البرادعي يدعو العرب إلى تغيير قواعد الأمن الإقليمي مع إيران

قسم الاخبار الدولية 23-09-2026
وجّه السياسي المصري البارز محمد البرادعي في 22 سبتمبر 2026 رسالة إلى الدول العربية بشأن مستقبل الأمن الإقليمي داعيا إلى إعادة التفكير في الطريقة التي يتم من خلالها بناء أمن الخليج والشرق الأوسط واقترح الانتقال من منظومة تعتمد بدرجة كبيرة على الحماية الخارجية والتحالفات الدولية إلى منظومة أمنية إقليمية مشتركة تقوم على الحوار وبناء الثقة والتعاون بين دول المنطقة بما يشمل إيران وتركيا وبقية الدول العربية
ويأتي طرح البرادعي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية أعادت مسألة الأمن الخليجي إلى مركز النقاش الدولي حيث تتداخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مع أمن الملاحة والطاقة والنزاعات الممتدة في اليمن والعراق ولبنان وفلسطين وتزامن ذلك مع أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك التي تحولت إلى مساحة واسعة للاتصالات الدبلوماسية المرتبطة بالحرب والتوترات الإقليمية
ويستند البرادعي في رؤيته إلى فكرة أساسية تتمثل في أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى مرتبطا بصورة شبه كاملة بالقوى الخارجية لأن مصالح هذه القوى قد لا تتطابق دائما مع مصالح دول المنطقة ولذلك دعا دول الخليج والدول العربية إلى بناء إطار أمني تكون دول المنطقة نفسها طرفا أساسيا في صياغته وتحديد قواعده وآليات عمله وهو تصور يقوم على أن الاستقرار لا يتحقق فقط من خلال الردع العسكري وإنما يحتاج أيضا إلى قنوات دائمة للحوار وإلى إجراءات لبناء الثقة وإلى قواعد واضحة لإدارة الأزمات
وتكتسب دعوته أهمية خاصة بسبب موقع إيران في المعادلة الإقليمية فإيران ليست دولة بعيدة عن منظومة الخليج وإنما دولة تطل على الضفة الأخرى من الخليج وترتبط مباشرة بأمن مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم ولهذا يرى البرادعي أن استبعاد طهران من أي ترتيبات أمنية إقليمية يجعل من الصعب بناء نظام طويل الأمد في حين أن إدماجها في حوار أمني لا يعني بالضرورة الاتفاق معها على جميع الملفات وإنما يعني إنشاء قناة مؤسسية يمكن من خلالها إدارة الخلافات بدلا من تركها تتحول بصورة متكررة إلى أزمات عسكرية
وقد برزت أهمية هذه المسألة بصورة واضحة خلال التصعيد الأخير حول مضيق هرمز حيث أعلنت إيران استعدادها لإعادة فتح المضيق خلال فترة زمنية قصيرة إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية كما نقلت طهران شروطا مرتبطة بإعادة فتح الممر إلى الجانب الأميركي خلال اتصالات جرت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة
وتكشف هذه التطورات عن حجم الترابط بين الأمن الإقليمي والأمن الاقتصادي العالمي فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي إقليمي وإنما نقطة عبور رئيسية للطاقة العالمية وقد أدت الحرب والتوترات المحيطة به إلى انخفاض حركة الملاحة بصورة كبيرة حيث أظهرت بيانات 23 سبتمبر 2026 عبور ثلاث سفن للسلع عبر المضيق في اليوم السابق مقارنة بمتوسط متحرك بلغ نحو خمس عشرة سفينة خلال عشرة أيام
وأدى اضطراب حركة الملاحة إلى دفع الدول المنتجة للطاقة إلى البحث عن مسارات بديلة وآليات استثنائية للحفاظ على تدفق النفط والغاز كما أعادت السعودية تشغيل خط أنابيب الشرق والغرب الذي يسمح بنقل النفط باتجاه البحر الأحمر بعيدا عن الاعتماد الكامل على مضيق هرمز وهو ما يوضح أن الأزمات الأمنية في المنطقة لم تعد ذات تأثير عسكري وسياسي فقط وإنما أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة باستقرار الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والطاقة
ومن هذه الزاوية يمكن فهم دعوة البرادعي باعتبارها محاولة لطرح سؤال يتجاوز الأزمة الحالية وهو ما إذا كانت ترتيبات الأمن التي نشأت خلال العقود الماضية قادرة على الاستمرار في ظل تغير موازين القوى الإقليمية والدولية فالاعتماد على القوى الخارجية وفر في مراحل مختلفة مظلة ردع وحماية لدول الخليج لكنه في الوقت نفسه أبقى جزءا مهما من القرار الأمني مرتبطا بحسابات دول كبرى لها أولوياتها الاستراتيجية الخاصة
ولا يعني هذا الطرح أن العلاقات الأمنية بين دول الخليج والولايات المتحدة أو القوى الدولية الأخرى ستختفي وإنما يشير إلى إمكانية إعادة توزيع الأدوار بحيث يصبح الأمن الإقليمي قائما بدرجة أكبر على تفاهمات مباشرة بين دول المنطقة مع استمرار العلاقات الدولية في مجالات الدفاع والتجارة والطاقة والدبلوماسية
وفي هذا السياق تكتسب مشاركة تركيا أهمية إضافية في تصور البرادعي فأنقرة تمتلك علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع عدد كبير من دول المنطقة كما أنها عضو في حلف شمال الأطلسي ولها علاقات متشابكة مع روسيا وإيران والدول العربية وهو ما يجعلها لاعبا قادرا على التأثير في عدد من الملفات الإقليمية ولذلك فإن إدراجها ضمن منظومة أمنية أوسع يمكن أن يعكس محاولة لبناء إطار يتجاوز الاصطفافات التقليدية التي قسمت المنطقة إلى محاور متنافسة
غير أن بناء منظومة من هذا النوع يواجه عقبات كبيرة في مقدمتها اختلاف تصورات الدول بشأن مصادر التهديد فبعض الدول الخليجية تنظر إلى القدرات الصاروخية الإيرانية وإلى نفوذ طهران الإقليمي باعتبارها عناصر أساسية في حساباتها الأمنية بينما ترى إيران أن وجود القوات والقواعد العسكرية الأميركية في محيطها يمثل جزءا رئيسيا من التهديد الذي تواجهه وهذا الاختلاف في تعريف التهديد يجعل بناء الثقة أكثر تعقيدا ويجعل أي نظام أمني مشترك بحاجة إلى معالجة المخاوف المتبادلة بدلا من الاكتفاء بالدعوة العامة إلى الحوار
كما أن الملف النووي يمثل تحديا مركزيا أمام أي ترتيبات أمنية إقليمية فالقضية لا ترتبط فقط بالبرنامج النووي الإيراني وإنما تمتد إلى النقاش الأوسع حول الانتشار النووي في الشرق الأوسط وقد ربط البرادعي بين تحقيق الأمن الإقليمي وبين إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية وهو طرح يتصل بمسألة قديمة في النقاشات الدولية حول الأمن في الشرق الأوسط ويضع القضية النووية ضمن إطار إقليمي شامل بدلا من التعامل معها باعتبارها ملفا منفصلا عن بقية أزمات المنطقة
ويرتبط التصور كذلك بالقضية الفلسطينية حيث يرى البرادعي أن الوصول إلى سلام واستقرار مستدام في الشرق الأوسط يتطلب إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية إلى جانب معالجة ملف الأسلحة النووية وهو ما يعكس رؤية تعتبر أن التوازنات الأمنية في المنطقة لا يمكن فصلها عن الصراعات السياسية والتاريخية التي أسهمت في إنتاج حالة عدم الاستقرار
وفي المقابل فإن الواقع الإقليمي يظهر أن دول المنطقة بدأت بالفعل في تكثيف الاتصالات المباشرة بهدف الحد من تداعيات الأزمات فقد اجتمع وزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية وباكستان في نيويورك في 22 سبتمبر وأكدوا حق السعودية في الدفاع عن نفسها وفقا للقانون الدولي وشددوا على ضرورة الحفاظ على سلامة الملاحة في المنطقة كما أكدوا أهمية الحوار والدبلوماسية باعتبارهما المسار المستدام لمعالجة الأزمات
ويشير هذا التحرك إلى وجود مساحة متزايدة للدبلوماسية الإقليمية لكنه لا يعني بالضرورة أن الدول المعنية أصبحت متفقة على صيغة أمنية موحدة فالاجتماع نفسه يعكس مجموعة من المصالح المشتركة مثل حماية الملاحة ومنع توسع الحرب ودعم الاستقرار لكنه لا يلغي الاختلافات القائمة حول إيران أو اليمن أو طبيعة الدور الأميركي في المنطقة
وتزداد أهمية هذه النقطة مع استمرار المساعي الدبلوماسية الأميركية الإيرانية في نيويورك فقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استمرار الاتصالات مع إيران بينما بقيت المواقف الأساسية بشأن البرنامج النووي الإيراني والضغوط العسكرية موضع خلاف بين الطرفين
ومن منظور أوسع فإن طرح البرادعي يفتح النقاش حول الانتقال من مفهوم الأمن القائم على التحالفات إلى مفهوم الأمن الجماعي الإقليمي وهذا الانتقال يحتاج إلى أكثر من مجرد اجتماعات سياسية إذ يتطلب بناء مؤسسات دائمة وآليات للإنذار المبكر وقنوات اتصال عسكرية ودبلوماسية واتفاقات لخفض التصعيد وترتيبات تتعلق بأمن الملاحة وعدم الاعتداء وحماية البنية التحتية الحيوية
كما يمكن أن يبدأ هذا المسار بصورة تدريجية من خلال ملفات أقل خلافا مثل سلامة الملاحة البحرية وحماية الممرات التجارية والاستجابة للكوارث والأمن البيئي وأمن الطاقة ثم الانتقال تدريجيا إلى الملفات الأكثر حساسية مثل الصواريخ والبرامج النووية والوجود العسكري الأجنبي ومبادئ عدم الاعتداء وهي مقاربة تسمح ببناء الثقة قبل الدخول في القضايا التي تمثل جوهر التنافس الاستراتيجي
وتبرز هنا مسألة أخرى تتعلق بمستقبل الدور الأميركي في المنطقة فالتوترات الحالية أظهرت في الوقت نفسه استمرار أهمية الولايات المتحدة بالنسبة إلى عدد من الدول الخليجية في المجال الدفاعي وبينت الحاجة لدى دول المنطقة إلى امتلاك قدر أكبر من القدرة الذاتية على إدارة أزماتها وفي هذا السياق برزت أيضا مقترحات أميركية لتطوير مسارات طاقة بديلة وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز وهو ما يعكس تحولا من محاولة حماية الممر وحده إلى التفكير في تقليل قابلية المنطقة للتأثر بإغلاقه
وهذا البعد الاقتصادي مهم لأن أي منظومة أمنية إقليمية لا يمكن أن تقتصر على المجال العسكري فالأمن في الخليج يرتبط بالطاقة والتجارة والموانئ وسلاسل الإمداد والاستثمارات والبنية التحتية ولذلك فإن بناء منظومة مستقرة يتطلب أيضا ترتيبات اقتصادية تجعل الدول أكثر ارتباطا بالمصالح المشتركة وأقل اعتمادا على أدوات الضغط والمواجهة
ويطرح البرادعي في النهاية تصورا واسعا لإعادة تعريف الأمن في الشرق الأوسط يقوم على إشراك جميع القوى الإقليمية الأساسية في صياغة قواعد مشتركة وعدم التعامل مع أي دولة باعتبارها خارج النظام الإقليمي بصورة دائمة غير أن تحويل هذا التصور إلى واقع سياسي يحتاج إلى معالجة الخلافات القائمة بين الدول العربية وإيران وتركيا وإلى بناء الثقة بين الأطراف وإلى التوصل إلى تفاهمات بشأن الملفات النووية والصاروخية وأمن الملاحة والوجود العسكري الخارجي
وتأتي أهمية هذا الطرح في أنه ينقل النقاش من إدارة الأزمات بعد اندلاعها إلى محاولة بناء نظام يمنع تحول الخلافات إلى مواجهات واسعة وهو ما يجعل الأمن الإقليمي موضوعا يتجاوز الترتيبات العسكرية الآنية ليصبح مرتبطا بإعادة تنظيم العلاقات بين القوى الإقليمية نفسها وفي ظل استمرار الحرب والتوترات حول الخليج ومضيق هرمز فإن مسألة قدرة دول المنطقة على بناء آليات أمنية مشتركة ستظل مرتبطة بمدى استعدادها لتحويل الحوار من اتصالات ظرفية خلال الأزمات إلى مؤسسات وقواعد دائمة لإدارة الخلافات



