتعود الواقعة إلى 24 سبتمبر 2026، عندما كانت الفلبين تنفذ مهمة تناوب وإمداد مرتبطة بالسفينة العسكريةBRP Sierra Madre، وهي سفينة إنزال فلبينية قديمة جنحت عمداً في المنطقة عام 1999 وتستخدمها مانيلا كنقطة تمركز عسكري. وأعلنت السلطات الفلبينية أن سفناً تابعة لخفر السواحل الصيني والبحرية الصينية اعترضت المهمة وأجرت مناورات وصفتها بأنها خطرة، الأمر الذي أدى إلى تعليق المهمة مؤقتاً. ولم يقع، وفق المعطيات المنشورة، اصطدام بين السفن ولم تسجل إصابات.

وبحسب الرواية الفلبينية، كانت سفينة M/V Lapu-Lapu تنفذ مهمة الإمداد، برفقة سفن لخفر السواحل الفلبيني، عندما تدخلت وحدات صينية في مسار العملية. وقالت قوة المهام الوطنية لغرب بحر الفلبين إن تدخل خفر السواحل الصيني والبحرية الصينية عرّض أفراداً فلبينيين للخطر وأعاق مهمة قالت مانيلا إنها مخصصة لإيصال الإمدادات إلى قواتها الموجودة على متن .Sierra Madre

واشنطن تدخل على خط الأزمة

في 27 سبتمبر، انتقل الخلاف إلى المستوى الدبلوماسي الأميركي–الصيني. فقد انتقد السفير الأميركي لدى الفلبين “لي ليبتون” ما وصفه بالمناورات الصينية “الخطرة وغير المسؤولة”، وقال إن التحركات الصينية خلقت خطر وقوع اصطدام وأعاقت مهمة الإمداد الفلبينية. كما دعت السفارة الأميركية بكين إلى وقف ما وصفته بالتكتيكات التصعيدية، مؤكدة دعم واشنطن لمانيلا.

الموقف الأميركي لا يمثل دخولاً عسكرياً مباشراً في الحادثة، لكنه يحمل أهمية سياسية وأمنية بسبب طبيعة التحالف الأميركي–الفلبيني. فواشنطن لا تتعامل مع ما يجري حول شعاب توماس الثانية باعتباره نزاعاً صينياً–فلبينياً منفصلاً تماماً عن التزاماتها تجاه مانيلا، ولذلك تتحول الحوادث البحرية المتكررة في المنطقة إلى اختبار مستمر لكيفية ترجمة الدعم الأميركي للفلبين دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الصين.

بكين ترفض الرواية الأميركية

جاء الرد الصيني في اليوم نفسه تقريباً. فقد رفضت السفارة الصينية في مانيلا توصيف واشنطن للواقعة، واتهمت الولايات المتحدة بتجاهل ما تعتبره بكين أفعالاً استفزازية وغير قانونية من جانب الفلبين.

وقالت السفارة الصينية إن القوات الفلبينية تجاهلت تحذيرات صينية، وإن الإجراءات التي اتخذها خفر السواحل الصيني لمراقبة المهمة وعرقلتها جاءت، من وجهة نظر بكين، في إطار القانون. كما دعت الولايات المتحدة إلى وقف ما وصفته بـ”صب الزيت على النار”، مؤكدة أن دعم واشنطن للتحركات الفلبينية يساهم في زيادة التوتر بدلاً من احتوائه.

وبذلك أصبح الخلاف يتجاوز تفاصيل الحادث البحري نفسه إلى خلاف أوسع حول من يملك حق تحديد قواعد الحركة والتواجد حول شعاب توماس الثانية، وما إذا كانت مهام الإمداد الفلبينية حقاً تشغيلياً لمانيلا أم نشاطاً يتطلب ترتيبات مسبقة مع بكين.

خلفية مهمة: تفاهم 2024 لم يحسم الخلاف

تكمن إحدى أهم نقاط التعقيد في وجود ترتيب مؤقت توصلت إليه الصين والفلبين في يوليو 2024 لتنظيم عمليات التناوب وإعادة الإمداد للسفينةBRP Sierra Madre، بعد سلسلة من المواجهات الخطرة بين الطرفين.

وكان الهدف المعلن للترتيب هو الحد من سوء الفهم والاحتكاك أثناء عمليات الإمداد. وقد سمح هذا الترتيب، بحسب الجانب الفلبيني، بتنفيذ سلسلة من المهام دون وقوع حوادث مماثلة؛ وتقول مانيلا إن الترتيب لا يعني أنها اعترفت للصين بحق الموافقة على تحركاتها أو أنها تخلت عن موقفها القانوني. وفي المقابل، تقدم بكين تفسيراً أكثر تقييداً للترتيب وتؤكد أن على الفلبين الالتزام بشروطه. كما أن النص الكامل للتفاهم لم يُنشر بصورة علنية، الأمر الذي يفسر استمرار الخلاف حول تفاصيله.

ومن هذه الزاوية، فإن حادث سبتمبر 2026 لا يمثل مجرد واقعة بحرية منفردة، بل يمثل أيضاً اختباراً لمدى قدرة التفاهم الذي أُبرم عام 2024 على منع عودة المواجهات حول الشعاب.

البعد القانوني للنزاع

من الضروري هنا الفصل بين الموقفين السياسيين للصين والفلبين وبين الوضع الذي حددته هيئة التحكيم الدولية في قضية بحر الصين الجنوبي.

ففي حكمها الصادر في 12 يوليو 2016، خلصت هيئة التحكيم إلى أن شعاب توماس الثانية هي ارتفاع يقع عند الجَزر ولا يولد منطقة بحرية خاصة به، وأنها تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين. كما تناول الحكم بالتفصيل الأنشطة الصينية حول الشعاب.

لكن هذا الحكم لم ينهِ النزاع السياسي بين بكين ومانيلا. فالصين لم تقبل التحكيم ورفضت نتائجه، بينما تتمسك الفلبين بالحكم كأساس لموقفها القانوني. وبالتالي فإن القول إن “الصين تملك السيادة على مياه الشعاب” باعتباره حقيقة قانونية محسومة سيكون تبسيطاً غير دقيق؛ الأدق صحفياً هو القول إن الصين تتمسك بمطالباتها وموقفها بشأن المنطقة، في حين تستند الفلبين إلى حقوقها البحرية وإلى حكم التحكيم الصادر عام 2016.

ماذا تعني عودة المواجهة؟

الأهمية الحقيقية للحادث لا تكمن فقط في توقف مهمة إمداد واحدة، وإنما في احتمال عودة نمط الاحتكاك البحري الذي شهدته المنطقة بصورة مكثفة خلال عامي 2023 و2024 قبل التوصل إلى ترتيب مؤقت بين بكين ومانيلا.

واللافت أن الحادث وقع بعد فترة شهدت، وفق البيانات الفلبينية، عدداً من عمليات الإمداد التي جرت دون المواجهات التي ميزت المرحلة السابقة. ولذلك فإن اعتراض مهمة سبتمبر يمثل مؤشراً على أن التفاهم القائم لا يزال هشاً، وأن تفسير كل طرف لشروطه وحدود الالتزام به ما زال مختلفاً.

أما دخول الولايات المتحدة على خط الأزمة فيضيف طبقة أخرى من التعقيد. فواشنطن لا تشارك في مهمة الإمداد نفسها، لكنها تعتبر أمن الفلبين والتزامات التحالف معها جزءاً من حساباتها الإقليمية. ومن ثم فإن أي احتكاك خطير بين السفن الصينية والفلبينية يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة سياسية أميركية–صينية، حتى من دون مشاركة عسكرية أميركية مباشرة.

الخلاصة

تكشف واقعة 24 سبتمبر 2026 عند شعاب توماس الثانية عن استمرار التوتر البنيوي في بحر الصين الجنوبي، أكثر مما تشير في حد ذاتها إلى انتقال الصراع إلى مرحلة عسكرية جديدة.

فالواقعة بدأت كمواجهة بحرية صينية–فلبينية حول مهمة إمداد وتناوب، ثم تحولت في 27 سبتمبر إلى سجال دبلوماسي أميركي–صيني بعد تدخل واشنطن سياسياً إلى جانب حليفتها الفلبين ورد بكين على الموقف الأميركي.

وبالتالي، فإن التوصيف الأكثر دقة للتطور هو أنه تصعيد في مستوى الاحتكاك حول شعاب توماس الثانية، وليس مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة والصين.

وتبقى نقطة القلق الأساسية في المرحلة المقبلة مرتبطة بما إذا كانت الحادثة ستظل حادثة منفردة، أم ستشكل بداية عودة المواجهات المتكررة حول Sierra Madre. وفي الحالة الثانية، فإن استمرار تدخل واشنطن السياسي في كل أزمة جديدة قد يجعل أي حادث بحري أكثر ارتباطاً بالتنافس الاستراتيجي الأوسع بين الصين والولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق