آسياأخبار العالمأمريكابحوث ودراسات

السياسة الأمريكية الاحادية تجاه ملف شينجيانغ/الإيغور

التقديم

يحتلّ ملف شينجيانغ موقعاً خاصاً في العلاقات الصينية-الأمريكية خلال السنوات الأخيرة. فمنذ توقيع ما يُعرف بـ”قانون منع العمل القسري الإيغوري (UFLPA) في عام 2021، أخذت الولايات المتحدة تنفّذ سلسلة من الإجراءات الأحادية الجانب ضد كيانات وقطاعات اقتصادية مرتبطة بمنطقة شينجيانغ، تحت مظلة حماية حقوق الإنسان.

وخلال الفترة الممتدة من نهاية يوليو إلى مطلع سبتمبر 2026، برز تطوّران يستحقان التوقف:

الأول هو أن قائمة الكيانات الملحقة بقانون UFLPA شهدت أكبر عملية توسيع منذ إنشائها؛

 والثاني هو انعقاد ملتقى دولي واسع في مدينة أورومتشي، شارك فيه ممثلون من ثلاث وثلاثين دولة، ووجّه عدد من الأكاديميين الأجانب المشاركين فيه انتقادات منهجية مباشرة لمنطق “القرينة القابلة للدحض” الذي يقوم عليه القانون.

وتسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن سؤال مركزي:

ما هي الخصائص التي اتّسمت بها الأدوات الأمريكية في ملف شينجيانغ خلال سبتمبر 2026؟

وما هي أوجه القصور أو المقاومة التي واجهتها هذه الأدوات عند التطبيق العملي؟

توسيع قائمة UFLPA  أضخم عملية في تاريخ القانون

في 31 يوليو 2026، أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، ممثلةً بفرقة العمل المعنية بإنفاذ قانون العمل القسري، إضافة ثلاث وأربعين شركة صينية إلى قائمة كيانات UFLPA، مع تحديث اسمَي شركتين. وبارتفاع العدد إلى 187 كياناً، تكون القائمة قد شهدت أكبر توسيع فردي منذ نشأتها، بزيادة تقارب ثلاثين في المائة.

ويستحق التوزيع القطاعي للشركات الجديدة التوقف. فبخلاف النمط المبكر الذي كان يستهدف القطن والطاقة الشمسية بالدرجة الأولى، شمل التوسيع الجديد قطاعات الألومنيوم والملابس والنحاس والقطن والطماطم ومنتجاتها.

ومن بين الأسماء المدرجة: تشنغتشو سينيان للأغذية، وتشاتشا فودز في القطاع الغذائي؛ وفوجيان تشيبي لانغ للأزياء، وخنان تونغتشو للقطن في المنسوجات؛ وبايين نونفيرس للفلزات، وباوجي جوتشنغ للتيتانيوم في المعادن غير الحديدية؛ وأكسو أودو للسكر، وكاشي أودو للسكر في التصنيع الزراعي. ويعني هذا الامتداد نحو الأغذية والمعادن غير الحديدية أن عدد العُقد في سلاسل التوريد المتأثرة قد ارتفع بوتيرة ملحوظة.

ومن زاوية الآلية القانونية، يقوم جوهر UFLPA على مبدأ “القرينة القابلة للدحض”. فبموجب هذا المبدأ، تُفترض تلقائياً أن البضائع المنتجة من الكيانات المدرجة في القائمة محظورة من الدخول إلى الولايات المتحدة، بسبب شراء مواد خام من شينجيانغ أو لأسباب أخرى، مع انتقال عبء الإثبات بالكامل إلى الشركة المدرجة.

أي أن على الشركة أن تثبت بنفسها أن منتجاتها “لم تُنتَج بعمل قسري”، بدلاً من أن يثبت جهاز الإنفاذ أن الشركة “استخدمت العمل القسري”. وهذا الانقلاب في عبء الإثبات هو المفتاح لفهم منطق تشغيل هذه الأداة.

وتشير بيانات هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية إلى أنها رفضت، منذ بدء تنفيذ UFLPA، أكثر من 24,300 شحنة بقيمة تقارب مليار دولار. ويعكس هذا الرقم حجم التنفيذ الفعلي على مستوى المنافذ الحدودية.

الرد الصيني: الطعن في انقلاب عبء الإثبات

تركّز الرد الصيني على هذا التوسيع في مستويين. على المستوى الوقائعي، أكدت وزارة التجارة الصينية أن الإجراء “لا يستند إلى أي أساس واقعي”، وأنه استخدام للقانون المحلي لفرض عقوبات أحادية الجانب.

وعلى المستوى الإجرائي، أشارت الوزارة إلى نقطة زمنية دقيقة: فقد صدر قرار التوسيع بعد يوم واحد فقط من محادثة الفيديو بين المسؤولين الاقتصاديين والتجاريين الصينيين والأمريكيين في 30 يوليو.

 ووصفت الصين ذلك بأنه “انحراف خطير عن التوافق الذي توصل إليه رئيسا البلدين”، في إشارة ضمنية إلى وجود فجوة بين إيقاع السياسة الأمريكية وقنوات التواصل الثنائي.

أما الجمعية الصينية للقطن فقدّمت اعتراضاً من زاوية المعطيات القطاعية، مؤكدة أن أكثر من تسعين في المائة من حصاد القطن في شينجيانغ يتم آلياً، وأن مزاعم “العمل القسري” تفتقر إلى أساس صناعي، وأن الهدف الحقيقي وراء الإجراءات الأمريكية هو احتواء صناعة القطن والمنسوجات الصينية. ويمثل هذا الطرح محاولة لنقل النقاش من إطار “حقوق الإنسان” إلى إطار “المنافسة الصناعية”.

وعلى مستوى أوسع، واصلت الصين التعبير عن رفضها للسردية الأمريكية في محافل دولية متعددة. ففي أبريل 2026، أعلنت البعثة الصينية الدائمة لدى الأمم المتحدة، في كلمة أمام الدورة الخامسة والعشرين للندوة الدائمة المعنية بقضايا الشعوب الأصلية، تصنيف ملف شينجيانغ ضمن إطار “مكافحة الإرهاب والانفصال” لا ضمن إطار حقوق الإنسان أو حقوق الشعوب الأصلية، مشيرةً إلى أن أكثر من مائة دولة أيّدت الموقف الصيني في اللجنة الثالثة للجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان.

ملتقى أورومتشي تشكيك ميداني في منطق “القرينة”

في 8 سبتمبر 2026، نظّمت جهات في شينجيانغ “ملتقى الصداقة لشينجيانغ” في أورومتشي، بمشاركة أكثر من ثلاثمائة ممثل من ثلاث وثلاثين دولة، بينهم مسؤولون حكوميون وأكاديميون ورجال أعمال وإعلاميون من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وإيطاليا وتركيا وألمانيا، إضافة إلى ممثلين عن منظمة شنغهاي للتعاون ومنظمة العمل الدولية.

ومن أبرز سمات هذا الملتقى أن عدداً من الأكاديميين الأجانب المشاركين فيه وجّهوا نقداً مباشراً للبنية المؤسسية لـUFLPA  فقد استند الأكاديمي الأمريكي باري ساوتمان “جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا” إلى بيانات بحثية ليؤكد أن 99.5 في المائة من سكان شينجيانغ من الأقليات العرقية يعملون ويعيشون داخل المنطقة، في حين تُصنّف السردية الغربية 3.2 مليون شخص غادروا مسقط رأسهم للعمل في أماكن أخرى على أنهم جميعاً ضحايا “عمل قسري”.

ويتمثل جوهر انتقاد ساوتمان لـUFLPA في آلية “القرينة على الإدانة”: فالقانون “يفترض مسبقاً أن جميع شركات شينجيانغ مذنبة”، بينما ترفض السلطات الأمريكية قبول الأدلة التي تقدّمها الشركات الصينية لإثبات عدم استخدامها العمل القسري.

أما فيتو بيتروتشيلي، رئيس معهد البريكس في إيطاليا، فقد طرح من مداخلته سؤالاً منهجياً أعمق. قال إن “تقييم حقوق الإنسان يجب أن يقوم على الأدلة والشفافية والتواصل المباشر”، ورأى أن على أوروبا أن تطالب بهذه العناصر، لا بـ”عقوبات تلقائية جديدة وحملات إعلامية جديدة وحواجز أيديولوجية جديدة”.

وتكمن الأهمية الجوهرية لهذه المداخلات في أنها لم تقتصر على التعبير عن موقف من القضية الوقائعية “هل يوجد عمل قسري في شينجيانغ أم لا” بل تناولت مباشرة البنية القانونية لـUFLPA، أي “انقلاب عبء الإثبات” كتصميم مؤسسي، وتساءلت عمّا إذا كان هذا التصميم يصمد أمام معايير العدالة الإجرائية.

البيانات الاقتصادية نمو التجارة الخارجية لشينجيانغ كأداة في التنافس السردي

تستحق مجموعة من البيانات الاقتصادية التي أُعلنت في الملتقى قراءةً من زاوية “التنافس السردي”. فقد بلغ إجمالي التجارة الخارجية لشينجيانغ في 2025 نحو 520.37 مليار يوان صيني (حوالي 77.5 مليار دولار)، بزيادة 19.9 في المائة على أساس سنوي، وهو أعلى معدل نمو بين جميع المقاطعات والمناطق الصينية، مع إقامة علاقات تجارية مع 223 دولة ومنطقة.

واختيار الصين الإعلان عن هذه البيانات في هذا المحفل الدولي يحمل دلالة واضحة: استخدام النمو التجاري الفعلي لدحض السردية المتوقعة بأن “العقوبات تؤدي إلى عزل شينجيانغ أو تراجعها”.

لكن قراءة هذه البيانات تقتضي الحذر. فنمو إجمالي التجارة لا يعني بالضرورة “عدم وجود عمل قسري”، كما أن تأثير العقوبات الأمريكية قد لا يكون قد ظهر بالكامل في بيانات الإجمالي، لأن انتقال أثر العقوبات يخضع عادةً لفجوة زمنية، ولأن بنية الشركاء التجاريين لشينجيانغ قد تكون في طور التحول. ومع ذلك، وباعتبارها مؤشراً اقتصادياً قابلاً للملاحظة، فإنها توفّر على الأقل نقطة مرجعية لتقييم الأثر الاقتصادي الفعلي للعقوبات.

كيف تشغل الولايات المتحدة الامريكية ادواتها في ملف شينجيانغ؟

بناءً على ما سبق، يمكن طرح الملاحظات التحليلية التالية حول واقع تشغيل الأدوات الأمريكية في ملف شينجيانغ.

  • يقوم تصميم UFLPA على اعتبار “تقليل كلفة الإثبات على جهة الإنفاذ” محوراً رئيسياً. فالجمع بين “القرينة القابلة للدحض” وآلية القائمة يسمح للجانب الأمريكي بأن يُدرج شركة في القائمة دون أن يثبت بشكل فردي وجود عمل قسري لديها، فيُفعّل بذلك حظر الاستيراد. والميزة الكفائية لهذا التصميم واضحة، لكن كلفته تتمثل في نقل عبء الإثبات بالكامل إلى الشركة المدرجة. وانتقاد باري ساوتمان “افتراض أن جميع شركات شينجيانغ مذنبة” يشير تحديداً إلى هذا المنطق المؤسسي. ومن زاوية العدالة الإجرائية، يظل السؤال مشروعاً: هل يتوافق هذا الترتيب مع مبادئ سيادة القانون التي تعلن الولايات المتحدة التزامها بها؟
  • قد يولّد امتداد العقوبات قطاعياً ضغطاً معاكساً على الامتثال. فإدراج الأغذية والمعادن غير الحديدية في التوسيع الجديد يعني أن عدداً أكبر من المستوردين الأمريكيين سيضطر إلى تتبّع سلاسل التوريد وصولاً إلى حلقة التصنيع الصينية. وارتفاع كلفة الامتثال لا يتحمله الجانب الصيني وحده، بل ينتقل أيضاً إلى المستوردين الأمريكيين والمستهلكين في المراحل اللاحقة. ويبقى مدى تحوّل هذا الأثر إلى ضغط داخلي أمريكي يدفع نحو تعديل السياسة متغيّراً يستحق المتابعة.
  • ينتقل التنافس على الجمهور الدولي من “النزاع على الوقائع” إلى “النزاع على المنهج”. ففي ملتقى أورومتشي، لم يكن محور نقد كثير من المتحدثين الأجانب هو الحكم الوقائعي “هل يوجد عمل قسري في شينجيانغ” بل المسألة الإجرائية المتمثلة في “استبدال القرينة بالدليل”. وقد تكون لهذه الاستراتيجية النقدية قدرة اختراق أكبر، لأنها لا تشترط على المتلقي أن يتبنّى مسبقاً “نسخة وقائعية” معينة من أي طرف، بل تستند إلى تصور عام عن الإجراءات القانونية الواجبة.
  • موضع الحذر تستند التحليلات السابقة بصورة أساسية إلى مواد منشورة عبر القنوات الرسمية الصينية حول الملتقى، وإلى معلومات غير مباشرة عن الشركات المدرجة. أما الأساس الوقائعي المحدد للتوسيع الأمريكي، والردود التفصيلية للشركات المدرجة، وتقييمات المؤسسات المستقلة، فلم تكن متوافرة بالقدر الكافي في المواد المتاحة لهذا التقرير. لذلك ينبغي فهم هذه الورقة بوصفها فحصاً لـ”منطق تشغيل الأداة السياسية”، لا حكماً نهائياً على القضية الوقائعية المتمثلة في “وجود أو عدم وجود العمل القسري”.

خاتمة

في الفترة المحيطة بسبتمبر 2026، اتخذت السياسة الأمريكية تجاه شينجيانغ مساراً مزدوجاً: تصعيد مستمر في الأدوات القانونية، مقابل ارتفاع كلفة مواجهة السردية المضادة دولياً. فقد أظهر أكبر توسيع في تاريخ قائمة UFLPA كفاءة تنفيذية عالية على المستوى الإداري، بينما كشفت المداخلات الأكاديمية في أورومتشي من دول متعددة عن تشكيك متزايد في منطق “القرينة على الإدانة”.

وبالنسبة للمراقب، فإن السؤال الأكثر قيمة تحليلية من “من سيكسب الجولة” هو: عندما تواجه أداة قانونية مبنية على “قرينة قابلة للدحض” تشكيكاً منهجياً في العدالة الإجرائية، فكيف سيُحافظ على أساس مشروعيتها أو يُعدَّل؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق