بزشكيان في الأمم المتحدة: بين خطاب المقاومة ورسالة التفاوض

اعداد نور الهدى فجراوي : قسم الاخبار الدولية 2026/09/25
جاء خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثالث والعشرين من سبتمبر في واحدة من أكثر اللحظات توترا في العلاقات الإيرانية الأميركية وفي النظام الإقليمي للشرق الأوسط إذ انعقدت الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة في ظل استمرار الحرب بين إيران والولايات المتحدة وتواصل الضغوط العسكرية والاقتصادية على طهران بالتوازي مع اتصالات دبلوماسية غير مباشرة تهدف إلى البحث عن مخرج سياسي للصراع ولذلك فإن قراءة خطاب بزشكيان تقتضي تجاوز مضمونه المباشر والنظر إليه باعتباره خطابا سياسيا ودبلوماسيا حمل رسائل متعددة إلى واشنطن وإلى العواصم الأوروبية وإلى الدول غير الغربية وإلى الداخل الإيراني في الوقت نفسه
وتكمن الأهمية الرمزية للخطاب أولا في المكان الذي ألقي فيه فالجمعية العامة للأمم المتحدة ليست مجرد منصة لإلقاء الخطب وإنما تمثل في الوعي السياسي الدولي فضاء تتواجه فيه الدول حول مفاهيم السيادة والشرعية والقانون الدولي واستخدام القوة ولذلك اختارت طهران أن تعرض موقفها من الحرب من داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون الإطار المركزي لتسوية النزاعات الدولية بالوسائل السلمية وبهذا المعنى حاول بزشكيان نقل المواجهة الإيرانية الأميركية من المجال العسكري المباشر إلى المجال الدبلوماسي الدولي حيث يمكن لإيران أن تقدم نفسها باعتبارها دولة تخوض صراعا من أجل السيادة والاستقلال وترفض أن تتحول المفاوضات إلى أداة لفرض الإملاءات عليها
وتزداد رمزية الخطاب بالنظر إلى توقيته إذ جاء بعد يوم واحد من خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة والذي تضمن تهديدات حادة تجاه إيران وقد جعل ذلك ظهور بزشكيان أمام المنصة نفسها بمثابة مواجهة دبلوماسية غير مباشرة بين روايتين متعارضتين حول الحرب ففي حين قدم الخطاب الأميركي إيران من منظور التهديد والأمن والردع اختار الرئيس الإيراني التركيز على فكرة أن إيران تتعرض للضغط وأن الشعب الإيراني هو الطرف الذي يدافع عن نفسه أمام القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية
ولم يكن اختيار الرموز البصرية في خطاب بزشكيان تفصيلا ثانويا فقد حمل الرئيس الإيراني صورا لضحايا إيرانيين بينهم أطفال كما عرض صورة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي الذي قُتل في الضربات الأميركية الإسرائيلية التي سبقت الحرب الحالية وبذلك لم يكتف الخطاب بتقديم حجج سياسية وإنما سعى إلى تحويل آثار الحرب إلى صور حاضرة أمام ممثلي الدول في الجمعية العامة وهو ما يمنح الخطاب بعدا رمزيا يقوم على نقل معاناة الحرب من التقارير والأرقام إلى مشهد بصري مباشر أمام المجتمع الدولي
وهنا تظهر إحدى أهم وظائف الخطاب وهي إعادة تعريف موقع إيران في السردية الدولية للصراع فبزشكيان حاول أن يقلب المعادلة الخطابية التي تقدم طهران باعتبارها مصدر التهديد وحدها وأن يقدم في المقابل صورة إيران باعتبارها دولة تعرضت للهجوم وتحتفظ بحق الدفاع عن نفسها وقد عبر عن ذلك بالتأكيد على أن إيران لا تحتاج إلى إذن من أحد للدفاع عن أراضيها واستقلالها وهو خطاب يرتبط بمفهوم السيادة الوطنية الذي يمثل أحد المبادئ المركزية في النظام الدولي
كما أن استخدام بزشكيان لعبارات تتعلق بعدم الاستسلام وعدم الخضوع للضغط اكتسب أهمية تتجاوز بعدها الخطابي المباشر فهذه الرسالة تستهدف واشنطن من جهة لكنها موجهة أيضا إلى الداخل الإيراني من جهة أخرى إذ إن قبول التفاوض في ظل حرب مفتوحة وعقوبات وحصار اقتصادي يمكن أن يثير اعتراضات من التيار المحافظ داخل النظام الإيراني ولذلك كان من الضروري بالنسبة إلى الرئيس الإيراني أن يثبت أن الانفتاح على المفاوضات لا يعني القبول بالتنازل تحت الضغط
وتشير ردود الفعل داخل إيران إلى أن هذه المعادلة كانت حاضرة بوضوح فقد رحب مسؤولون وشخصيات من التيار المحافظ بالخطاب بسبب لهجته الرافضة للاستسلام والضغوط الأميركية بينما ركز إصلاحيون على الجزء الآخر من الخطاب المتعلق باستعداد إيران للتفاوض والانخراط مع العالم وهو ما يكشف أن الخطاب تمكن في الوقت نفسه من مخاطبة تيارين مختلفين داخل البنية السياسية الإيرانية وإن كانت بعض الأصوات المحافظة انتقدت استمرار الحديث عن التفاوض مع واشنطن
ومن هذه الزاوية يمكن فهم عبارة بزشكيان حول عدم الخضوع باعتبارها جزءا من استراتيجية تفاوضية أكثر منها إعلانا عن إغلاق باب الدبلوماسية فالرئيس الإيراني لم يطرح الحرب باعتبارها الخيار الوحيد بل أكد في الوقت نفسه أن إيران تمد يدها إلى العالم وأنها مستعدة للحوار غير أن هذا الحوار يجب أن يتم وفق شروط تعتبرها طهران متوازنة ومن دون ما تصفه بلغة القوة والإملاء وهو ما يعكس محاولة الجمع بين الردع السياسي والانفتاح الدبلوماسي
وتبرز هنا مفارقة أساسية في الخطاب الإيراني فطهران تريد أن تظهر استعدادها للتفاوض من دون أن تبدو وكأنها تفاوض تحت الضغط ولذلك فإن الرسالة المركزية يمكن اختصارها في معادلة مفادها أن إيران لا ترفض الدبلوماسية لكنها ترفض الدبلوماسية التي تأتي بعد فرض شروط عسكرية واقتصادية عليها وهذا يفسر التلازم بين خطاب المقاومة وخطاب التفاوض في كلمة بزشكيان
وتتضح هذه المعادلة أكثر عند ربط الخطاب بما كان يجري فعليا على هامش اجتماعات الجمعية العامة فقد كانت قنوات الاتصال غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة قائمة عبر وسطاء من بينهم قطر وكانت طهران قد نقلت إلى واشنطن مجموعة من الشروط المرتبطة باستئناف المفاوضات وإنهاء الحرب من بينها وقف الحرب على جميع الجبهات وإنهاء الحصار البحري والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة
وبالتالي فإن خطاب بزشكيان لم يكن منفصلا عن طاولة المفاوضات بل يمكن فهمه باعتباره جزءا من البيئة السياسية التي تحاول إيران من خلالها تحديد موقعها التفاوضي فبينما تستمر المواجهة العسكرية تستخدم طهران المنصة الدولية لتأكيد أن أي تسوية مستقبلية يجب ألا تقوم على استسلام أحد الطرفين بل على تفاهمات متبادلة وهو ما يفسر إصرار الرئيس الإيراني على الجمع بين لغة الصمود ولغة الحوار
ويحتل مضيق هرمز موقعا مهما في هذه المعادلة لأن الأزمة لم تعد محصورة في البرنامج النووي الإيراني أو العقوبات وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بالملاحة الدولية والطاقة والأمن البحري وقد أكدت إيران استعدادها لإعادة فتح المضيق في حال خفضت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية وهو ما يكشف أن الممر البحري أصبح ورقة تفاوضية رئيسية ضمن الصراع
ومن هنا يمكن فهم البعد الجيوسياسي للخطاب فبزشكيان لم يخاطب واشنطن وحدها وإنما خاطب أيضا الدول التي تخشى أن يؤدي استمرار الحرب إلى توسيع دائرة الصراع وتهديد طرق التجارة والطاقة في الخليج فطرح إيران نفسها باعتبارها طرفا يمكنه التفاوض حول الأمن الإقليمي والملاحة في مقابل رفع الضغوط عنها وهو ما يحول عناصر القوة الجغرافية والاقتصادية الإيرانية إلى أوراق تفاوضية
وفي المقابل فإن استمرار الحرب يجعل مساحة المناورة الدبلوماسية محدودة فالمشكلة الأساسية لا تكمن فقط في وجود قنوات اتصال بين الطرفين وإنما في عمق الهوة بين شروطهما فطهران تربط العودة إلى مسار التفاوض بوقف الحرب ورفع الحصار وإطلاق الأموال المجمدة بينما تستمر واشنطن في استخدام أدوات الضغط العسكري والاقتصادي من أجل التأثير في الموقف الإيراني ولذلك فإن خطاب بزشكيان يمكن قراءته أيضا باعتباره محاولة لمنع تحويل ميزان القوة العسكرية إلى ميزان تفاوضي دائم
ويحمل الخطاب كذلك بعدا مرتبطا بمفهوم الذاكرة السياسية الإيرانية فاستحضار ضحايا الحرب وصورة خامنئي والحديث عن الاستقلال وعدم الخضوع لا يهدف فقط إلى مخاطبة المجتمع الدولي وإنما يعيد إنتاج سردية المقاومة والصمود التي تشكل جزءا من الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية ومن خلال ذلك يصبح خطاب الرئيس وسيلة لربط الحرب الحالية بتاريخ أوسع من المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتقديم الصراع باعتباره مسألة سيادة وطنية وليس مجرد خلاف حول ملف نووي أو ترتيبات أمنية إقليمية
وفي الوقت نفسه فإن إبقاء باب التفاوض مفتوحا يحمل رسالة مختلفة إلى العواصم الأوروبية والدول التي تخشى اتساع الحرب فإيران تحاول القول إن رفضها للضغط العسكري لا يعني رفضها للحلول السياسية وهو ما يفتح أمامها مساحة للتواصل مع الدول التي يمكن أن تؤدي دور الوساطة أو المساعدة في صياغة تسوية مستقبلية وهذه النقطة مهمة لأن أي اتفاق محتمل لن يكون مرتبطا بالعلاقة الإيرانية الأميركية وحدها بل ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الخليج وأسواق الطاقة وحركة الملاحة والنظام الإقليمي بأكمله
كما أن الخطاب يكتسب أهمية بسبب التناقض بين الرمزية العالية للمنصة الدولية وبين محدودية قدرة الأمم المتحدة نفسها على إنهاء الحرب فالجمعية العامة تستطيع توفير منصة سياسية لعرض المواقف لكنها لا تمتلك وحدها أدوات إلزام الأطراف بوقف القتال ولذلك فإن حضور بزشكيان في نيويورك يمكن أن يؤدي وظيفة سياسية ورمزية مهمة لكنه لا يحل تلقائيا الإشكالات العسكرية والتفاوضية القائمة بين طهران وواشنطن
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن القيمة الأساسية لخطاب بزشكيان تكمن في محاولته تحويل الظهور أمام الأمم المتحدة إلى مساحة لإعادة صياغة صورة إيران في لحظة حرب فقد حاول الرئيس الإيراني أن يجمع بين ثلاث رسائل مترابطة الأولى أن إيران لن تقبل ما تعتبره إملاءات خارجية والثانية أن الحرب لم تدفعها إلى التخلي عن خطاب السيادة والاستقلال والثالثة أن باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحا إذا تحولت المفاوضات إلى عملية تقوم على التزامات متبادلة بدلا من الإكراه
وتكشف ردود الفعل الإيرانية على الخطاب أن هذه الصيغة لم تكن موجهة إلى الخارج فقط فقد وجد المحافظون في خطاب عدم الخضوع ما يتوافق مع خطاب المقاومة بينما وجد الإصلاحيون في حديث الرئيس عن التفاوض والانفتاح على العالم مساحة لإعادة التأكيد على الدبلوماسية وهو ما يجعل خطاب بزشكيان محاولة لتحقيق توازن سياسي داخلي في وقت شديد الحساسية
وفي المحصلة فإن خطاب بزشكيان أمام الأمم المتحدة لا يمكن اختزاله في عبارة رفض الضغوط والعقوبات بل يمثل محاولة لإدارة معركة سياسية متعددة المستويات تجمع بين الحرب والدبلوماسية والشرعية الدولية والرأي العام الداخلي فاختيار منصة الأمم المتحدة وعرض صور الضحايا واستدعاء رموز القيادة الإيرانية ثم التأكيد على عدم الاستسلام مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا كلها عناصر شكلت رسالة واحدة مفادها أن طهران تريد التفاوض ولكنها تسعى إلى الدخول إلى طاولة المفاوضات باعتبارها طرفا صاحب سيادة وليس طرفا مجبرا على قبول شروط الطرف الأقوى
وبذلك يتحول خطاب بزشكيان إلى جزء من المعركة نفسها ولكن بأدوات مختلفة فالميدان العسكري يحدد الوقائع على الأرض بينما تحاول الدبلوماسية تحديد كيفية تفسير هذه الوقائع سياسيا وقانونيا وفي هذا السياق تبدو منصة الأمم المتحدة بالنسبة إلى إيران أكثر من مجرد مناسبة بروتوكولية إذ أصبحت فضاء لإعادة بناء روايتها للصراع وحشد التأييد السياسي لموقفها والتأكيد على أن نهاية الحرب لا يمكن فصلها عن مسألة السيادة والضغوط الاقتصادية وشروط التفاوض ومستقبل الأمن الإقليمي



