أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

القمة المصرية السعودية في القاهرة: قراءة في أجندة إقليمية مفتوحة

تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة، الثلاثاء، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، لتكون، وفق المعطيات الواردة، زيارته الرسمية الثامنة إلى مصر منذ زيارته الأولى في أبريل (نيسان) 2015، فيما كانت آخر زيارة رسمية له إلى القاهرة في يونيو (حزيران) 2022.

وتتزامن الزيارة مع الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، وتصاعد التوتر في المنطقة، واستمرار التصعيد مع الحوثيين وتداعياته على أمن البحر الأحمر وباب المندب. وبينما تأتي الزيارة في إطار العلاقات الاستراتيجية الممتدة بين القاهرة والرياض، فإن التطورات المتسارعة في المنطقة تمنحها أهمية إضافية، وتفتح الباب أمام مجموعة واسعة من الملفات التي يُتوقع أن تكون حاضرة في مباحثات القمة.

وسواء كانت الزيارة مبرمجة مسبقًا أو أن التطورات الأخيرة رفعت من مستوى أهميتها السياسية، فإن قراءة توقيتها تشير إلى أن القضايا الإقليمية والأمنية ستكون إلى جانب الملفات الثنائية والاقتصادية، ضمن أبرز محاور التشاور.

الأمن الإقليمي في المقدمة

من المرجح أن يحظى أمن الملاحة باهتمام خاص، في ظل التطورات المرتبطة بمضيقي هرمز وباب المندب.

فالحرب الأمريكية ـ الإيرانية تفرض تداعيات مباشرة على أمن الخليج وإمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية، بينما يمثل باب المندب تحديًا آخر في ظل التصعيد الحوثي والتهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر.

وهنا تبرز أهمية التنسيق المصري ـ السعودي؛ فالمملكة معنية مباشرة بأمن الخليج وممرات الطاقة، بينما ترتبط مصر بأمن البحر الأحمر وحركة الملاحة وقناة السويس، بما يجعل أي اضطراب في هذه الممرات ذا انعكاسات مباشرة على البلدين والمنطقة والعالم.

الحوثيون.. وتداعيات التصعيد

من المتوقع أن يكون التصعيد الحوثي من الملفات الرئيسية في المباحثات، خصوصًا في ضوء الهجمات الأخيرة على السعودية والمنشآت الحيوية، وما يمكن أن تتركه من تداعيات على أمن المملكة والمنطقة.

وقد تركز القاهرة والرياض على تقييم تطورات التصعيد، ومخاطر اتساعه، وسبل احتوائه، خاصة أن استمرار التوتر لا يمس أمن السعودية وحدها، وإنما ينعكس أيضًا على أمن البحر الأحمر وحركة التجارة الدولية.

ويأتي ذلك في ظل الموقف المصري الرافض للهجمات التي تستهدف أمن المملكة، وهو ما يوفر أرضية سياسية للتشاور بين البلدين حول كيفية التعامل مع التطورات المقبلة، وسبل الحد من تداعياتها.

الحرب الأمريكية ـ الإيرانية.. البحث عن التهدئة

سيكون من الصعب أن تغيب الحرب الأمريكية ـ الإيرانية عن مباحثات القمة، نظرًا إلى تداعياتها المباشرة وغير المباشرة على دول المنطقة.

وقد تتناول المشاورات سبل منع اتساع دائرة الصراع، وحماية دول الخليج، وضمان حرية الملاحة، والحد من التداعيات الاقتصادية المرتبطة بأسعار النفط والتجارة والاستثمارات.

ومن المرجح أيضًا أن تستمع الرياض إلى الرؤية المصرية بشأن كيفية التعامل مع الأزمة، وما إذا كانت هناك مسارات سياسية يمكن أن تسهم في الوصول إلى التهدئة وإنهاء الحرب، أو على الأقل الحد من توسعها وانعكاساتها على المنطقة.

هل يحضر التحالف السعودي ـ التركي ـ الباكستاني؟

ومن الملفات التي قد تكون محل تشاور كذلك الترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة، وفي مقدمتها التعاون أو التحالف السعودي ـ التركي ـ الباكستاني.

ولا يمكن الجزم بأن انضمام مصر إلى هذا الترتيب سيكون مطروحًا على طاولة القمة، لكن من الممكن أن يحضر الموضوع في إطار بحث مستقبل التعاون الأمني بين الدول الإسلامية، خصوصًا في ظل التطورات الإقليمية الراهنة.

وقد يكون من المهم للرياض التعرف إلى رؤية القاهرة تجاه هذه الترتيبات، كما قد تكون مصر معنية بفهم طبيعة هذا التعاون وأهدافه وحدوده وانعكاساته على منظومة الأمن الإقليمي.

فلسطين والسودان وليبيا

وإلى جانب الملفات الأمنية، من المتوقع أن تحضر القضايا العربية الرئيسية، وفي مقدمتها فلسطين وغزة، في ظل استمرار تداعيات الحرب والحاجة إلى تنسيق المواقف العربية بشأن وقف التصعيد، وإيصال المساعدات، ومستقبل القطاع.

كما يظل السودان ملفًا مهمًا بالنسبة إلى القاهرة والرياض، في ظل الحرب المستمرة وتأثيراتها على أمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة، مع احتمال بحث سبل دعم المسار السياسي وإنهاء النزاع.

أما ليبيا، فقد تحضر ضمن المشاورات المتعلقة بالأزمات العربية والاستقرار الإقليمي، وإن لم تكن بالضرورة في مقدمة الملفات التي ستتصدر النقاش.

الاقتصاد.. الشق الثابت في العلاقات

وبالتوازي مع الملفات السياسية والأمنية، سيبقى التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري محورًا أساسيًا في العلاقات السعودية ـ المصرية.

ومن المتوقع بحث زيادة الاستثمارات والتبادل التجاري، ومتابعة المشروعات المشتركة، والتعاون في مجالات الطاقة، ومن بينها مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، إلى جانب فرص جديدة للشراكة الاقتصادية وتعزيز العلاقات التجارية والسياحية.

وتأتي هذه الملفات امتدادًا لمسار التعاون الاقتصادي بين البلدين، بما في ذلك الاتفاقات التي جرى توقيعها خلال الزيارات السابقة، وفي مقدمتها اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة التي وُقعت خلال زيارة ولي العهد إلى مصر في أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

قمة في توقيت استثنائي

في المحصلة، لا تبدو زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة مجرد محطة في العلاقات الثنائية، حتى وإن ظلت الشراكة السياسية والاقتصادية بين البلدين مكونًا أساسيًا فيها.

فتزامن الزيارة مع الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، والتصعيد الحوثي، واضطراب أمن الملاحة، يجعل التشاور حول الأمن الإقليمي حاضرًا بقوة إلى جانب ملفات الاقتصاد والاستثمار والعلاقات الثنائية.

ومن المبكر الحديث عن نتائج أو قرارات ستصدر عن القمة، إذ إن هذه القراءة لا تستبق ما ستسفر عنه المباحثات، وإنما تحاول استشراف أبرز الملفات التي قد تكون حاضرة على طاولة النقاش.

وفي مقدمة هذه الملفات: أمن الخليج ومضيق هرمز، البحر الأحمر وباب المندب، التصعيد الحوثي، الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، الترتيبات الأمنية الجديدة، فلسطين وغزة، السودان، وربما ليبيا، إلى جانب التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدين.

وهكذا تأتي القمة المصرية السعودية في لحظة إقليمية استثنائية، تحتاج فيها المنطقة إلى مزيد من التنسيق والتشاور، ليس فقط لمواجهة الأزمات القائمة، وإنما أيضًا لمنع تحولها إلى أزمات أكبر، مع بقاء نتائج القمة وما ستتمخض عنه من مواقف أو تفاهمات رهنًا بما ستشهده المباحثات بين القاهرة والرياض.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق