موسكو ودمشق تعيدان رسم مستقبل القواعد الروسية في سوريا

قسم الاخبار الدولية 23-09-2026
أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف أن موسكو تواصل اتصالاتها مع دمشق بشأن مستقبل المنشآت العسكرية الروسية في سوريا وذلك في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين إعادة صياغة تدريجية بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024
ويأتي هذا التصريح في سياق مفاوضات روسية سورية استمرت لأشهر حول طبيعة الوجود العسكري الروسي في الأراضي السورية حيث أصبح مستقبل قاعدتي حميميم الجوية في ريف اللاذقية وطرطوس البحرية على الساحل السوري من أبرز الملفات المطروحة في العلاقات بين موسكو ودمشق وقد أكدت موسكو في وقت سابق أن مسألة وجودها العسكري كانت موضع بحث مع الجانب السوري ضمن إطار أوسع لإعادة تنظيم وظائف المنشآت الروسية في سوريا
وتكتسب القاعدتان أهمية استراتيجية بالنسبة إلى روسيا إذ تمثل طرطوس مركزا بحريا مهما لموسكو في البحر المتوسط بينما توفر حميميم نقطة ارتكاز جوية ذات أهمية للعمليات الروسية في المنطقة وللاتصالات والتحركات المرتبطة بالساحة الأفريقية ولذلك فإن مستقبل هاتين القاعدتين لا يرتبط فقط بالعلاقات الثنائية بين موسكو ودمشق وإنما يتصل أيضا بموقع روسيا العسكري والاستراتيجي في البحر المتوسط والشرق الأوسط وأفريقيا
وقد شهد الملف تطورا مهما خلال أغسطس 2026 عندما أعلنت دمشق التوصل إلى مذكرة تفاهم مع موسكو بشأن مستقبل القاعدتين بعد نحو عام ونصف من المفاوضات وبموجب التفاهمات المعلنة يجري تحويل القاعدتين إلى مراكز مشتركة للتدريب وبناء القدرات مع انتقال المنشآت المدنية إلى السيطرة السورية مع استمرار الوجود الروسي في المواقع العسكرية
وفي 26 أغسطس أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اتصال مع الرئيس السوري أحمد الشرع أهمية مواصلة تطوير العلاقات الثنائية كما تناولت المحادثات مستقبل القواعد الروسية وأكد الجانب الروسي استمرار الاتصالات مع دمشق على مستويات مختلفة وهو ما أظهر أن الطرفين يتجهان إلى إعادة تعريف طبيعة الوجود الروسي بدلا من إنهاء العلاقة العسكرية بصورة كاملة
وتؤكد التطورات اللاحقة أن الاتفاق لا يعني انسحاب روسيا بالكامل من سوريا فقد أفادت تقارير في سبتمبر بأن قافلة روسية من سفن عسكرية وسفن شحن نقلت إمدادات إلى المنشآت الساحلية السورية التي كانت تستخدمها موسكو عسكريا وهي أول عملية من هذا النوع منذ الاتفاق الروسي السوري الجديد بشأن مستقبل الوجود الروسي في البلاد وتشير هذه الخطوة إلى استمرار النشاط الروسي في المنشآت مع انتقال العلاقة إلى صيغة جديدة
ويأتي ذلك بالتزامن مع تصريحات للرئيس السوري أحمد الشرع في نيويورك في 23 سبتمبر 2026 قال فيها إن الحوار مع روسيا أفضى إلى تقليص عدد القواعد الروسية في سوريا إلى قاعدتين وتحويلهما إلى قواعد تدريب للجيش السوري وهو ما يوضح أن التفاهمات الحالية تقوم على تقليص طبيعة الوجود العسكري الروسي وإعادة توجيهه نحو التدريب وبناء القدرات بدلا من الاحتفاظ بمنظومة القواعد التي كانت قائمة خلال عهد الأسد
ويعكس هذا المسار تحولا في طبيعة العلاقة بين دمشق وموسكو فروسيا كانت خلال عهد الأسد أحد أبرز الداعمين العسكريين والسياسيين للنظام السابق وقد أدى تدخلها العسكري المباشر في سوريا منذ عام 2015 إلى تعزيز وجودها على الساحل السوري وترسيخ موقعها في شرق المتوسط لكن سقوط الأسد فرض على موسكو التعامل مع قيادة سورية جديدة تختلف سياسيا عن النظام السابق ولذلك أصبحت المحافظة على المصالح الروسية مرتبطة بقدرتها على بناء علاقة جديدة مع دمشق بدلا من الاعتماد على ترتيبات المرحلة السابقة
ومن جانب دمشق يبدو أن المقاربة تقوم على الحفاظ على العلاقات مع موسكو مع إعادة تنظيم الوجود العسكري الأجنبي بما يتوافق مع تصور جديد للسيادة السورية فقد اختارت الحكومة السورية الحوار مع روسيا بدلا من المطالبة الفورية بإخراجها من البلاد وهو ما سمح للطرفين بالتفاوض حول مستقبل المنشآت الروسية والوصول إلى صيغة تحفظ لدمشق سيطرتها على الأراضي والمنشآت المدنية في الوقت الذي تتيح لموسكو الاحتفاظ بوجود محدود ذي طبيعة تدريبية
وتحمل هذه التفاهمات كذلك بعدا أوسع يتعلق بمستقبل المؤسسة العسكرية السورية إذ إن تحويل القواعد إلى مراكز تدريب يمكن أن يوفر لدمشق إمكانية الاستفادة من الخبرات الروسية في مجالات التدريب والتأهيل العسكري وبناء القدرات وفي الوقت نفسه يسمح لموسكو بالحفاظ على قناة عسكرية داخل سوريا دون العودة إلى مستوى الانتشار الذي كان قائما خلال الحرب السورية
أما بالنسبة إلى روسيا فإن استمرار وجودها في حميميم وطرطوس يوفر لها إمكانية الحفاظ على موطئ قدم استراتيجي في شرق المتوسط حتى في ظل تغير طبيعة علاقتها بالسلطات السورية كما يسمح لها بالإبقاء على خطوط اتصال لوجستية مع تحركاتها في الشرق الأوسط وأفريقيا ولذلك فإن إعادة تنظيم القواعد لا تعني بالضرورة فقدان موسكو لكل أدوات نفوذها في سوريا وإنما تعكس انتقالا من وجود عسكري واسع إلى وجود أكثر محدودية يرتبط بالتدريب والتعاون العسكري
وفي الوقت نفسه فإن مستقبل هذا التفاهم سيظل مرتبطا بالتطورات السياسية والأمنية داخل سوريا وبمدى قدرة موسكو ودمشق على تنفيذ الترتيبات المتفق عليها على الأرض كما أن طبيعة الدور الروسي في القاعدتين ومسألة الصلاحيات والتنسيق العسكري ستظل من الملفات التي تحتاج إلى مزيد من التفاصيل العملية
وبذلك فإن تصريح بيسكوف يعكس استمرار الحوار الروسي السوري بشأن ملف حساس يتجاوز مسألة القواعد العسكرية نفسها ليشمل شكل العلاقات بين البلدين في المرحلة الجديدة فموسكو تسعى إلى الحفاظ على جزء من حضورها الاستراتيجي في سوريا بينما تعمل دمشق على إعادة تنظيم هذا الحضور ضمن إطار ينسجم مع سيادتها على أراضيها ومع إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش السوري
ويشير المسار الحالي إلى أن العلاقات الروسية السورية لا تتجه نحو القطيعة وإنما نحو إعادة تعريف المصالح المتبادلة فالتفاهمات بشأن حميميم وطرطوس تفتح المجال أمام صيغة جديدة تجمع بين تقليص الوجود العسكري الروسي وتحويل جزء من دوره نحو التدريب وبناء القدرات مع استمرار الاتصالات السياسية والعسكرية بين موسكو ودمشق وهو ما يجعل مستقبل القاعدتين أحد المؤشرات الرئيسية على طبيعة موقع روسيا في سوريا والشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة



