سيول تدفع ببرنامج الغواصات العاملة بالطاقة النووية إلى المسار التشريعي وبيونغ يانغ ترد بتصعيد نووي

قسم الاخبار الدولية 29-09-2026
خطت كوريا الجنوبية الثلاثاء خطوة جديدة في برنامجها لتطوير غواصات تعمل بالطاقة النووية، في وقت سارعت فيه كوريا الشمالية إلى مهاجمة المشروع وربطه بالتوسع النووي الأميركي في المنطقة، معتبرة أن التطورات العسكرية الأخيرة تعكس، من وجهة نظرها، تغيراً في البيئة الاستراتيجية المحيطة بشبه الجزيرة الكورية.
وترأس الرئيس الكوري الجنوبي “لي جاي ميونغ” اجتماع مجلس الوزراء في 29 سبتمبر، في وقت تواصل فيه الحكومة العمل على الإطار التشريعي والتنظيمي الخاص ببرنامج الغواصات العاملة بالطاقة النووية.
وكانت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قد طرحت في يوليو الماضي مشروع قانون خاصاً بالبرنامج، بهدف توفير أساس قانوني مستقل لمشروعJang Bogo-N، الذي تخطط سيول من خلاله لبناء غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية. وتنص الخطة على بناء ما لا يقل عن ثلاث غواصات، بوزن يقارب 8 آلاف طن، وبوقود نووي منخفض التخصيب، مع استهداف إطلاق أول غواصة في منتصف ثلاثينيات القرن الحالي.
ولا يتعلق المشروع، وفق الصيغة الرسمية المعلنة، بامتلاك كوريا الجنوبية أسلحة نووية. فمشروع القانون ينص صراحة على أن البرنامج لا يهدف إلى تطوير أو تصنيع أو امتلاك أسلحة نووية، كما يؤكد التزام سيول بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إجراءات الضمانات النووية.
من تحديث الأسطول إلى تغيير طبيعة القدرة البحرية
تكمن أهمية المشروع في طبيعة القدرة التي تسعى سيول إلى تطويرها. فالغواصة العاملة بالطاقة النووية تستطيع، من حيث المبدأ، البقاء في البحر لفترات أطول والتحرك لمسافات أكبر من الغواصات التقليدية، من دون الارتباط بالقيود التشغيلية المرتبطة بإعادة الشحن أو الظهور المتكرر قرب السطح.
وبالتالي، فإن إدخال هذا النوع من الغواصات إلى الأسطول الكوري الجنوبي سيشكل تحولاً في قدرات المراقبة والردع البحري، ولا سيما في مواجهة بيئة أمنية تتسم بتطور القدرات الصاروخية والبحرية لكوريا الشمالية.
لكن ينبغي عدم الخلط بين الدفع النووي والتسليح النووي. فالبرنامج الكوري الجنوبي المعلن يتعلق بالطاقة المستخدمة في تشغيل الغواصة، وليس بتزويدها بأسلحة نووية.
وهذه النقطة تحديداً هي التي تجعل المسألة أكثر تعقيداً من مجرد صفقة تسليح تقليدية، لأنها تجمع بين التكنولوجيا العسكرية والاستخدام العسكري للطاقة النووية، وتفرض ترتيبات خاصة تتعلق بالوقود والضمانات والرقابة والسلامة.
دعم أميركي ومسار دفاعي أوسع
ويأتي تحريك البرنامج في سياق توسع التعاون الدفاعي بين سيول وواشنطن. فخلال القمة التي جمعت الرئيسين “لي جاي ميونغ” ودونالد ترامب في نيويورك في 22 سبتمبر، ناقش الجانبان ملف الغواصات العاملة بالطاقة النووية، إلى جانب حقوق تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك، والتعاون في بناء السفن ونقل السيطرة العملياتية على القوات الكورية الجنوبية في زمن الحرب. وأعلنت سيول أن الجانبين اتفقا على مواصلة المشاورات بشأن هذه الملفات.
وفي اجتماع مجلس الوزراء في 29 سبتمبر، دعا لي جاي ميونغ إلى تسريع بناء الغواصات العاملة بالطاقة النووية وتطوير تقنيات الصواريخ، بما في ذلك الصواريخ الفرط صوتية، وربط ذلك بتعزيز قدرات الدفاع الذاتي الكورية الجنوبية.
وبذلك، لا يبدو برنامج الغواصات منفصلاً عن توجه أوسع لدى سيول نحو تطوير قدرات عسكرية محلية أكثر تقدماً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المظلة الأمنية الأميركية.
بيونغ يانغ تضع المشروع في سياق نووي أوسع
في المقابل، جاء الرد الكوري الشمالي في اليوم نفسه بلهجة أكثر ارتباطاً بالملف النووي.
فقد أصدرت وزارة الخارجية الكورية الشمالية مذكرة اتهمت فيها الولايات المتحدة بدفع النظام النووي العالمي إلى “أسوأ أزمة”، وربطت ذلك بتحديث الترسانة النووية الأميركية وما وصفته بيونغ يانغ بأنشطة انتشار نووي.
وأشارت المذكرة تحديداً إلى التعاون الأميركي مع كوريا الجنوبية واليابان في مجال الغواصات العاملة بالطاقة النووية، إضافة إلى شراكة “أوكوس” بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، باعتبارها مؤشرات على ما تصفه بيونغ يانغ بتشكل ترتيبات نووية جديدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. كما زعمت أن هذه التطورات يمكن أن تقود مستقبلاً إلى دفع كوريا الجنوبية نحو امتلاك برنامج للأسلحة النووية. وهذه الأخيرة “قراءة ومخاوف صادرة عن بيونغ يانغ وليست نتيجة مثبتة”.
واللافت أن الموقف الكوري الشمالي جاء في سياق أوسع من إعادة التأكيد على أن بيونغ يانغ لا تنوي التخلي عن قدراتها النووية. فقد أكد نائب وزير الخارجية الكوري الشمالي “كيم سون-كيونغ” أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أن وضع بلاده كـ”دولة نووية” لا يمكن التراجع عنه، وربط ذلك بما تصفه بيونغ يانغ بالتهديدات الخارجية.
ما الذي تغير فعلياً؟
التطور الحالي لا يعني أن كوريا الجنوبية أصبحت دولة نووية، ولا يعني أنها حصلت بالفعل على غواصات تعمل بالطاقة النووية.
ما تغير هو أن المشروع ينتقل تدريجياً من مستوى التصور والتخطيط إلى برنامج دفاعي له إطار قانوني ومؤسسي ومسار زمني واضح، مع دعم أميركي معلن.
وفي المقابل، فإن حساسية المشروع بالنسبة إلى كوريا الشمالية لا تنبع فقط من الغواصات نفسها، وإنما من ارتباطها بثلاثة ملفات متداخلة: التعاون العسكري الأميركي ـ الكوري الجنوبي، والتكنولوجيا النووية البحرية، وإعادة تشكيل ميزان الردع في شرق آسيا.
وهنا تبرز نقطة أكثر أهمية من الجدل الإعلامي حول “الغواصات النووية”: دخول الدفع النووي إلى القدرات البحرية الكورية الجنوبية قد يضيف مستوى جديداً إلى التنافس العسكري في شبه الجزيرة، في وقت تعمل فيه بيونغ يانغ على تطوير قدراتها الصاروخية والنووية والبحرية الخاصة بها.
الخلاصة
يمثل دفع كوريا الجنوبية ببرنامج Jang Bogo-N خطوة نوعية في تطوير قدراتها البحرية، لكنه لا يساوي امتلاك سلاح نووي. فالمشروع المعلن يتعلق بغواصات تعمل بالطاقة النووية ومسلحة تقليدياً، مع تأكيد رسمي من سيول على الالتزام بمعاهدة عدم الانتشار والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
أما كوريا الشمالية، فتتعامل مع التطور باعتباره جزءاً من تحول أوسع في البيئة النووية والعسكرية الإقليمية، وتستخدمه في الوقت نفسه لتدعيم خطابها القائل بأن استمرار برنامجها النووي يمثل، من وجهة نظرها، استجابة للتهديدات الخارجية.
وعليه، فإن التطور الأهم الذي يستحق المتابعة خلال المرحلة المقبلة ليس مجرد موعد بناء أول غواصة، وإنما كيفية إدارة سيول للجانب النووي من البرنامج، وطبيعة الترتيبات مع واشنطن والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورد فعل بيونغ يانغ على دخول قدرة بحرية جديدة إلى معادلة الردع في شبه الجزيرة الكورية.



